نبيل أديب

لا يوجد مبدأ أكثر وضوحا من أن كل فعل تقوم به سلطة مفوَّضة، بالمخالفة للتفويض الذي بموجبه تمت ممارسة السلطة، هو فعل باطل. ولذلك لا يمكن لأي عمل تشريعي، مخالف للدستور، أن يكون صحيحا “. الكسندر هاملتون

ظهر في صحف منتصف الأسبوع الماضي خبراً عن إيداع تعديلات دستورية حول الحريات العامة منضده المجلس الوطني،  وهي تعديلات لن يتم نقاشها والتصويت عليها في المجلس حتى تنقضي فترة الشهرين المطلوبة دستورياً وفق احكام المادة 224 من الدستور. لم يكن الأمر مفاجأة لأحد، فقد كان معلوماً أن هذا هو الثمن الذي يتوجب على المؤتمر الوطني أن يدفعه، إذا رغب في أن يضم المؤتمر الشعبي لحكومة الوفاق الوطني، المراد تكوينها لتنفيذ مخرجات الحوار الوطني.

لايخفى على أحد أن المؤتمر الشعبي لم يكن على قلب رجل واحد بالنسبة للإنضمام لحكومة الوفاق، لذلك فقد إستمر الإجتماع الذي قرر في المسألة من ظهر اليوم الذي إنعقد فيه الإجتماع، حتى صباح اليوم التالي. وهذا يعني أن القرار لم يتم الوصول إليه بسلاسة، وأنه إحتاج لكثير من المفاوضات، والمناقشات، والتنازلات،  ليتم الوصول إليه. وقد إنتهى الأمر بالشعبيين إلى الموافقة على دخول حكومة الوفاق الوطني المكونة من الأحزاب المشاركة في الحوار، فقط بعد إتخاذ الإجراءات اللازمة لإجازة التعديلات الدستورية المتعلقة بالحريات العامة.  ويبدو من ذلك أن الشعبي الذي عانى في مطلع القرن الحالي ماعانى، جراء التضييق على الحريات العامة، لم ينس تجربته، وهو حريص على إشاعة الحريات العامة، حتى يكمل مشوار الصلح مع المؤتمر الوطني .

وفي إعتقادي أن مطلب الشعبي لم يكن في الأساس موفقاً، ولايؤدي إلى مايصبو إليه، وهو ما يذكرني بقول  ابى انواس عن الشعراء الذين كانوا يبدأون قصائدهم بالبكاء على الأطلال

قل لمن يبكي علي رسم درس   واقفاً ماكان ضر لو جلس

 فكما أن البكاء على رسم درس واقفاً أو جالساً لن يغير شيئاً، كذلك فإن التعديلات  الدستورية بغض النظر في مبناها ومحتواها لن تغير من الأمر شيئاً ، لأن إنتهاك الحريات العامة الذي شاهدناه منذ دخول دستور 2005م  في حيز العمل  ومازلنا نشاهده حتى الآن، لاصلة له بأي  نقص في الأحكام الدستورية، حتى تتم معالجته  بتعديل في الدستور.

القانون الدولي لحقوق الإنسان

معلوم أن المستوى الدولي المقبول للحقوق والحريات العامة، تم التعبير عنه فيما يُعرف بالقانون الدولي لحقوق الإنسان. وهو إصطلاح يُطلق على مجموع ثلاث وثائق دولية، هي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وهو الإعلان الذي أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحده في 10 ديسمبر  1948م، والذي ضم الحقوق العامة السياسية التي إستقرت في وجدان الضمير العالمي للمجتمع الدولي. والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والذي إعتمد وعٌرِض للتوقيع وللإنضمام، بموجب قرار  الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر 1966م، والذي دخل في حيز النفاذ في مارس 1976م. والعهد الدولي الخاص بالحقوق الإقتصادية واللثقافية وهي المعاهدة المتعددة الأطراف التي إعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة  في ديسمبر 1966م ودخلت حيز النفاذ في يناير 1976م.

 وجميع الحقوق والحريات المضمنة في العهود الثلاث موجودة في وثيقة الحقوق المضمنة في دستور 2005م إما بما تضمنته مباشرة من أحكام، وإما بما إعتبرته مضمناً فيها بموجب الفقرة الثالثة من الماده 27 من الدستور والتي نصت على أنه تعتبر كل الحقوق والحريات المضمنة في الاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان والمصادق عليها من قبل جمهورية السودان جزءً لا يتجزأ من هذه الوثيقة. وذلك بالطبع مع الأخذ في الإعتبار بأن العهد الدولى الخاص بالحقوق الإقتصادية والثقافية تتعهد فيه الدول أن تتخذ مايلزم من خطوات لضمان التمتع الفعلي التدريجي  بالحقوق المعترف بها في ذلك العهد، بأقصى ماتسمح به مواردها المتاحة. عموماً فنحن مازلنا نشكو بعد من عدم التمتع بالحقوق السياسية الواردة في وثيقه الحقوق الملحقه بالدستور، وفي الوثيقتين المتعلقتين بالحقوق السياسية، وهي الحقوق التي إصطلح على إطلاق إسم الجيل الاول من حقوق الإنسان عليها. وهو ماعناها الشعبي حين سهر الليالي في طلبها، أو إذا أردنا الدقة سهر في طلبها تلك الليلة الوحيدة من شتاء هذا العام.

معركة في غير معترك

حسناً، لقد طالب الشعب بإنفاذ الحريات الأساسية، وجادله الوطني أول الأمر في ذلك قائلاً: الحريات موجودة ومعترف بها، ولكن هنالك فرق بين الحرية والفوضى. وسرعان ما فطن الوطني لأن ما يقوله يستحيل الدفاع عنه بشكل جدي، فالجميع يعلم أن حريات التعبير والتنظيم والصحافة تخضع لقيود ثقيلة، تجعل التمتع بها  متاح فقط لأنصار الحكومة ومن والاهم. لا أحد يمكنه في محفل جاد، أن يتحدث عن حرية الصحافة في زمن تتم مصادرة الصحف فيه بشكل يومي. ولا عن حرية التجمع السلمي، حين تُمنع المسيرات ما لم تكن مؤيدة للحكومة أو مستقبلة لأعضائها. دعك من إغلاق منظمات المجتمع المدني، وتقييد نشاط الأحزاب، وأخيراً إعتقال المعارضين. لم يشأ المؤتمر الوطني أن يستمر في جدال يعلم أنه لن ينتهي بالإنضمام الطوعي للشعبي إلى حكومة الوفاق، والإنضمام الطوعي هو ما يطلبه. أو لعله فطن لأن ما يطلبه الشعبي لن يغير من الأمر شيئاً. على أي حال سواء كان هذا أم ذاك، فقد سارع الوطني بوضع تعديلات دستورية حول الحريات العامة على طاولة البرلمان، وهي تعديلات لم نطلع عليها بعد، ولم نسمع رأي الشعبي حولها، وإن كنا لا نرى في ذلك ما يقعدنا عن القول بعدم جدواها، لأننا كما أسلفنا لا نجد في وثيقة الحقوق الموجودة بالفعل، ما يدعو للتعديل، ولا نعتقد أن إنتهاك الحقوق والحريات العامة، الذي نعاني منه الآن، يعود إلى قصور في الحقوق ولا في النصوص الدستورية الأخرى.

ماذا يمكن أن يضيف بند الحريات في مخرجات الحوار إلى الدستور؟

أ الوثيقة الوطنية

حتى نجيب على ذلك دعونا نراجع بند الحــريات والحقـوق الأســاسيـة في الوثيقة الوطنية وهي كالتالي

  • تذكر الوثيقة “الحرية هبة من الله وهي مسئولية أخلاقية ووطنية صوناً وإشاعتها حق للجميع”
  • و”إقرار دستور ينبع ويعبر عن إرادة الشعب” وهذين البندين لا يحملان أحكاما يمكن المقاضاة بشأنها justiciable وبالتالي فلا معنى لإضافتهما للدستور.
  • تذكر الوثيقة “تكون المواطنة هي الأساس والمعيار لكافة الحقوق والواجبات لكل أبناء السودان”. وهو نفس الحكم الذي تقرره الفقرة (1) من المادة 7 من الدستور حيث تنص على أن تكون المواطنة أساس الحقوق المتساوية والواجبات لكل السودانيين.
  • تذكر الوثيقة “حرية الفكر والإعتقاد وممارسة الشعائر الدينية دون إكراه او تضييق”. وهو نفس الحكم الذي تقرره المادة 38 من الدستور حيث تنص على أنه لكل إنسان الحق في حرية العقيدة الدينية والعبادة، وله الحق في إعلان دينه أو عقيدته أو التعبير عنهما عن طريق العبادة والتعليم والممارسة أو أداء الشعائر أو الاحتفالات، وذلك وفقاً لما يتطلبه القانون والنظام العام، ولا يُكره أحد على اعتناق دين لا يؤمن به أو ممارسة طقوس أو شعائر لا يقبل بها طواعية.
  • تذكر الوثيقة “إحترام وتعزيز وحماية حقوق وكرامة الإنسان”. وهو نفس حكم الفقرة (2) من المادة الأولى من الدستور والتي تنص على أن تلتزم الدولة باحترام وترقية الكرامة الإنسانية، وتُؤسس على العدالة والمساواة والارتقاء بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية وتتيح التعددية الحزبية.
  • تذكر الوثيقة “تعظيم قيمة وهيبة دولة القانون وإرساء قيم العدل والمواطنة ونبذ العصبية والجهوية بكل أشكالها”. وهو نفس الحكم الذي تقرره المادة 31 من الدستور حيث تنص على أنه الناس سواسية أمام القانون، ولهم الحق في التمتع بحماية القانون دون تمييز بينهم بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو الُلغة أو العقيدة الدينية أو الرأي السياسي أو الأصل العرقي.
  • تذكر الوثيقة “إعمال مبادئ الشفافية والمساءلة المحاسبية والمؤسسية وسيادة حكم القانون.” وهو نفس الحكم الذي تقرره المادة 4 من الدستور حيث تنص على أنه 4- يُؤسس هذا الدستور على المبادئ التالية ويسترشد بها:

(أ) تُؤسس وحدة السودان على الإرادة الحُرة لشعبه وسيادة حكم القانون والحكم الديمقراطي اللامركزي والمساءلة والمساواة والاحترام والعدالة،

(ب) الأديان والمعتقدات والتقاليد والأعراف هي مصدر القوة المعنوية والإلهام للشعب السوداني،

(ج) التنوع الثقافي والاجتماعي للشعب السوداني هو أساس التماسك القومي، ولا يجوز استغلاله لإحداث الفرقة،

(د) تُستمد سلطة الحكم وصلاحياته من سيادة الشعب وإرادته التي تُمارس عن طريق الاستفتاء والانتخابات الحُرة المباشرة والدورية التي تُجرى في اقتراع سري عام لمن بلغ السن التي يحددها القانون.

  • تذكر الوثيقة “ممارسة الشورى والديمقراطية منهجا وأساسا للحكم من خلال التعددية السياسية”. وهو نفس الحكم الذي تقرره الفقرة الثانية من المادة الأولى من الدستور بشكل أفضل حيث تنص على أنه تلتزم الدولة باحترام وترقية الكرامة الإنسانية، وتُؤسس على العدالة والمساواة والارتقاء بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية وتتيح التعددية الحزبية.
  • تذكر الوثيقة “حرية التعبير والتنظيم والتجمع والتنقل والمشاركة في الحياة العامة”. وهي مضمنة في الدستور في الفقرة (1) من المادة 39 لكل مواطن حق لا يُقيد في حرية التعبير وتلقي ونشر المعلومات والمطبوعات والوصول إلى الصحافة دون مساس بالنظام والسلامة والأخلاق العامة، وذلك وفقاً لما يحدده القانون. والفقرة – (1) من المادة 40 يُكفل الحق في التجمع السلمي، ولكل فرد الحق في حرية التنظيم مع أخرىن، بما في ذلك الحق في تكوين الأحزاب السياسية والجمعيات والنقابات والاتحادات المهنية أو الانضمام إليها حمايةً لمصالحه. – والمادة 41 من الدستور ونصها (1) لكل مواطن الحق في المشاركة في الشئون العامة من خلال التصويت حسبما يحدده القانون.(2) لكل مواطن بلغ السن التي يحددها هذا الدستور أو القانون الحق في أن يَنتخِب ويُنتخَب في انتخابات دورية تكفل التعبير الحُر عن إرادة الناخبين وتُجرى وفق اقتراع سري عام. والمادة 42 من الدستور ونصها (1) لكل مواطن الحق في حرية التنقل وحرية اختيار مكان إقامته إلاّ لأسباب تقتضيها الصحة العامة أو السلامة وفقاً لما ينظمه القانون. (2) لكل مواطن الحق في مغادرة البلاد وفقاً لما ينظمه القانون وله الحق في العودة.

ب مخرجات الحوار

وقد جاء عدد من المبادئ في مخرجات الحوار وهي أيضاً إما واردة في الدستور أو مكانها القانون كالفقرات التالية:

21. الالتزام التام بحقـــوق الإنسان كما وردت فى المعاهدات و المواثيق الدولية.
22. الحريات والحقوق لا يقيدها أي قانون غير الدستور.

أو بين البينين كالفقرة 23
23. حق الحياة: لكل شخص الحق في أمان روحه وسلامة نفسه وطلاقة مساعيه في الحياة ولا يحق حرمان شخص من هذا الحق الأصيل في الحياة إلا وفق قانون ماضٍ وقضاء فيه فاصل يجيز العقاب لمتهم ثبتت له جنايته:
1. في انتهاك حرمة حياة آخر بقتله إلا أن لم يفعل ذلك إلا مدافعة كانت لازمة عن نفسه وما يليه من حرمة.
2. في بغيٍ عام قد يفتك بأرواح النفوس أو يبسط الفساد العام، إلا إذا أسلم المتهم نفسه قبل أن تحيط به القوة النظامية المتولية تأمين النفوس وحرمة حقوقها.
3. في قتل نفس أخرى عدواناً وقضى عليه بالإعدام قصاصاً إلا إذا جرى العفو عنه عند الرجوع إلى أولياء الدم.

وما جاء في البند 24 ونصه كالتالي
24. حق الطلاقة (الحرية): لا يجوز القبض على شخص واحتجـازه دون حقه في طلاقتـه وحرية مسعاه حيثما يرى:
“إلا إذا قبض عليه بشبهة ارتكاب ما يجرم القانون ويعاقـــب عليه السجن”.
” وينبغي أن يبلغ بالشبهة فـــــوراً عند القبض عليه دون مضي يوم واحد”.
“وإذا تولت سلطة الإدعاء أمر التحري في شبهته قد يمضي حبسه لثلاثة أيام ويجوز الرجوع بأمره للقضاء إذا استدعى التحري مدّاً في حبسه ويجوز للقاضي حفظه محبوساً تحت التحري لشهر واحد”.
” في حالة الشبهة بجريمة قد تؤدي عند ثبات البينة على المتهم عند القضاء الحكم بالإعدام أو بالسجن لسنة أو أكثر أو الحبس حتى يؤدي ديناً عليه عندئذ يجوز بالضمان ولكن يحق عليه الحضور متى دعي ــ لقدوم تالٍ ــ لاستئناف ذات التحري”.
“إذا تطاولت المحكمة لأكثر من سنة قبل القضاء الحاسم وكان المتهم محبوساً أو مطلقاً تحت الضمان يجوز له الاستئناف لقطع إجراءات المحاكمة ومدة التحري بعد انطلاقه ويستدرك رده للحبس أو الضمان ولكن قد يستكمل أو المحاكمة”.

فحكمه وارد في حق المحاكمة العادلة الدستوري في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ولكنه غير مفعل
أما الفقرة 25. الحرمة من الرِّق والسخرة: و26. حرمة الخصوصية: و27. حرية الاعتقاد والعبادة والمذاهب: فأحكامها واردة في الدستور ولكنها غير مفعلة.

أين يكمن العيب؟

إذا كان ذلك كذلك فأين يكمن العيب؟ وكيف يُمكن معالجته. في نظرى العيب يكمن في الإرادة السياسية التي ترفض قبول الواقع الدستوري دعك من الإمتثال له. ولكن كيف امكن للسلطة التفيذية تحدي النصوص الدستورية المحكمة، التي تقرر الحريات والحقوق العامة؟

في رأيي أن ذلك تم عن طريق قوانين قمعية صدرت في الفترة السابقة لدخول الدستور في حيز النفاذ، ورفضت أغلبية الهيئة التشريعية أن تقوم بواجبها الدستوري المنصوص عليه في المادة (3) بأن تقوم بمواءمة القوانين السارية مع أحكام الدستور، فتلغي النصوص المتعارضة مع أحكام الدستور، أو تعدلها بشكل يجعلها متوائمة مع تلك الأحكام. وقد ساعد السلطة التنفيذية في ذلك ضعف الآليات التي أقامها الدستور لحماية أحكامه.

 إذا كان المقصود هو  تفعيل الحريات حسبما ماجا في مقررات الحوار الوطني فإن إضافة مزيد من النصوص الدستورية غير المفعلة، لايعني شيئاً ولكن المطلوب هو إجراء تعديلات في القوانيين تُفعِّل المادة 27  من الدستور التي تمنع القانون من مصادرة الحريات العامة او الإنتقاص منها .

لذلك فقد كان الأوفق أن يطالب الشعبي بالإتفاق على تعديل القوانين التي ساعدت على خرق الحقوق الدستورية حتى تقف تلك الإنتهاكات. ونعالج فيما يلي في خطوط عريضة، حيث يضيق المجال عن التفاصيل، للحلول القانونية لتفعيل تلك الحقوق إذا توفرت الإرادة السياسية.

حق الطلاقة

لتحويل ما جاء في مخرجات الحوار إلى واقع معاش فإن ذلك يتطلب تعديل قانون الأمن الوطني لعام 2010 بحيث يقتصر تفويض الأمن على رصد المهددات الخارجية، أو النشاط الذي يهدف إلى تقويض السلطة عن طريق العمل الممسلح. وأن لا تكون له في سبيل تنفيذ مهامه سلطات التفتيش والقبض، إلا بعد الحصول على أمر قضائي وذلك بعد تقديم بينة مبدئية تفيد وجود سبب معقول للإشتباه، وأن تكون مدة الإحتجاز قابلة للمراجعة القضائية بشكل اسبوعي على ان لا تتجاوز فترة شهرين يتم بعدها توجيه الإتهام أو إطلاق سراح المتهم. كذلك يمكن أن يتضمن القانون سلطة المراقبة والتفتيش على بعد وفق الضوابط الدستورية وأهمها وجود السبب المعقول للإشتباه، وأن يكون التفتيش بأمر مكتوب يحدد الشئ المراد ضبطه.

ومن المتطلب بشكل عاجل تعديل مادة إطلاق السراح habeas corpus في قانون المحكمة الدستورية بحيث توكل سلطة الفصل في الطلبات المقدمة لقاضي فرد في المحكمة، على أن يعقد جلسة مناقشة الطلب فيما لا يزيد عن 48 ساعة من تقديمه، وتكون الجلسة في حضور المعتقل ويجوز عقدها في مكان إعتقاله.

كذلك فلا بد أن يتم تعديل قانون الإجراءات الجنائية لضمان حصول المتهمين على حقهم في المحاكمة العادلة بالنسبة للإجراءات السابقة للمحاكمة. ويشمل ذلك، ولا يقتصر على، وجوب توجيه التحذير القانوني للمشتبه فيه قبل التحري، وحق المتهم في الإستعانة بمحامي في جميع الإجراءات السابقة للمحاكمة. وحقه في معرفة جميع البينات التي تم الحصول عليها في مواجهته. وحقه في إطلاق سراحه بالضمان ما لم يثبت الإتهام وجود تخوف معقول من هروبه أو عبثه بالأدلة. كما ويتطلب ذلك إلغاء الفصل المتعلق بالمحاكمة الإيجازية.

حق التجمع السلمي

لقد درجت السلطات على تطلب الحصول مسبقاً على تصديق بالنسبة للتجمعات بنوعيها سواء أكانت المتحركة ( المظاهرات أو  المسيرات) أو الثابتة ( الإجتماعات العامة). وهي سلطة إكتسبتها لجنة الأمن في الولاية، ولجانها الفرعية إستناداً على السلطات الواردة في المادة  127  إجراءات جنائية والتي تنص  على أنه يجوز لأى والي ، حاكم ، معتمد او محافظ فى حدود دائرة اختصاصه وبالتنسيق مع وكيل النيابة او القاضي المختص أن يصدر أمراً بحظر أو تقييد أو تنظيم أى اجتماع أو تجمهر أو موكب فى الطرق أو الأماكن العامة مما يحتمل أن يؤدى إلى الإخلال بالسلام والطمانينه العامة. ورغم أن المادة لا تتطلب تصديق مسبق بشكل مباشر إلا أن العمل سار على تتطلبه وعلى تفريق المسيرة التي لا تحصل عليه رغم مخالفة ذلك للدستور، وهذا ما قررته مفوضية حقوق الإنسان الأفريقية في الدعاوي المرفوعة ضد حكومة السودان من قبل منظمة العفو الدولية وآخرين عندما تعرضت المفوضية للمرسوم الدستورى الثانى  لسنة 1989 والذي كان في المادة 6 (3) (د) يحظر القيام بدون إذن خاص بأي تجمع لغرض سياسي في مكان عام أو خاص. ذكرت المفوضية أن ذلك الحظر العام لا يتناسب مع الإجراءات المتطلبة من الحكومة للحفاظ على النظام العام، والأمن، والسلامة العامة، وقد رأت اللجنة في ذلك خرق للمادة 10 (1) من الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان  والشعوب. يجدر بنا أن نذكر أن الميثاق لأفريقي قد أصبح بعد ذلك جزءاً لا يتجزأ من الدستور بموجب حكم المادة 27 (3) منه.

وهو أيضاً رأى محكمة القضاء الإداري المصرية في القضية رقم 1507 ق مجموعة السنة السابعة حين ذكرت ( وإنه وإن كان الدستور قد أباح تنظيم إستعمال هذين الحقين بقانون فإنه لم يقصد إلى الإنتقاص منهما، ومن ثم يكون كل قانون يصدر من السلطة التشريعية المختصة مقيداً لهذين الحقين غير دستوري. ولا حجة في القول بأن قانون الإجتماع قد صدر قبل الدستور ونصت مواده على إعطاء السلطة التنفيذية سلطة تقدير الظروف والملابسات مما يسمح لها بتقرير منع الإجتماع أو التظاهر، ولا حجة في ذلك لأنه بصدور الدستور وإعلان الحريات يسقط كل ما يناقضها من قوانين) .

((جلسة 9/3/1953 ق مجموعة السنة السابعة القاعدة 369 ص 627 ))

وجوب صدور قانون يحمي حق التجمع السلمي

لذلك فإن المطلوب هو الغاء المادة 127 من قانون الإجراءات الجنائية على أن يتم تنظيم حرية التجمع السلمي بقانون يتسم بوضوح الأحكام، فيعرف الإجتماعات العامة والمواكب تعريفاً جامعاً مانعاً يهدف إلى حماية الحق ومنع إنتهاكه، بحيث يتضمن نصوصاً تمنع السلطات من منع الإجتمعات والمواكب العامة أو فضها طالما أنها سلمية، ولا تهدف لمخالفة القانون أو الأداب العامه. ويجب أن يكون القانون واضحاً في عدم تطلب أي تصديق لعقد الإجتماعات والمواكب العامة، وتنظيم الإخطار بشكل يساعد السلطات على تنظيم الطرق والميادين التي تكون في في طريق الموكب، أو على مقربه من الإجتماع، حتى يخفف مايمكن أن يحدثه الموكب أو الإجتماع من عرقلة سير المرور دون أن يشكل الإخطار عائقاً يحول والتعبير عن  الرأي في الحالات التي تتطلب سرعة التفاعل معها ويضع على السلطات واجب توفير الحماية للمواكب التي تخرج تلقائيا نتيجة لتفاعل مع أحداث طارئة من شأنها أن تخلق ردود أفعال شعبية.

حرية التعبير

أول ما يتطلب الإلغاء هو المادة (50) تم إستحداث حكمها في قانون العقوبات لعام 1983 حين سعى النميري لإحكام قبضته على السلطة، و الذي ورثه القانون الجنائي عن ذلك القانون في المادة 50 منه. تنص المادة (50) على ما يلي من يرتكب أى فعل بقصد تقويض النظام الدستوري للبلاد، أو بقصد تعريض استقلالها أو وحدتها للخطر، يعاقب بالإعدام أو السجن المؤبد أو السجن لمدة أقل مع جواز مصادرة جميع أمواله. في مفارقة واضحة للسياسة العقابية لا يتطلب القانون وقوع النتيجة الإجرامية للجريمة المعاقب عليها بواسطة المادة 50 من القانون الجنائي، ولا الشروع في تحقيقها. المادة تعاقب على القيام بفعل بغرض تقويض النظام الدستوري. وذلك  يلحق بهاعواراً يلزم المشرع بالتدخل لمعالجتها، لأنه لا عقاب على النوايا ما لم تصاحبها أفعال تكشف بصورة أكيدة عنها. كذلك يجب تحديد الفعل المكون للجريمة بحيث يتحدد بإستخدام القوة الجنائية ، لأن جملة “من يرتكب أى فعل” هي جملة متسعة تشمل نقد السلطة وإيداء الرأي سلباً في أحكام الدستور مما يصادر حرية الأفراد الدستورية وقد نجم عن ذلك إستغلال ذلك الغموض بإستخدام المادة لتوجيه الإتهام للمعارضين بسبب قيامهم بأفعال مشروعة. ويضيق المجال عن باقي المواد التي تصادر حرية التعبير والمنثورة نثراُ في القانون الجنائي.


بالنسبة لحرية الصحافة يجب صدور تعديل لقانون الصحافة والمطبوعات يمنع إيقاف الصحف لأى سبب من الأسباب، ويمنع  الحظر المسبق للنشر إلا بأمرقضائي، وأن يكون ذلك بسبب خطر حال وماثل على الأمن القومي، أو على سمعة الأفراد، دون أن يكون للرأي العام الحق في تلقي المعلومة التي يحملها النشر الصحفي

لا نزعم أن هذه التعديلات الواردة هنا، ستحل مشكلة الحريات العامة، فهذا مجرد غيض من فيض، ولكنها تثبت إبتداء وجود إرداة سياسية تهدف للخضوع لاحكام الدستور، وهي خطوة تضعنا في الطريق الصحيح.

نبيل أديب عبدالله

المحامي