عيسى إبراهيم *

 

(حوار – مصنوع بلا مقابلة بينهم – جلبير، الشفيع، النور، صديق)

1/ جلبير الأشقر:

* “هل تؤيد الحديث عن فصل بين يسار تحرري ويسار طغيانيّ، كما جرى الحديث في القرن العشرين عن يسار طفولي، ويسار مغامر، ويسار ستاليني، ويسار موسكوفي (يتبع الاتحاد السوفيتي)، ويسار تحريفي…إلخ؟

جلبير الأشقر: أميل في كتاباتي إلى استخدام تعبير “القوى التقدمية”، وتشمل بعض القوى التي تعرف عن نفسها باليسارية، وبعض القوى الليبرالية بالمعنى السياسي، والإصلاحية اجتماعياً والمعارضة للنيوليبرالية اقتصادياً. هذه القوى التقدمية هي التي أراها معبرة عن أماني الشبيبة التي قامت بالثورة. فالأيديولوجية الغالبة في أوساط الشبيبة التي نهضت بالربيع العربي هي تعبير عن هذا المنحى التقدمي بالمعنى العريض.

لك رأي مميز بالدعوة إلى التخلي عن ماركسية القرن العشرين والعودة إلى ماركسية القرن التاسع عشر. ألا ترى في ذلك “سلفية ماركسية”؟

جلبير الأشقر: أنا مع “سلفية ماركسية” لو أخذنا تعبير “سلفية” بمعنى محمد عبده، أي العودة إلى روح “السلف الصالح” في تحديث العقيدة بعد الانحطاط، وأبعد ما أكون عن “السلفية” بالمعنى الوهّابي. أرى أن ماركسية القرن العشرين حادت تماماً عن روح الماركسية الأصلية. لذا فإن سقوط الاتحاد السوفييتي لم يؤدِّ إلى سقوط الماركسية برمّتها، بل أدى إلى انتعاش الفكر الماركسي من خلال العودة إلى ماركس. فلا بدّ من العودة لتراث ماركس وإنجلس وتخليص الماركسية مما شابها من تشويهات خلال القرن العشرين بغية صياغة ماركسية صالحة للقرن الواحد والعشرين (د. جلبير الأشقر (65 سنةً) أكاديمي وكاتب وباحث لبناني. يعمل حالياً أستاذاً لدراسات التنمية والعلاقات الدولية في معهد الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS) في جامعة لندن – حاوره خالد سلامة – موقع قنطرة 2016) .

2/ الشفيع خضر

* في الصراع الأخير في الحزب الشيوعي البعض يتهمك بأنك خلعت الماركسية فهل هذا صحيح؟

إذا كان هؤلاء يقصدون بالماركسية، تقديس نصوصها والتعامل معها وكأنها كتبت مرة واحدة لتبقى بشكلها الأول دون مراجعة، أو تطوير، أو كأنها هي سدرة المنتهى، وخاتمة العلم والمعرفة، فهذه لا علاقة لي بها، وفي الحقيقة هذا لا علاقة له بالماركسية، ولا بماركس نفسه.

إذن ماذا تمثل الماركسية بالنسبة لك؟

بالنسبة لي، الماركسية هي احدى أكثر أدوات الفكر التي أبدعها الانسان تأثيراً وفعلاً، وستبقى جزءاً رئيساً من مكونات نبع المعرفة، ولكنها ليست المكون الوحيد، هي مصدر ثري جداً للفكر الانساني. لكنها ليست المصدر الوحيد. وهي منهج لدراسة الواقع، وكيفية تغييره. لكنها ليست المنهج الوحيد. وهي مرشد للبحث والنقد الثوري للمجتمع، ورؤية للثورة الاجتماعية. لكنها ليست نظرية متكاملة لديها علم الماضي والحاضر والمستقبل.

كأنك تساوي بين الماركسية والمناهج الفكرية؟

الذي تنفرد به الماركسية في نظري، أنها الوحيدة التي حددت أساس الاستغلال، وأساس تغيير علاقات الانتاج، لكن تم تشويه الماركسية وتحويلها إلى عقيدة جامدة، في حين أنها ومن خلال الممارسة، قابلة للتطوير والتجديد، وهي تكتسب قوتها من انفتاحها الدائم على النقد والفكر النقدي، (صحيفة التيار – 13 أغسطس 2016 – صفحة 3 – الخرطوم، القاهرة – شمائل النور).

3/ النور حمد

“التعلق بنظرية متكاملة الأركان؛ فلسفياً واقتصادياً واجتماعياً، كالنظرية المركسية، اضافة إلى التعلق بخارطة الطريق التي رسمتها اللينينية لمسار الثورة، عبر مراحل بعينها، يجعل من الصعب جداً على معتنقيها، قبول حقيقة أن جسد الواقع لا ينفك يكبر على جلباب النص، أياً كان ذلك النص” (المصدر: لم يبق سوى التوليف – النور حمد دكتور – ورقة للاجابة على سؤال صديق الزيلعي: هل يمكن تجديد الحزب الشيوعي السوداني؟).

“تتجلى عبقرية الفيلسوف الألماني كارل ماركس في كونه قد وضع رؤية خالدة، لا تزال قادرة على كشف جوهر الخلل في بنية النظام الرأسمالي ، رغم سائر الاجراءات التي اتخذها النظام الرأسمالي ليقطع الطريق على الحراك الثوري، ويعطل فرص احتشاد الثورة، وفقاً للنبوءات الماركسية. ما سيخلد من الماركسية هو زعمها أن حرية الأفراد لن تتحقق إلا إذا أدير المال العام إدارة جماعية. لكن، على أن نفهم أن ادارة المال العام، الجماعية، تعني العمل الاصلاحي الذي يردم الهوة بين الأغنياء والفقراء، ويعمل على صيانة الديمقراطية من التزييف، بما يضمن الشفافية والرقابة. (عنوان: ماركس مات ولم يمت)”، (لم يبق سوى التوليف – المصدر السابق).

* تحدث النور حمد عن الجدل بين الاشتراكية الماركسية التي تبنت نهج العنف الثوري، وبين الاشتراكية الفابية التي تبنت نهج الاصلاح الوئيد، ثم انتقل ليقول: “أيضاً وضح من الجهة الأخرى، أن القول بأن الطبقة العاملة، بوصفها الطبقة المؤهلة لاحداث التغيير، وفقاً للرؤية الماركسية، قول غير صحيح، وقد اتضح ذلك منذ البداية حين أدخلت اللينينية المثقفين الثوريين ضمن قوى التغيير، بل جعلتهم قادة ذلك التغيير. أما الذي جرى عقب ذلك، وأثر على النبوءات الماركسية تأثيراً كبيراً، هو أن النظام الرأسمالي في الدول الصناعية المزدهرة، استطاع أن يمتص ثورية هذه الطبقة المرشحة لذلك الدور التاريخي المنتظر، فعن طريق الاصلاحات التي تشمل: زيادة الحد الأدنى للأجور باستمرار، وتقليل ساعات العمل، وخلق أنظمة تأمين احتماعي، وتأمين صحي، وإسكان، وغيرها من الاصلاحات والبرامج الاجتماعية التي تنطلق من الجهاز الحكومي، كما تنطلق من منظمات المجتمع المدني، استطاع النظام الرأسمالي أن يمتص ثورية طبقة العمال”، (لم يبق سوى التوليف – المصدر السابق)..

* 4/ صديق عبدالهادي

“إن “العمل الجبهوي” هو، في الاساس، نشاطٌ تاكتيكي وليس عملاً إستراتيجياً. إنغمس الحزب الشيوعي في ذلك النشاط التاكتيكي  ـ  بالطبع لضروراته ـ إلي الحد الذي غاب فيه عنه افق العمل الإستراتيجي، حيث أننا نجد أن الحزب أنتج قادة نقابيين من طراز رفيع، رفد بهم الحركة النقابية العمالية وغير العمالية، إلا أنه فشل في إنتاج مفكرين يشغلهم إنتاج الفكر، والتجديد لضخ الحياة في الحزب!. وقضية الفكر بالنسبة للحزب الشيوعي، وبالتأكيد لأي حزب آخر، هي قضية إستراتيجية من الدرجة الاولى، وذلك بالقطع ما يدفع المرء للقول، وفي هدوءٍ تام، بأن الحزب الشيوعي ظلّ عملياً، ولردح طويل، حزباً تاكتيكياً وليس تنظيماً إستراتيجياً، اذ انه ما فتئ يقتات على مؤنة فكرية غاضت منابعها!، وغدتْ في امس الحاجة للتجديد”، (المصدر: ولا مناص من النقد الموضوعي، حول آن اوان التغيير، لكاتبها المفكر الراحل الخاتم عدلان(2( التغيير الالكترونية – الإثنين, 18 يوليو 2016-  صديق عبد الهادي)

“إصطف الخاتم إلي جانب المفكرين الذين شككوا في مستقبل النظرية الماركسية، وخاصة جانبها التاريخي، والذي يعتمد بشكلٍ اساس علي مقولة “ان البروليتاريا هي التي سترث حركة التاريخ”، وذلك بتوجيهها لها في وجهة بناء المجتمع الشيوعي!، بحسب أن البروليتاريا هي المنتج الرئيس للثروة والخيرات. طعن الخاتم كغيره من المنظرين المهتمين في امكانية إستمرار الطبقة العاملة كما تصورها ماركس، نوعاً وكماً في المستقبل، بل شكك في مقدرتها الحفاظ علي دورها في عملية الانتاج، أي إنتاج الثروة والخيرات للمجتمع، حيث قال، ” وأصبحت المعرفة والمعلومة والفكرة، والتصميمات الذهنية، هي ادوات الإنتاج الاساسية. وهذه تمتلكها الطبقات الجديدة، والفئات الجديدة، التي ولدتها الثورة العلمية التكنولوجية. وقد اصبحت هذه الفئات والطبقات هي المنتجة الاساسية للثروة، واصبحت هي الوحيدة القادرة علي قيادة المجتمع. لقد تضاءل دور البروليتاريا….”، (اوان التغيير، ص38)، (المصدر السابق – الحلقة 7)..

“في إعتقادي المتواضع، انه لابد من تحرير الماركسية من يقينياتها الاساسية، التي فقدت جزءاً كبيراً من قوة إقناعها، وذلك لفقدانها تماسكها، وموضوعيتها كحقائق، ومن اهم تلك الحقائق ” مفهوم القيمة” وتعريفه الماركسي، والذي توصل اليه ماركس من خلال نظريته المعروفة بنظرية العمل. إن اهمية مفهوم القيمة تأتي من حقيقة أنه من الدعائم الاساسية التي تقوم عليها النظرية الماركسية باكملها، ولانه من خلال ذلك المفهوم تمّ التوصل الي مفهوم “القيمة الزائدة” او ” فائض القيمة”، وبالتالي التوصل إلي صياغة حصيفة وجاذبة للإستغلال، ليست علي مستوى مفهومي فحسب، و إنما على اساسٍ رياضيٍ او حسابيٍ، وذلك لتثبيت حقيقة  نسبيته وإطلاقيته. ساعدت المعالجة تلك، كغيرها من معالجاتٍ مماثلة لمفاهيم أُخرى، في إضفاء العلمية علي النظرية الماركسية. ولكن برغمه، اصبح التصدع واضحاً علي جدار مفهوم القيمة الماركسي، لان جزءاً غير يسير من السلع المنتجة اصبح يُنتج بدون المرور من بين يدي العامل وبدون الإرتواء من عرقه، او الخضوع لجهده المباشر وعضلات جسده “المنهك”!. اصبح العمل المجسد، هو السمة السائدة في الانتاج. وهو المنقول معرفياً وتكنولوجياً عبر الزمن، ذلك العمل الذي قام به أناسٌ أو عمالٌ تمّ حساب “وقت العمل الضروري إجتماعياً” حسب  ماركس، لقِيَمِهمْ المنتجة وفق شروط لا علاقة لها بشروط اليوم!، بالرغم من حقيقة ان عملهم يتجسد “حياً” في قيمة سلع نستهلكها اللحظة، وذلك مما يُدْخِل مفهوم “القيمة الزائدة” في “وعثة” وعثاء”!، (المصدر السابق – الحلقة 7)..

 

“فإذا كان نقد ماركس الحصيف للاقتصاد السياسي للرأسمال قد مكنه تاريخياً من “إخراج” عملاق التاريخ، فائض القيمة، من “ثقب إبرة”، فإنه على العكس منه تماماً اليوم، حيث لن تستطيع حصافته تلك، إسعافه في عصرنا هذا، من تمرير نفس العملاق خلال اكثر ابواب التاريخ إتساعاً، أي الانتاج بمعايير تكنولوجية اليوم . إن حساب القيمة الزائدة او فائض القيمة، يصبح عصيّاً بمنهج ماركس اليوم”، (المصدر السابق – صديق – الحلقة 7).

 

* eisay@hotmail.com