خالد فضل

في البدء اجد نفسي ممتلئا بالعرفان و التقدير لرهط عظيم من الاصدقاء و الصديقات و الزملاء و الزميلات و الاساتذة و الاهل و الاقارب و طلابي من خريجي كلية كمبوني و اصهاري من مختلف أنحاء السودان و خارجه و جيراني في الحي و زملاء و زميلات ومعارف زوجتي . و بعد فضل الله براعة دكتور طارق عمر اختصاصي الشبكية و طاقمه المعاون بمركز الفيصل لطب العيون بالخرطوم الذي يقف على رأسه صاحبه و مديره د.نزار خالد زميلي على ايام الدراسة بحنتوب الجميلة ورفقة السكن بداخلية ابي الكيلك و تحية خاصة للدكتورة هاجر حسن .

لقد اسعفتني دعواتكم و تضامنكم الواسع ومساهماتكم المعنوية و المالية و العينية في تجاوز مرحلة الحرج في اجراء عملية انفصال الشبكية و هأنذا اتعافى رويدا رويدا و استرد بصري بعد ان زوى لبعض الوقت .

إنّ فيض مشاعركم قد اضاء عتمتي و وهج رعايتكم قد انار حالك ايامي فلكم جميعا خالص محبتي .

لقد جرت مياه كثيرة تحت الجسور  و وقعت احداث كبيرة على مسرح الحياة العامة في بلادنا منذ اواخر نوفمبر الماضي .الحقيقة الشاخصة ان شعبنا يستحق حياة افضل مما يعيش و ان بلادنا مؤهلة للرقي و التقدم و قد عطّل نموها و شلّ حركتها طول الاستبداد و تمادي القهر و الاقصاء و بخاصة تحت سيطرة جماعة الاسلام السياسي و اوهامهم العريضة و احلام اليقظة التي تبددت مع الايام و كرّ السنوات و مواجهة الحقيقة .

بعد27 سنة من الادعاء الفارغ و التلفح برداء الدين الاسلامي  و صم الاذان بدوي الشعارات و الهتافات بزعم مناطحة امريكا والغرب و الزود عن حمى الاسلام و دمغ الاخرين من ابناء السودان و بناته الذين ظلوا يقاومون الظلم و الاستبداد بانهم ربائب امريكا و عملاء الغرب و سار الركبان بترديد شعارات قد دنى عذابها و ليكم تدربنا و صارت عبارات مثل تحت المركوب من الادبيات التي تتداولها السنة ناشئة السودانيين كنتاج لهيمنة المشروع الحضاري المزعوم .

إن ابيات القصيد و سجع الهتافات يمكن ردها لهيجان العواطف ولكن ماذا نقول في استدعاء ايات القرآن دون بصيرة او تدبر و تفكر و من ذلك تكرار الاية( و لن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ).وجعلها بمثابة تبرير مستمر للفشل في بناء علاقات خارجية معقولة.لقد انكشف المستور و واجه نظام القمع و الفساد الحقائق التي كم تحاشاها و لكن هيهات. و إذا جاز لنا توصيف الملل التي تتبع نجد ان امريكا و الغرب بنصاراه و يهوده قد حدد موجهات علاقته بنظام الاسلاميين في السودان في ثلاث قضايا رئيسة هي وقف الحرب الاهلية في الجنوب سابقا و الجنوب الجديد حاليا و كفالة و احترام  حقوق الانسان و استعادة الديمقراطية و الحريات العامة .قال بذلك الرئيس الامريكي الاسبق بيل كيلينتون في اوائل التسعينات من القرن الماضي و هو يعتمد اوراق السفير حينذاك احمد سليمان المحامي سفيرا لنظام الخرطوم في واشنطن عندما اشتكى الاخير من ان نظامه  يواجه بالعداء الامريكي بسبب توجهاته الاسلامية يومها رد عليه الرئيس كيلينتون بان اعداد المسلمين في امريكا  اكثر منهم في السودان و هم يتمتعون بكافة الحقوق التي يكفلها الدستور الامريكي للانسان غض النظر عن عرقه ونوعه و دينه فما يقلق الادارة الامريكية هو السجل البائس لحكومتكم في المجالات الثلاثة المار ذكرها .

خلال ربع قرن من الزمان تقلبت امريكا بين حكم رئيس ديمقراطي و اخر جمهوري على سنة الديمقراطية و شريعة الانتخابات الحرة و ملة الدستور بحقوقه المعروفة و دولة القانون بأسسه العادلة فكيف جرت نواميس السودان ؟ حصدت حروب الاسلاميين الاهلية ارواح الملايين و مثلهم من المعاقين و المشردين و اللاجئين و تبدلت ديموغرافية مناطق باكملها و اندق بين القبائل عطر منشم فسالت دماء ذوي القربى و تفتت النسيج الاجتماعي للبلاد كلها بل انقسمت بارضها و شعبها إلى دولتين و ما تزال قابلة للمزيد .

و ظل حاكمها الاوحد يحكم بالحجى و الكجور و يوم باسم النبي و العسكري كسار الجبور يزعم ان امريكا و الغرب لن ترضيا عنه حتى يتبع ملتهم و حتى يتخلى هو عن ملته التي ابرز شواهد ممارستها معسكرات النزوح التي تأوي ملايين المسلمين في دار فور و منها حملات تكميم الافواه و تدجين الصحافة و الاعلام و مداهمة و اغلاق منظمات المجتمع المدني و اعتقال و تعذيب و محاكمة وحبس الناشطين واغتيال المتظاهرين في شوارع الخرطوم و غيرها من مناطق السودان بدم بارد .

لا غرو ان جاءت الشروط الامريكية لتطبيق قرار رفع الحظر عن نظام الخرطوم بذات ملامح ما قاله كيلينتون قبل ربع القرن فما الجديد في ملة البشير سوى الانبطاح التام حد استباحة البلاد لارادة الاستخبارات الامريكية و الاسرائلية و الاوربية و قد اعترف البشير بنفسه في مقابلة اعلامية مؤخرا بان وكالة الاستخبارات الامريكية مبسوطة منهم و ظلت على مدى ال15 سنة الاخيرة ترفع تقاريرها الايجابية عنهم للادارات الامريكية المختلفة و لكنها لم تستجب لاغراض سياسية الان يمكن الزعم بضمير مرتاح ان البشير و نظامه قد اتبعو ملة  ال(سي اي ايه) . فهل سنسمع منهم مرة اخرى عبارة (يا جماعة لو رضت مننا امريكا اعرفوا اننا خلينا الاسلام)!