ارتفاع تكاليف الزواج في السودان من المشاكل الاجتماعية الضاغطة على الشباب والشابات، ففضلا عن الكلفة الباهظة لتأسيس حياة مستقلة للزوجين باستئجار منزل وتأثيثه، نجد أن مراسم الزواج نفسها تستنزف أموالا كبيرة ليست في متناول الغالبية الساحقة من الشباب، فالزواج السوداني، ولا سيما في المدن الكبيرة والعاصمة مكلف جدا لدرجة التعجيز! رغم واقع الفقر والبطالة والغلاء الطاحن وقسوة الحياة التي تتطلب من الفقراء ومتوسطي الدخل بالذات ان يكونوا عقلانيين ومقتصدين في الإنفاق، ولكن سلطان العادات والتقاليد يرهب الجميع ويجبرهم على مجاراة السائد في المجتمع مهما كان ذلك مرهقا ، ومن لم يستطع المجاراة يعزف عن الزواج! والإحصائيات تشير إلى نسب عنوسة مرتفعة في المدن السودانية تشمل الجنسين!

ما العمل؟

فتحت “التغيير الإلكترونية” هذا الملف عدة مرات وحاورت شبابا وشابات لهم تجارب ثورية في التمرد على الزواج التقليدي مثل زواج محمود وماريا ، ورشيدة وعبد العزيز، والقاسم المشترك في الزيجتين أن أحد الزوجين ينتمي للإخوان الجمهوريين (محمود جمهوري، ورشيدة جمهورية)، والمدرسة الجمهورية لها تأسيس فكري للعلاقة الزوجية يتضمن الحقوق والواجبات المتساوية والنص عليها في وثيقة الزواج وكذلك تبسيط المراسم لدرجة التقشف التام حيث لا ولائم (الضيافة بلح ومشروب سوداني ليمون أو كركدي) ولا مهر ولا شيلة ولا ذهب ولا حفلات، يتم عقد القران بحضور الرجال والنساء ، وتعقبه جلسة إنشاد عرفاني.

بالطبع الطريقة الجمهورية في الزواج تمثل ثورة على الزواج التقليدي، وبحسابات المصلحة العامة يحتاج المجتمع السوداني لمثل هذا التثوير في تبسيط التكاليف المادية للزواج من جهة، والارتقاء به معنويا عبر تطوير وثيقة الزواج والمساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات ، ولكن هذه الطريقة الثورية  محصورة بين من يعتنقون الفكرة الجمهورية التي أسسها الاستاذ محمود محمد طه وليس لها تأثير خارج مجتمع الجمهوريين.

رشيدة وعبد العزيز

وبما ان المجتمع السوداني متعدد ومختلف، لا بد ان تعكس حلوله لمشاكله  هذا التعدد، ولكن يبقى القاسم المشترك الوحيد المطلوب في كل الحلول هو الجرأة والإرادة.

 

حد الزين … المهر ريالين:

  

الدكتورة  حد الزين محمد الفاتح  العبيد ابنة السيدة  سعاد الصادق بدري لا تنتمي للفكر الجمهوري ، استوقتنا تجربة زواجها التي تداولها بعض أصدقائها على الفيس بوك محتفين بأنها حصرت مهرها في ريالين فضة أي ما يعادل جنيهين سودانيين !!

سألتها”التغيير الإلكترونية ” هل فعلت ذلك في إطار مبادرة شبابية عامة لتبسيط الزواج أم ان الامر خيار شخصي يخصها فقالت أنها لم تبادر بشيء جديد بل أحيت سنة جدها لأمها  الذي كان يقصر مهر بناته في ريالين من الفضة محبذا ان يستثمر الزوج أي أموال لديه في المؤسسة الزوجية.  

ونظرا لأن هذا التقليد معروف في أسرتها لم تواجه حد الزين متاعب في اقناع اهلها الا أن زوجها وليد واهله كانوا مستغربين من تبسيط الموضوع الى هذه الدرجة (طلب مني وليد أن أسأل اهلي الكبار هل فعلا كل المطلوب جنيهين سودانيين؟ ) تقول حد الزين .

وعن اتمام مراسم الزواج توضح حد الزين بأنها ستمارس “الطقوس الظريفة” كما اسمتها من دق الريحة(عملية إعداد العطور السودانية)، وعمل البخور لأنها ممتعة ومميزة على حد تعبيرها. وبخلاف بنات جيلها ولا سيما من الأسر الثرية مثل أسرتها لن تقيم حد الزين حفل زفاف في صالة فاخرة بل  ستكتفي بحفل “جرتق صغير” ارضاء لجدتها وستدعو له الاهل والاصدقاء على نطاق ضيق لأنها تعتبر الحفلات المكلفة”كلام فارغ”  خصوصا أنها سوف تسافر إلى زوجها في أوروبا وتأسيس الحياة هناك يتطلب ادخار كل ما لدى الزوجين من مال.

وتحدثت لنا حد الزين عن مظاهر الفرح وعدد من “القيدومات” التي أقامها لها الأصدقاء والصديقات في إشارة إلى ان التبسيط لا يلغي مظاهر الفرح والبهجة إلا أنها اختصرت كثيرا من المظاهر المتعارف عليها في المجتمع السوداني مثل سد المال والحنة والصالة واعتبرت أن الزواج انتهى بالعقد الذي أشهر العلاقة.

حد الزين والعمل الاجتماعي

 

حد الزين خريجة جامعة الأحفاد للبنات (إدارة أعمال) ولها دراسات عليا في “تنمية الموارد البشرية” وحاصلة على درجة الدكتوراة وكانت رسالتها عن “حقوق عمال المنازل في السودان، تهوى التدريس وإجراء البحوث، وجعلت من خلفيتها الأكاديمية منطلقا لنشاط حقوقي إنساني يعتبر من المجالات المنسية إلى حد كبير في السودان وهو مجال “حقوق عمال المنازل”   والسعي لتطبيق “الاتفاقية الدولية     للعمل اللائق لعمال المنازل” التي أقرتها منظمة العمل الدولية عام 2011  في السودان ، وذلك عبر العمل على  المستوى التشريعي (مع البرلمانيين) وعلى مستوى المجتمع عبر  التوعية  الاجتماعية و الثقافية .

وفي هذا الاطار أسست  حد الزين مبادرة “بيوت رحيمة” التي  تهدف لتأسيس علاقة  رحيمة و محترمة و عادلة بين عمال المنازل و المخدمين . ونشطت المبادرة في مواقع التواصل الاجتماعي بنشر بوسترات وفيديوهات حول موضوع عمال المنازل والخطوة المقبلة ستكون تسجيل المبادرة رسميا .

أكدت حد الزين “للتغيير الإلكترونية” أنها تتمنى وجود حركة شبابية في مجال تبسيط تكاليف الزواج وتجاوز المبالغة في المصاريف لان هذا ما يناسب ظروف البلاد الاقتصادية.

ورغم ان أزمة الزواج في المجتمع السوداني جزء من أزمة اقتصادية كبيرة مرتبطة بتكاليف المعيشة وارتفاع قيمة ايجارات المساكن والبطالة وهي مشاكل تحتاج إلى حلول عامة، إلا ان الحياة لن تتوقف حتى بلوغ تلك الحلول مما يستوجب مساعدة الشباب لأنفسهم بترشيد السلوكيات الاجتماعية وتجاوز العادات الضارة.