نبيل اديب

 ” فى حججك التى قدمتها من أجل الدعوة لإصدار وثيقة الحقوق أغفلت حجة هامة، وهى حجة تكتسب لدىّ وزناً كبيراً، وأعنى بها أن وجود وثيقة الحقوق يتيح للقضاء سلطة لمراجعة السلطات الأخرى صيانةً لتلك الحقوق. إن القضاء المستقل، والذى يقتصر إهتمامه على أداء عمله، هو موضع ثقة كبيرة لما يتمتع به من علم وتماسك أخلاقي”.

توماس جيفرسون فى خطابه لماديسون تأييداً لإقتراح الأخير بتعديل الدستور، ليتضمن وثيقة حقوق. 

نعود اليوم لعرض حكم المحكمة  الدستورية في الدعوى التي أقامها الأستاذ فاروق أبو عيسى والدكتور أمين مكي مدني ضد جهاز الأمن والمخبارات، أثناء وبسب إعتقالهما بموجب قانون الأمن الوطني في ديسمبر 2014م عقب عودتهما من أديس ابابا، حيث كانا قد وقعا على نداء السودان.

تضمنت دعوى أبو عيسى ومدني طعناً في دستورية بعض الفقرات من  المادة (50) من قانون الأمن والمخابرات الوطني، وهي فقرات تمنح أي عضو في الجهاز يحدده المدير سلطة إعتقال أي مشتبه فيه لمدة 30 يوما يجوز للمدير تجديدها لمدة ثلاثين يوما بغرض التحري والتحقيق دون أن تكون لأي جهة قضائية سلطة مراجعة الإعتقال.

الأسباب التي إستندت عليها المحكمة لشطب الطعن

 رفضت المحكمة الدستورية طعن الطاعنين فيما يتعلق بالجزئية الخاصة بعدم دستورية تلك الفقرات وقد إستندت في رفضها للطعن على أنها قررت في أحكام سابقة دستورية المادة، ، وأن وفقاً المادة لذلك قد أكتسبت حصانة لايجوز معها للمحكمة الدستورية العودة لفحصها. وقد أصدرت المحكمة الدستورية في هذه النقطة قرارها بالإجماع.

 كتب مولانا عبدالرحمن يعقوب رأي المحكمة الدستورية في هذه الجزئية وجاء كالتالي “رداً على ماذُكِر فأننا نقول أن نص المادة 50 من قانون الأمن الوطني 2010 هو النص المقابل لنص المادة 31 من قانون الأمن الوطني 1999م، وقد قضت المحكمة الدستورية في عدة دعاوى بدستورية نص المادة 31 من قانون الأمن الوطني 2009م، منها الدعوى الدستورية م د / ق د / 39/ 2007 م بين عثمان المقدوم وآخرين ضد جهاز الأمن الوطني وحكومة السودان .

والدعوى الدستورية رقم م د/ ق د/ 11/ 2008 م فيما بين عمار نجم الدين حسين جلك ضد جهاز الأمن الوطني .

بناءً عليه ولما كان نص المادة 50 من قانون الأمن الوطني المطعون في دستوريتها هي ذات المادة 31 من قانون الأمن الوطني 1999 م بل أن مدة الاعتقال في المادة 31 من قانون الأمن الوطني 1999م كانت أكبر مما ورد في المادة 50 من قانون الأمن الوطني 2010م فإني أرى شطب الادعاء بمخالفة نص المادة 51 من قانون الأمن الوطني 2010م للدستور” 

شروط إلزامية الأحكام السابقة

وهذا النظر يثير من الأسئلة أكثر مما يجيب عليها، وأولها هل المحكمة الدستورية ملزمة بأحكامها السابقة ؟ والاجابة على ذلك السؤال تحمل أوجه عديدة. فمن جهة أحكام المحكمة الدستورية في الأساس تفصل في مسائل  متعلقة بتفاصيل  النزاع المطروح أمامها، ولكنها حين تفعل ذلك قد تحمل مبادئ مطلقة. وفي حين تكون المبادئ المطلقة صالحة للإستناد عليها في الفصل في الدعاوي اللاحقة، يقتصر  مايخص الأحكام  المستندة على تفاصيل  النزاع حبيس الدعوى التي صدرت فيها .

من جهة ثانية، فإن المحكمة الدستورية تستطيع أن تعود عن ما قررته من مبادئ عامة إذا رأت فيه خطأ، أو إذا  تغيرت المعايير الفقهية في الفقه الدستوري. وهي إذ تفعل ذلك تطرح المبدأ الذي قالت به من قبل، ثم تناقش ما أصابه من خلل يجعلها تحيد عنه. وفي بعض البلاد والذي يقوم فيها القانون على السوابق، ونحن لسنا من ضمنها، يتطلب ذلك أن تطرح المسألة على المحكمة بكامل هئيتها، وليس فقط على الدائرة التي ترى الخروج عن ماسبق تقريره من قواعد في الدعاوي السابقة.

الواضح من الحكم هو أن المحكمة الدستورية قد ألزمت نفسها بما ذكرته حول مادة ترى أنها مشابهة للمادة التي إستبدلتها حين تمت إعادة إصدار القانون في 2010 والسؤال هو هل المادة (50) من قانون الأمن الوطني هي ذاتها المادة (31) من قانون قوات الأمن الوطني لعام 1999م، حتى تلزم المحكمة الدستورية نفسها بحكمها السابق؟ الإجابة عندي بالنفي وإليك الدليل. الفقرة (د) من المادة المذكورة تمنح  لعضو الجهاز الذي يحدده المدير سلطة اعتقال أى شخص لمدة لا تتجاوز ثلاثة أيام للاستجواب والتحري مع بيان الاتهام. في حين ان الفقرة هـ من قانون 2010 تجيز بقرار من أي عضو في الجهاز سلطة اعتقال أى شخص لمدة لا تتجاوز ثلاثين يوماً أي أن مدة الإعتقال أصبحت في قانون2010 عشرة أضعافها في قانون 1999م ولم يعد الإعتقال مقيداً بأن يكون للاستجواب والتحري، كما وذهب القيد الذي كان يفرضه قانون 99 على عضو الجهاز بأن يوضح للمعتقل الإتهام الذي يتحرى معه بصدده.

كذلك فقد وضع قانون 99  قيداً على السلطات المدير في تجديد الإعتقال لمدة ثلاثين يوماً أخرى، وهو أن تقوم في مواجهة المعتقل دلائل أو بينات أو شبهات لإرتكاب جريمة ضد الدولة. في حين أن قانون 2010 لايتطلب أن يكون التجديد بسبب التحري في شبهة إرتكاب جريمة ضد الدولة بل يكتفي بوجود حاجة لمزيد من التحري والتحقيق دون تحديد لموضووع هذا التحري أو التحقيق.

وعلى ضوء هذه الفوارق فهل يصلح القول بدستورية المادة 31 من القانون القديم كغطاء لدستورية المادة 50 من قانون الجديد يمنع المحكمة الدستورية من فحص دستورية المادة الجديدة متى طلب منها ذلك ؟

الإجابة عندي بالنفي فقد كان الأولى أن تتصدى المحكمة لموضوع الطعن وتفحص المادة بالتفصيل، وتقرر في مدى توافقها مع الحقوق الدستورية التي يذكر عنها الدستور نفسه أنها عهداً بين كافة أهل السودان وبينهم وبين حكوماتهم على كل مستوى وهي الحقوق والحريات التي نصت المادة 48 على حرمتها وأهابت بالمحكمة الدستورية أن تصونها  وتحميها وتطبقها . كان الأجدر بالمحكمة الدستورية أن تنظر للمادة الجديدة على ضوء ما يعترف به الدستور من حريات وحقوق لترى ما إذا كانت المادة قد صادرت أو قيدت تلك الحقوق أو إنتقصت منها، فتقضى بعدم دستوريتها، أم إقتصرت فقط على تنظيمها فتقضى بدستوريتها، مع تبيان أسبابها في التوصل لذلك، بدلاً من أن تصرف النظر عن الطعن لمجرد أنه سبق وقررت في دعاوى سابقة دستورية مادة أخرى في قانون مختلف؟

وقد كان على المحكمة أن تتعرض تفصيلاً لسبب شطبها للطعن السابق، لأن قول المحكمة بأن مادة معينة لا تخالف الدستور، لايعني قفل باب الطعون ضدها لمخالفة الدستور، وإنما قد يقوم حائلاً دون تقديم طعن لنفس السبب الذي تم رفضه  في الدعوى السابقة، أى أن تكون المحكمة الدستورية قد قضت ليس فقط بدستورية المادة بشكل عام، بل تكون قد قد رفضت النعي على المادة بعدم الدستورية في الطعن السابق بنفس الأسباب التي ينعى بها الطاعن بعدم الدستورية في الطعن الحالى، وهذا يتطلب منافشة تفصيلية لذلك الحكم، ولا يكفى بشأنه قولاً معمماً بأن المحكمة كانت قد قررت دستورية المادة من قبل.

عمار نجم الدين ضد جهاز الأمن

وسننظر فيما يلي تفصيلاً في حكم المحكمة الدستورية في  سابقة عمار نجم الدين التي قررت دستورية المادة 31 والتي وإستندت المحكمة عليها لتشطب دعوى عدم دستورية المادة 50 دون فحص.

اللافت للنظر في دعوى عمار نجم الدين هى أنها لم تقرر مبدءً دستورياً واجب الإتباع، قررت بمقتضاه دستورية المادة 31 من القانون القديم، ولكنها ذهبت لشطب الطعن بعدم دستوريتها، بقرار من أغلبيتها يستند على أسباب مختلفة متصلة بالدعوى نفسها، وليس بإتفاق أغلبية أعضاء المحكمة على مبدأ دستوري معين. ففى حين كان رأي الأقلية وهم القضاه الأجلاء ابراهيم يعقوب، والطيب العباسي، وبولين أوال، واضح ومستقر على قبول الطعن والقضاء بعدم دستورية المادة، إلا أن الأغلبية والتي رأت شطب الطعن إستندت على أسباب متفرقة ومختلفة يجعل من المستحيل القول بتقريرهم لمبدأ دستوري واجب الإتباع. وسنعرض فيما يلي لتلك الآراء.

مولانا سنية الرشيد رغم أنها ذهبت لشطب الدعوى، إلا أنها أسست رأيها على أنه لا مصلحة للطاعن في الطعن بدستورية المادة، وهذا بالطبع لا يحجب أي طعن لاحق بعدم الدستورية. أما مولانا عبدالله أحمد عبدالله، رحمة الله عليه، فقد ذهب لأن العهود الخاصة بحقوق الإنسان التي تذكر المادة 47 من الدستور أنها جزء لا يتجزء من الدستور، يجب أن يتم إستقبالها أولا في النظام التشريعي السوداني، وإلا فإنها تظل خارج الدستور ولا يجوز الإستناد عليها للحكم بعدم دستورية المادة. وهذا الرأي قد تم تجاوزه في العديد من أحكام المحكمة الدستورية اللاحقة مما يجعله غير جدوى في فحص الطعن بدستورية الفقرات المطعون فيها في المادة 50.

بالنظر لحكم مولانا عبدالله البشير نجد أنه أسس رأيه على سببين الأول “ لا رأي وجهاً للقول بمخالفة المادة 31 من قانون قوات الأمن الوطني للمادة 34 (2) من الدستور لان المادتين تتفقان في وجوب إخطار المعتقل بالتهمة دون تأخير في وفي خلال مدة اعتقاله التي لا تتجاوز ثلاثة أيام في المادة 31 (1) (د) من قانون الأمن الوطني” والحكمان اللذان سبب بهما مولانا رأيه لا نظير لهما في المادة 50 الحالية. والسبب الثاني يقول مولانا ” توقفت كثيراً عند السلطة الممنوحة للمدير بموجب المادة 31(2) (أ) والتي تسمح له منفرداً باعتقال أي شخص لمدة ثلاثة إأشهر وتمديدها لمدة ثلاثة أشهر أخرى فقد بدت لي سلطة واسعة ومطلقة لشخص فرد كان يجب تقييدها على الأقل عند التمديد بموافقة مجلس الأمن الوطني وما منعني من التصدي لها إلا أنها سلطات لا يجب ان تمارس أصلا إلا في ظروف استثنائية تؤدي إلى ترويع المجتمع وتهدد امن وسلامة المواطنين وذلك بممارسة النهب المسلح أو الفتنة الدينية أو العنصرية وبعد إخطار وكيل النيابة المختص” وهو حكم لا ينطبق على سلطة التجديد لدى المدير في المادة 50 .

وهكذا نرى أن ثلاثة من القضاة الأجلاء قرروا عدم دستورية المادة 31 وأن ثلاثة آخرين لا يتصل قرارهم بدستورية المادة 50 بأي شكل من الأشكال

رأى منفرد بدستورية المادة 31

القاضي الوحيد الذي رأى دستورية المادة 31 والذي ينسحب حكمة ليس فقط على المادة 50 بل على أى مادة تقرر حبس المشتبه فيه، هو مولانا سومي زيدان وجاء رأيه كالتالي

  “هل لمشروعية السلطة التقديرية الموضوعة بيد مدير جهاز الأمن الوطني أو مجلس الأمن الوطني مبرر يصححها ؟ للإجابة على هذا التساؤل لابد من مرجعية حاكمة لأننا إذا احتكمنا الى المعقول المجرد من المرجعية الأعلى راوحنا النزاع الذي طرحه الطعن .

وفي تقديري تتوفر هذه  المرجعية في قوله تعالى على لسان سيدنا سليمان عليه السلام : (( ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين (20) لأعذبنه عذاباً شديداً أو لأذبحنه  ليأتيني بسلطان مبين (21) )) سورة النمل الآية 20 و21

ففي التفسير : لأعذبنه …. أو نجعله في القفص ” التفسير المنير  للزحيلي” ذلك يعني حتى يأتي ببرهان ظاهر أو حجة بينة لإعذاره دليلاً على أن غيابه لا مخالفة فيه لقانون سيدنا سليمان عليه السلام.

وبالرغم من أن المعلن هو العقوبات التي تنتظر الهدهد إلا أن الحبس في القفص هو الحبس التوقيفي حتى يأتي الهدهد بدليله المبرئ له . ونأخذ بهذا الحكم تأسيساً على القاعدة (( شرع من كان قبلنا شرع لنا) غير أن هذا النص غير مقيد بسقف زمني ….. كما جاء بفقه الأحوال الشخصية أن التلوم لمدة لمدة عام كامل بلا مزيد عليه كافٍ للتحقق من تضرر أى زوجة تدعى التضرر من زوجها لعدم وفاء الزوج بحقوقها الزوجية. وتحديد العام في ذلك بني على أمر موضوعي وهو أن لكل فصل من فصول السنة الأربعة أثره على مزاج الشخص فإذا أنقضت الأربعة فصول دون وفاء بالمطلوب يكون الزوج قد أعذر بمبرر كافٍ يتوجب معه التفريق بينهما لرفع الضرر عن الزوجة.

فمعقولية الأخذ بهذا التوقيف لعام كأطول مدة للتوقيف لأجل التحري والتحقق في مصلحة عامة قياساً على المصلحة الخاصة مبرر كافٍ للقول بعدالة النص المطعون فيه بما يفي بمقتضيات التواؤم بين النص والدستور”

وهو كما نرى قد قاس الحبس لغرض التحري الذي يجوز توقيعه على الناس، على حبس سيدنا سليمان للهدهد، فرأى أنه يجوز الحبس حتى يثبت المعتقل براءته من الشبهه وإن كان لم يذهب بالقياس إلى جواز الذبح الذي هدد به سيدنا سليمان الهدهد. أما بالنسبة لمدة الحبس فقد رأى أن تكون عاما كاملا بالقياس على حكم خاص بالأحوال الشخصية. عموماً فإن رأي مولانا سومي زيدان لا يمكن إعتباره هو رأى المحكمة على ضوء ما عرضنا من رأى الأغلبية والأقلية والذين لم يقبل أيا منهم قلب عبء الإثبات بحيث فيقرر جواز حبس المشتبه فيه إلى أن يثبت براءته من الإشتباه.

 مجمل القول هنا هو أن المحكمة الدستورية قد شطبت طعن الطاعنين حول دستورية الفقرات المطعون فيها من المادة 50 دون فحص لأسبابه إستناداً على ما ذكرنا وما أبنا أنه لا يتعلق بطعن الطاعنين ولا بالفقرات التي طعنا فيها. واقع الأمر هو أن الطاعنين قد إستندا في القول بعدم دستورية الفقرات المطعون فيها على اسباب مختلفة أهمها ما يلي

معقولية الإشتباه

 سمحت المادة 50 (هـ) لعضو الجهاز باعتقال الشخص، لمجرد الإشتباه فيه، لمدة ثلاثين يوماً، دون تحديد لنوعية الإشتباه، ولا درجة خطورته، ويجوز لمدير الأمن  تجديدها لخمسة عشرة يوماً أخرى وفقاً للفقرة (و) من نفس المادة. كما وتمنح الفقرة (ح) لمجلس الأمن الوطنى، اذا تبين له ان بقاء الشخص رهن الحراسة ضروري، لإكمال التحري والتحقيق، لإرتباط الإتهام بما يهدد امن وسلامة المواطن، وترويع المجتمع، عن طريق النهب المسلح، او الفتنة الدينية، او العنصرية، أو الإرهاب، أو تخريب السلام، أو ممارسة العنف السياسي، أو التخابر ضد الوطن، سلطة مد فترة الحبس لمدة لاتتجاوز ثلاثة اشهر دون أن تتطلب سبباً معقولاً للإشتباه، ولا تخضع الحبس لرقابة القضاء، مما يجعل سلطة الإحتجاز سلطة تحكمية تعسفية، لا يحكمها ضوابط. والإشتباه حسب تفسير المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان، يتطلب وجود وقائع أو معلومات تجعل المراقب الموضوعي يعتقد بأن الشخص المعني قد يكون قد إرتكب الجريمة موضوع القبض. وقد ذكرت المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان فيما يتعلق بجرائم الإرهاب، أنه رغم أن تلك الجرائم ذات طبيعة خاصة، تجعل مستوى المعقولية في الإشتباه في إرتكابها، مختلف عن المستوى المتطلب في الجرائم العادية، و رغم أن هناك من الأمور المتعلقة بالتحرى ما يستوجب سرية أكبر من التحرى فى الجرائم الأخرى، إلا أن ذلك لا يجب أن يمتد للدرجة التي تؤدي للإخلال بأساس مبدأ المعقولية، وعلى الإتهام أن يكشف بعض الوقائع والمعلومات التي تجعل المحكمة تقتنع بمعقولية الإشتباه في المقبوض عليه، ولذلك فقد قررت في دعوى فوكس وكامبل وهارتلى ضد المملكة المتحدة، أن المدعين قد تم القبض عليهم بواسطة ضباط إشتبهوا بحسن نية فى أنهم ضالعين في عمل إرهابي، بسبب أن إثنين منهم كانوا قد أدينوا بأعمال إرهابية من قبل، كما وأن إستجوابهم بمجرد إعتقالهم حول أعمال إرهابية تكشف عن حسن نية الضباط. ولكن كل ذلك لا يدعو للقول بأن الوقائع التي أدت لإشتباه الضباط في المدعين كانت ستؤدي لإشتباه معقول، لدى مراقب موضوعي، في أن المدعين قد إرتكبوا الفعل الذى تم القبض بسببه. فحسن النية في الإعتقال لا صلة له بمعقولية الإشتباه، لذلك فإنه يجب على الدولة المدعى عليها أن تكشف للمحكمة عن الظروف التى أدت للإشتباه. . Fox, Campbell and Hartley v. The United Kingdom, Appl. No. 12244/86; 12245/86; 12383/86),

الإعتقال التعسفي

إن مسألة تحديد أسباب للقبض هى مسألة محورية، إذ أنها تتصل بحق الحرية الشخصية، وهى من أهم الحقوق الدستورية، والحق فى المحاكمة العادلة، لأنه يؤدى إلى توقيع عقوبة الحبس بدون حكم قضائى، كما وأن حبس المتهم بغير مبرر يؤدى إلى حرمانه من تحضير دفاعه، وقد ذكرت لجنة حقوق الإنسان الأفريقية في دعوى Womah Mukong V. Cameroon Communication No. 458/1991, U.N. Doc. CCPR/C/51/D/458/1991 (1994). أن القبض التعسفي لا يلزم أن يكون مخالفاً للقانون، بل يجب أن يفسر تفسير واسعاً، بحيث يشمل معاني مثل أن يكون غير مناسب، وغير عادل، ويفتقد الأسس التي يمكن توقعها في التطبيق المناسب للقانون، وكذلك فإن الإبقاء على المقبوض عليه قيد الإحتجاز لا يجب فقط أن يكون مشروعاً بل يجب أن يكون معقولاً ومناسباً وعادلاً.

الإعتقال التعسفي لا يعتبر مرادفا لمخالف للقانون، بل لا بد أن يفسر بشكل واسع، ليشمل معاني غير منصف، وغير متوقع، وغير ملائم، وغير متماشي مع التدابير السليمة للقانون. ويعني هذا أن الإبقاء قيد الإحتجاز لا يتوجب فقط أن يكون قانونياً، بل أيضاً أن يكون أيضاً معقولا ضرورياً بالنظر لكل الظروف، كأن يكون يهدف لمنع هروب المشتبه فيه، أو العبث بالبينات، أو العودة لإرتكاب الجريمة على سبيل المثال”

وقد أيد هذا النظر قرار لجنة حقوق الإنسان الإفريقيCommunication 275/2003, Article 19 v. Eritrea, para. 93

ويلاحظ أن المادة “29” من الدستور لا تقتصر على حماية الحرية الشخصية، بل تلزم الدولة أيضاً بتوفير الأمان لمن هم على أرضها، وذلك بمنع ما يهدر أمنهم الشخصي من أي مصدر كان، كما ويجب أن تمتنع هي نفسها عن تهديد المواطنين، وإفقادهم للشعور بالأمان عن طريق قوات الضبط فيها، لذلك فقد رأت لجنة حقوق الإنسان الأفريقية في دعوى دياس ضد أنقولا، أن الحكومة الأنجولية قد أهدرت حق المدعى في الأمان عن طريق قواتها الأمنية، وخرق الحق فى الأمان يتم أيضاً بمنح سلطات تحكمية لأجهزة الدولة، لأن ذلك  لا يخرق حريتهم الشخصية فقط ، بل حقهم فى الأمان أيضاً. Communication No. 711/1996. 20 March 1998

حدود سلطة المشرع في تقييد الحريات

ورغم أن المادة تجيز تقييد حرية الشخص لأسباب، ووفقاً لإجراءات، ينص عليها القانون، إلا أن هذا لا يعني أن للسلطة التشريعية أن تحدد وفق هواها تلك الأسباب، أو تلك الإجراءات، بل عليها أن تحدد ذلك وفق الحدود الدستورية للتشريع، حسبما جاءت في المادتين “27” (3) أو (4) من الدستور، فعليها أن تراعي عندما تحدد أسباب القبض المواثيق والعهود والإتفاقيات الدولية التي صادق عليها السودان، كما ويجب على المشرع حين ينظم سلطة القبض أن يراعي أنه لا يجوز له أن يمس الحق في المحاكمة العادلة، ولا يجوز له الإنتقاص من الحق في الحرية الشخصية، وإنما يجوز له فقط  أن يخضعه إستثناءً لقيود مؤقتة، بشرط أن تكون تلك القيود ضرورية لتطبيق العدالة .

وهذه الأحكام يجب أن تتقيد أيضاً بالعهود الدولية الخاصة بالحريات العامة، ليس فقط تلك التي صادق عليها السودان، والتى جعلها الدستور ضمن أحكامه، بل أيضاً العهود الدولية التي لم يصادق عليها السودان، متى كانت تقنيناً للعرف الدولي، أو أصبحت جزءاً من العرف الدولي ،كإتفاقية مناهضة التعذيب مثلاً، فهذه العهود تظل أحكامها ملزمة للمشرع السوداني، سواء صدق السودان على تلك الإتفاقيات  أم لم يصدق.

 في دعوى كيمانش ضد فرنسا ذكرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، أن القبض يجب أن يكون متفقاً مع القواعد التي وضعها القانون الداخلي للدولة المعنية ،ولكن القانون الداخلى يجب أن يتفق مع الأسس التي وضعها العهد الأوروبي لحقوق الإنسان، بحيث لا يكون القبض صحيحاً إذا تم وفقاً لقانون داخلي يتعارض مع ذلك العهد،.وهذا المبدأ هو مبدأ عام لايتصل بالعهد الأوروبى فقط ، إذ أن القوانين الداخلية يجب عليها أن تتقيد بالمستوى الدولي المطلوب، وفقاً للعهود الدولية العامة الخاصة بحقوق الإنسان، والتي أصبحت ملزمة للجميع .

ونقف عند هذا الحد لان المجال يضيق عن ما يجاوز ذلك

نبيل أديب عبدالله

المحامي