عثمان ميرغني
بعد طول انتظار وترقب؛ ومع الثواني  الأخيرة لعُمر مباراة الرئيس الأمريكي “باراك أوباما” في الحكم، صدر قرار تنفيذي رئاسي برفع الحظر -جزئياً ومؤقتاً- عن السودان بعد عشرين عاما من صدورها..
وزير الخارجية البروفسير إبراهيم غندور كان ذكياً وهو يرفض مجاراة (الفرح الحكومي) فاصدر بياناً وصف القرار الامريكي بأنه (خطوة مهمة) نحو رفع العقوبات عن السودان.. ويبدو أن غندور فهم مغزى الشرط الجزائي في متن القرار .. فالإدارة الأمريكية جمّدت الحظر الاقتصادي لمدة ستة أشهر تعيد النظر بعدها في قياس مدى التزام الحكومة السودانية بشروط (المسلك).. شهادة استيفاء (حسن سير وسلوك). 
نص القرار الأمريكي كان واضحاً في الإشارة إلى أن سلوك الحكومة السودانية خلال الستة أشهر الماضية، هو السبب في رفع الحظر وأنه يتوجب على الحكومة السودانية إثبات قدرتها على الالتزام بهذا السلوك لستة أشهر قادمة.. وفِي خطاب وزارة الخزانة الامريكية كانت الإشارة واضحة إلى أن السلوك المعني ليس سلوك الحكومة السودانية تجاه أمريكا بل (تجاه المواطنين السودانيين).. وهذا هو عين ما كتبته هنا مراراً أن أزمتنا مع أمريكا والمجتمع الدولي عامة هي نتاج سياسات (داخلية).. وأن المطلوب لإصحاح الأوضاع مع أمريكا والمجتمع الدولي تصحيح سياساتنا الداخلية.. بالتحديد ملفات حقوق الإنسان (الإنسان السوداني وليس الأمريكي) ووقف الحرب وتمرير المساعدات الانسانية إلى مناطق الحروب في الأقاليم الثلاثة ( دارفور، جنوب كردفان والنيل الأزرق).
لا أتوقع انفراجا سريعاً في مشكلة التحويلات البنكية لأن كثيراً من المؤسسات المالية الحذرة ستتعامل مع شرط الستة أشهر بحساسية.. فهي مدة قصيرة ستضطر الكثيرين لانتظارها قبل التورط في معاملات اقتصادية كبيرة ومهمة.. لكن بالتأكيد الأمر في يد الحكومة السودانية إذا اتخذت قرارات جريئة لوقف الحرب فوراً، واكمال التسوية السياسية فقد يوفر ذلك نصاب الثقة المطلوب دولياً قبل انقضاء الستة أشهر .. لكن إذا واصلت الحكومة السودانية ترديد عبارات من مثل (نحن لا نهتم للمجتمع الدولي) فأغلب الظن أن موجة الفرح السائدة الآن ستُغشي الأبصار.. فلا ترى الحكومة الحفرة التي أمامها.
لابد من نظرة حصيفة بعين استراتيجية (الحكومة والمعارضة معاً) لندرك أن رفع العقوبات في مصلحة الوطن -لا الوطني- وأننا دفعنا ثمناً باهظاً في مقابل شعارات جوفاء وسياسات أجوف خلال الـ(٢٧) سنة الماضية .. والشعب السوداني تحمل أذى و إهانات دولية كان يحس بها كل مواطن سوداني عندما يقدم جواز سفره لأي سفارة أجنبية بالخرطوم أو لموظف الجوازات في المطارات الأجنبية .. رغم أننا شعب مسالم متسامح خلاف الصورة المتوحشة التي نُوسم بها خارجياً.
لابد أن نفتح صفحة جديدة مع المجتمع الدولي بترسيخ قيم حقوق الإنسان.. وهو أمر لا يحتاج إلى (مخرجات الحوار) ولا لتعديلات دستورية.. دستورنا الحالي يحتشد بالحقوق.. لكن حكومتنا تستكثرها علينا.
ربما الوجه المشرق الأهم للقرار الامريكي.. أن تدرك الحركات المسلحة أن موسم الهجرة إلى السلام بات حتمياً.. تخفيف العقوبات يعني عملياً تشديد الضغوط على الحركات فنفس الشرط الجزائي على الحكومة ينطبق على الحركات.. حان الوقت لإطلاق سراح أهلنا في مناطق الحروب لتكن المعركة القادمة سياسية كاملة الدسم