عيسى إبراهيم *

 

* في الفصل العاشر: “رَفْضُ الجُمْهُورِيِّينَ العَمَلَ بِجُزْءٍ كَبِيرٍ مِنَ الأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ“، يقول د. شوقي: “ يرفض الجمهوريون العمل بالكثير من الأحاديث النبوية الشريفة المتعلقة بمظاهر حياة الرَّسُولِ – صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كالأحاديث التي تتحدث عن كيفية أكله – عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَلاَةِ وَالسَّلاَمُ – والأحاديث التي تتحدث عن كيفية لباسه وشربه، بل سائر الأحاديث التي تتناول جوانب حياته – صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ“، تعبير شوقي: “يرفض الجمهوريون العمل بالكثير من الأحاديث النبوية الشريفة“، تعبير معمم ولا يشرح بحق موقف الجمهوريين من أحاديث الرسالة عموماً، وقد أسهبنا في الحديث عما يقصده الجمهوريون بمرحلية بعض الأحاديث النبوية المتعلقة برسالته لقومه ومخاطبتهم قدر عقولهم؛ قدر طاقتهم؛ قدر مقدرتهم؛ قدر وسعهم؛ وهم حين يقولون ذلك لا يتركون العمل بهذه الأحاديث وإنما ينتقلون منها إلى العمل بما هو أكفأ منها افضاء إلى الغاية من العبادة والمعاملة، وتحدثنا باستفاضة أن الانتقال إلى آيات وأحاديث الرسالة الثانية ليس تركاً للتكليف وإنما هو دخول أكثر في التكليف يستوعب القديم ويزيد عليه، ومن أمثلة ذلك: وفق قول النبي (صلى الله عليه وسلم): “إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به نفوسها ما لم تقل أو تعمل”، فحين قال الجمهوريون بمرحلية هذا الحديث، وانتقلوا للعمل بالآية: “وإن تبدو ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله”، لم يتركوا العمل بالحديث المرحلي الاستثنائي في حق أمة النبي (صلى الله عليه وسلم) وإنما ذهبوا للعمل بضم المحاسبة على حديث الخاطر المستثنى في حق الأمة إلى المحاسبة على القول والعمل!، كما أن الجمهوريين كانوا ومازالوا متعلقين بالشمائل النبوية ولا يعدونها من سنن العادة، يتمثلونها في حياتهم قدر طاقتهم فمن شمائله تلك أنه كان دائم البشر متواصل الأحزان، وكان إذا كاففك مسلماً لا ينزع يده من يدك حتى تنزعها أنت، وكان إذا قرع الباب مستأذناً لا يقف على قارعة الباب وإنما كان يتحيز إلى يمين الباب أو يساره، باختصار كان الجمهوريون وما انفكوا يداومون على كل ماداوم عليه النبي (عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم) في سنته التهذيبية في كيفية أكله وشربه ومعاملته، “وقد كانت حياة النبي كلها خيرا وحضورا وفكرا، في كل ما يأتي وما يدع، وكما كانت عبادته فكرا وتجديدا، لا عادة فيه، كذلك كانت عاداته بالفكر عبادة ووزنا بالقسط .. فقد كان يقدم الميامن على المياسر ويحب التيامن، وما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثما .. وكان في جميع مضطربه على ذكر وفكر، فهو لا يقوم ولا يجلس إلا على ذكر، وكذلك كان نومه وأكله ولبسه، حتى كانت حركاته تجسيدا لمعاني القرآن، وكان من ثمرات صلاته وفكره وذكره في جميع حالاته، حلاوة شمائله التي حببته إلى النفوس، ووضعته مكان القدوة، إذ كان رءوفا رحيما بكل المؤمنين، يواسيهم ويترفق بهم، وكان سموحا لا يغضب قط لنفسه، وكان دائم البِشر سهل الخلق .. أرأف الناس بالناس، وأنفع الناس للناس، وخير الناس للناس، فكان يتلطف بخواطر أصحابه، ويتفقد من انقطع منهم عن المجلس، وكان كثيـرا ما يقـول لأحـدهم “يا أخي وجـدت مني أو من إخواننا شيئـا ؟؟” وكان يباسط أصحابه، حتى يظن كل منهم أنه أعز عليه من جميع أصحابه، وكان يعطي من جلس إليه نصيبه من البشاشـة، حتى يظن أنه أكرم الناس عليه، وكان لا يواجـه أحدا بما يكره، ولا يجفـو على أحد مهما فعل، ويقبـل عذر المعتذر مهما كان فعله. وقال أنس خادمه “خدمت رسول الله عشر سنوات، فما قال لي لشئ فعلته، لمَ فعلته ؟ ولا لشئ تركته، لمَ تركته ؟” “وكان بعض أهله إذا لامني، يقول : دعوه فلو قضي شئ لكان”. وكان يقول إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد، ولم يكن يتميز على أصحابه أو يستخدمهم، ولا حتى يدعهم ينفردون بالخدمة بحضـرته، وقد كان يعمل معهم في بناء المسجد، وفي حفر الخندق، ومشى على قدميه إلى بدر، حين كان يناوب بعض أصحابه على راحلته، وشارك أصحابه في إعداد الطعام بجمع الحطب، وحين قالوا له “نكفيكه” قال “علمت أنكم تكفونيه، ولكني كرهت أن أتميز عليكم” وحاول أحد أصحابه أن يحمل عنه متاعا كان يحمله من السوق لأهل بيته فأبى، وقال “الرجل أولى بخدمة نفسه” وكان يقول “إن الله يكره من عبده أن يتميز على أصحابه” وفي مرة قام بين يديه رجل، في بعض حاجته، فأخذته هيبته، فلجلج، فقال له “هون عليك، فإني لست ملكا، وإنما أنا ابن امرأة من قريش، كانت تأكل القديد.” فسكنت نفس الرجل، وأفصح عن حاجته، فقال المعصوم، “أيها الناس، إني أوحي إلي أن تواضعوا .. ألا فتواضعوا حتى لايبغي أحد على أحد ولا يفخر أحد على أحد وكونوا عباد الله إخوانا”، (كتاب طريق محمد – شمائل محمدأنظر الكتاب بموقع الفكرة الجمهورية على النت: www.alfikra.orgوالرجال من الجمهوريين لا يلبسون الذهب، ولا الحرير، ولا يجرون ثيابهم خيلاء كما ادعى شوقي (عافاه الله من ما هو فيه)، وهم قد فرقوا بين سنة العادة وسنة العبادة حيث داوموا على سنة العبادة وفي سنة العادة قالوا رأيهم بوضوح ومشى على إثرهم حتى الجامع الأزهر من ما سنذكره لاحقاً!. 

* يواصل شوقي القول: “ وفي سبيل بيان عقيدتهم في مسألة الأحاديث التي دلت على أشياء فعلها النَّبِيُّ – صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – على وجه العادة والجبلة قسموا لاتباعهم السُنَّةَ إلى قسمين: “أ – سُنَّةَ عَادَةٍ“، و”ب – سُنَّةَ عِبَادَةٍ…“، سنة العادة عند الجمهوريين تتغير بتغير الظروف التاريخية والاجتماعية والاقتصادية، وهي تسقط – عندهم – في حق أمتهم، بل تركها يعتبر قربة دينية أكثر من فعلها، ومن سنة العادة اللحية والعمامة والعصا والأضحية“..

سنة العادة عند الجمهوريين

* لم ينفرد الجمهوريون في قولهم بسنة العادة كما بينا في ردنا (3 – أ) على شوقي حيث قلنا:

يقول د. شوقي: “ولذلك أيضًا جعلوا الأحاديث التي تتحدث عن اللحية أحاديث عادة غير مطالب بها الجمهوريون“، ونقول لشوقي: الجمهوريون لم يقولوا فحسب عن اللحية أنها سنة عادة وإنما ألحقوا بها “حمل العصا”، و”ركوب الناقة” فهي من سنن “العادة” وليست من سنن “العبادة” ولقد سبقنا إلى ذلك كثيرون منهم “الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه: “أصول الفقه”، حيث اختار أن إطلاق اللحية من أمور العادات وليس من قبيل الشرعيات“، ولحق بنا آخرون آخرهم: “أصدرت دار الإفتاء المصرية الاثنين فتوى توضح فيها أن حكم إطلاق اللحية أو حلقها من العادات، وليس من قبيل الشرعيات”، وقالت دار الإفتاء المصرية في فتوى لها، نشرتها “اليوم السابع”، رداً على حكم إطلاق اللحية: إنه قد اختلف الفقهاء في حكم إطلاق اللحية للرجال قديماً، وحديثاً، فذهب فريق إلى أنها من سنة العادات، وليست من الأمور العبادية، وأن الأمر الوارد بإطلاقها وإعفائها وتوفيرها أمر إرشاد لا أمر وجوب أو استحباب، وهو ما ذهب إليه بعض العلماء المتأخرين. ويضيف نص الفتوى أن الشيخ محمود شلتوت أورد في كتابه “الفتاوى” حيث قال: “والحَقُّ أن أمر اللباس والهيئات الشخصية – ومنها حلق اللحية – من العادات التي ينبغي أن ينزل المرء فيها على استحسان البيئة، فمن درجت بيئته على استحسان شيء منها كان عليه أن يساير بيئته، وكان خروجه عما أَلِف الناس فيها شذوذاً عن البيئة، (المصدر – العربية.نت – الإفتاء المصرية: إطلاق اللحية عادة وليس من الشرع، الإثنين 25 صفر 1434هـ – 07 يناير 2013م)!.

الضحية غير واجبة لا على الفقراء ولا على الأغنياء!

الضحية في المذاهب الأربعة غير واجبة، وقد قال الجمهوريون وأثبتوا أنها غير واجبة لا على الفقراء ولا على الأغنياء، فإذا قال ابن مسعود: “إني لأترك أضحيتي وإني لمن أيسركم مخافة أن يظن الجيران أنها واجبة”، فهل يثاب ابن مسعود على تركها أم يأثم؟!، وجاء في تفسير ابن كثير: “وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ضَحَّى عَنْ أُمَّته فَأَسْقَطَ ذَلِكَ وُجُوبهَا عَنْهُمْ وَقَالَ أَبُو سَرِيحَة كُنْت جَارًا لِأَبِي بَكْر وَعُمَر فَكَانَا لَا يُضَحِّيَانِ خَشْيَة أَنْ يَقْتَدِي النَّاس بِهِمَا”، )سورة الحج الآية 37 – “لن ينال الله لحومها ولا دماؤها…”)!.

صلاة التراويح بدعة

لم يصل سيدنا عمر ولا سيدنا علي “صلاة التراويح”، وقال عنهما سيد سابق في هامش كتابه “فقه السنة”: “كانا من أهل العزائم كانا يقومان الليل”، وحين جمع عمر المصلين الذين يؤدونها بمشاورته علي بن أبي طالب، قال: “إنها لبدعة ونعمت البدعة، والذي ينامون عنه (يقصد قيام الليل)، خيرٌ من الذي يقومونه”!، (أنظر صحيح البخاري – صلاة القيام).

الزكاة ذات المقادير شريعة وليست سنة!

قلنا وكررنا القول: “وفي الزكاة حين نزلت آية الزكاة ذات المقادير الناسخة لآية الزكاة الكبرى: “خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكنٌ لهم”، وعمل بها الصحابة (رضوان الله عليهم)، استمر هو (نعني النبي – صلى الله عليه وسلم) على آية الزكاة الكبرى: “…ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو…”، فما كان يدخر درهماً في بيته وكان يقول لعائشة (رضي الله عنها): “أو ما أمرتك ألا تعلقي، لا تعلقي فإن خالق غدٍ يأتي برزق غدٍ كل غدٍ”، (أنظر الحلقة 10 في الرد على د. شوقي بشير)!، وهذا كما بينا هو تطوير التشريع الاسلامي، فعمل أصحابه كان يقوم على آية: “خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها…” وهي آية شريعة وليست سنة إذ السنة عندنا هي فعل النبي (صلى الله عليه وسلم) في خاصة نفسه الذي استمر على آية الزكاة الكبرى كما بينا!..

أخطأ شوقي وهو يعلم

يقول شوقي: “بيان خطأ زعمهم (يعني الجمهوريين) أن تارك السُنَّةِ التي صدرت من الرَّسُولِ – صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – على وجه الجبلة يثاب على ذلك”، وأضاف: “زعم الجمهوريون أن ترك السُنَّةِ التي فعلها النَّبِيُّ – صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قربة دينية يثاب فاعلها”، ونقول: إن شوقي على علم بتفريق الجمهوريين بين الشريعة والسنة، وقد اتجهنا لتوضيح معرفته تلك ومفارقته لمعرفته حيث قلنا في الحلقة رقم (10) في الرد عليه: “في فصله التاسع ” القَوْلُ بِمَرْحَلِيَّةِ الأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ ” يقول شوقي: “يقول الجمهوريون بمرحلية السُنَّةِ النبوية عمومًا فَسُنَّةُ النَّبِيِّ – صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – – عندهم – يجب اتباعها في مرحلة التقليد”، ويقول أيضاً: “ولا يكتفي الجمهوريون بالقول بمرحلية السُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ”، ومن أقوال شوقي في فصله “الحادي عشر”: “فإن كانت الثانية فهذه شريعة – عند الجمهوريين – وليست سُنَّةً، (الفصل الحادي عشر – شوقي)، “أما الأحاديث التي تتحدث عن الزكاة ذات المقادير، وسائر العبادات التي يتبعها المؤمنون فهي في رأي الجمهوريين (شريعة) (الفصل الحادي عشر – شوقي)” يتضح أنه يعلم تفريق الجمهوريين بين “الشريعة” التي هي مخاطبة النبي (صلى الله عليه وسلم) لأمته حسب طاقتها ومقدرتها، و”السنة” التي هي عمله في خاصة نفسه، ولكنه يعبر هنا بكلمة “السنة النبوية” في المواضع التي ذكرناها مخالفاً بذلك علمه بقصد الجمهوريين المفرق بين “الشريعة” و”السنة”، فالجمهوريون يقولون بمرحلية الشريعة ولا يقولون بمرحلية السنة، ومن ما يؤكد علمه بتفريق الجمهوريين بين الكلمتين، السنة والشريعة، قوله في فصله هذا “التاسع”: “وهذه الأحاديث بصفة عامة هي الأحاديث التي قالوا عنها أنها ليست من سُنَّةِ النَّبِيِّ – صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – في خاصة نفسه“، فما هو داعي هذا الاضطراب عند شوقي؟!”.

ترك العمل الذي هو قربى – كما زعم شوقي – ما هو؟!

لم أجد في بحثي الكثير والمتواصل في كتب الجمهوريين أو محاضراتهم أو ندواتهم: أين قال الجمهوريون أن هناك تركاً أكان للشريعة – كما زعم شوقي – أو للسنة – كما قال – يثاب تاركه، أو قربى دينية يثاب فاعلها؟!، فإن وجد شوقي، فعليه أن يمدنا بذلك، باستثناء تساؤلي قبل قليل عن ترك ابن مسعود للضحية وهو موسر وقولي: “هل يثاب ابن مسعود على تركها أم يأثم؟!”، فإن كان يعني ذلك في هذا الموضع الذي ذكرته، فما هي اجابته على تساؤلنا؟!.

 

* eisay@hotmail.com