د.مهند حاج علي

لفتني في كلام والد الزميل مدحت عفيف الدين، تركيزه على أن ولده اختار البقاء في بلده السودان على الهجرة. وهذا في بلادنا حيث الاقتصاد يقبع في جيبة الحاكم ورفاقه وعائلاتهم المالكة، أشبه بالنُسك. كأن يصعد المرء إلى حافة جبل ليعيش على الأعشاب والعمل اليومي الشاق ويتعفف الحياة إلا ما تيسّر للكفاف. الفارق طبعاً أن النسّاك إذ يصعدون للجبل، يتجنبون مصائر كتلك التي آل اليها مدحت، المعتقل حالياً مع زملاء آخرين في مركز ”تراكس“ الحقوقي.

في إحدى جلسات المحاكمة، سأل محامي المعتقلين المتحري سؤالين لافتين، أولهما ”ما هي تهمة مدحت عفيف الدين؟“ كانت الإجابة بأن مدحت ”يدرب على التأمين الرقمي للكمييوترات والموبايلات وحقوق الإنسان“.

وما هي تهمة خلف الله العفيف؟“. حيازة مستندات في اللابتوب.

وفقاً لما سبق، لما لا يُدرج التنفس تُهمة أيضاً نُحاكم عليها؟ فما نفع اللابتوب إن لم يحمل مستندات؟ حقوق الانسان تُهمة خطيرة. أكبر الانتهاكات لعقدنا الاجتماعي مع الأنظمة، أن يدعي أحدنا بأن المحكوم بالعيش في بلادنا إنسان له حقوق، ويتساوى مع الحاكم أمام القانون. كيف تجرؤ يا مدحت؟ الحديث عن الانسان والحقوق والاقتصاد وما إلى ذلك، يهز الاستقرار وقد يفتح أبوابنا للاستعمار، لا سمح الله!

لكنك تجرأت، وكنت أكثر شجاعة منّا. ورغم أن تلك القضبان أوسمة ستحملها على صدرك لسنوات طويلة، إلا أن الحرية تليق بك أكثر يا مدحت. وعقوبة السجن هدفها إصلاح مُرتكب الجريمة. لكن في قضيتك، أي إصلاح سيُعطونك؟ إذا كانت الجريمة حقوق انسان ولابتوب، فعن ماذا تتوب؟ الأرجح أن تسكت عن حقوق الانسان، وتتركها وشأنها، وأن تكون عبرة تُشجع الآخرين على السكوت أيضاً. لكن إذا كانت التوبة هي السكوت عن الحق، كم شيطان أخرس بيننا؟

في الصحافة، راجت مقولة إننا عندما نسمع أصوات سيارات الشرطة وهي تتجه لتوقيفنا بجُرم الكتابة، نعلم بأننا أدينا واجباتنا كاملة حيال القراء. لذا فإن لابتوب لتسجيل انتهاكات حقوق الانسان يُخيفهم. لكن في المقابل، لو أسست ميليشيا وفتحت منجماً للذهب تستغل فيه العمال وترتبط بالمهربين وصغار المجرمين وكبارهم، فإن القانون يُسخّر لخدمتك. تصير الميليشيا جزءاً من القوات المسلحة، ويُغض النظر عن ملايين تكسبها من مناجم الذهب العامة (وليس الخاصة). أن تسرق حلال، لكن أن تكتب عن السرقة حرام!

هذه معادلة عمرها من عمر البشرية. من يسرق يخشى من افتضاح أمره. كذلك من ينتهك حقوق الناس، ويُهمل شؤونهم ولا يتحمل مسؤولياته حيالهم. يخافون أمثالك. عندما لا تُهاجر حين تتوافر الفرص، وتُكرس حياتك لتسجيل الانتهاكات بحق الآخرين، فإنك تُمثل نقيضاً فاقعاً لمن في السُلطة. هم سُلطة وجيش ومخابرات وأمن وشرطة ومليارات وتلفزيونات واذاعات وقدرة كبيرة على الارتكاب والانتهاك. أنت صحافي واحد معك لابتوب، وتُسجّل. لكن كل هذه الهوة السحيقة في القوة، تتلاشى سريعاً. هم أضعف مما نخال ونعتقد.

لهذا السبب تحديداً، أنت في السجن. لأنهم يهابونك، ويريدون كسر ارادتك وقلمك. لكنهم يجهلون بأن بعض القلم لا ينكسر، يذوب فقط على الورق.