عبد الله عبد الرحمن أبوبكر

(الشريعة بصورتها التى جاءت بها فى القرن السابع لا تصلح لإنسانية القرن العشرين- محمود محمد طه).

(إحتجاجات الفقراء هى صوت الله- دوم هيلدا كامارا). 

  تجربة حكم حركة الإسلاميين فى السودان تؤكد يومياً مدى ارتباطها بالإرهاب من الجذور حتى الفروع، فهو يتغذى منها ويغذيها، تمارسه على شعبها وتصدره للعالم، فهى فى عُمقها وجوهرها حركة سلفية جهادية يحلم أتباعُها بإنشاء مشروع إسلامى عالمى كما يزعمون، وهو بالضرورة إمتداد لنموذج الحرب المُقدسة على مُواطنىِ جنوب السودان فى التسعينيات من القرن السابق، وكذلك للتطهِير العِرقى والإبادات الجماعية فى دارفور وجنوب كُردفان والنيل الأزرق، متصلاً بإرهاب من نوع خاص يتمثل فى سلاح الإغتصاب، للفتيات والنساء أمام أهاليهم، وكذلك التعذيب بأسوأ الطرق للمعارضين لنظامهم ولا يخفى على الكثيرين تجارب المُعتقلين مع زجاجات البيبسى الفارغة التى تُولج فى المؤخرات بالقوة وكُل هذا بإسم الدين الإسلامى. لذا آن الآوان للإعلان عن نِهاية حقبة الدين الرسمى للدولة ودين الحركة الإسلامية وأتباعها من الجماعات الأخرى فى السودان، لابد من إنهاء سلطة نص هؤلاء والنظر لبديل معاصر. الحركة الإسلامية هى الراعى الرسمى للإرهاب على مستوى العالم، وأشير هنا إلى إن هذا هو السبب فى عدم حدوث تفجيرات وأحداث إرهابية كبيرة بالسودان، فالإرهابيون هُم السلطة وبطانتها، هم من يعتلون منابر المساجد موجهين للرأى العام، فحُكم الإسلاميين هذا، حين مخاضات التغيير وإحتضاره السلطوى سَيكشِف عن ثِيماتُه المخفية بِمهارة، أولها ثيم ( يافِيها يا نَطفيها) والمعنى واضح.

   يبقى السؤال ما الذى أعدته الحركة السياسية والمدنية السودانية فى هذا الشأن؟ ففى حال ذهاب هؤلاء الأصوليين التكفيريين الإرهابيين من السلطة، لن يتبقى لهم غير نمط التديُن  الرسمى الذى غرسُوه فى عُقول كثيرة تستخدمة فى كل شئ وكأنه منهج علمى فعلاً، تُحلل به كُل ظاهرة حتى فى أبسط صورالأشياء يستدعُونه. لبناء المُستقبل نحتَاج إلى الجَاهزية لقطع الطريق على التطرُف الدينى الذى حتماً سيسْتخدم هذا للعودة بنا للمربع الأول عبر الميكانيزم الدينى لهزيمة التغيير القادم. تأريخياً توجد تجربة وإرث كَافِيين مدعومين بتحليلات نظرية معقولة لحل مُشكلات الإقتصاد والسِياسة لمرحلة مابعد الأسلاميين، لكن نوعاً ما ينقص النظر ببصيرة لبعض الكتابات والإتجاهات المغايرة فى مسألة الدين السياسى ودوره فى تعميق الأزمة طوال السبعة وعشرين عاماً الماضية مع تفاقم للعُنصرية كمُهددان للأمن والإستقرار مستقبلاً. هناك حاجة ملحة للآهوت تحرير سودانى يحرر الدين نفسه  من المتاجرين به كغِرار لآهوت التحرير فى امريكا اللآتينية الذى حدث فى نهاية الستينيات من القرن الماضى، لملء الفراغ الروحى بتقديمه تأويل و رُؤى مُتماسكة إلى حد مقبول، ومُعاصرة تعبر عن قضايا المسلمين السودانيين. لآهوت التحرير تجربة ملهمة عبرت عن قيم العدالة الإجتماعية و الإنسانية والعيش الكريم، فروَاده قدموا رؤية تنحاز للفُقراء والمقَهورين والمُهمشين، بمَحاربتهم للفقر بإعادةَ التوزيع العادل للثروات من خلال دراسة عميقة لواقع مُجتمعاتهم وفهم خلاق للنص الدينى المسيحى، فالمسيحية حملت فى بطيناتها مشَاكل مُشابهه لمشَاكلنا لكن لها خُصوصيتها، أيضاً كما وُجهت الإنتقَادات الحادة لرواد لآهُوت التَحرير فى أمريكا اللآتينية سيوُاجه ذلك مُنظرى وداعمى لآهُوت تحرير السودانى مُعارضة وتَكفير بكل تأكيد من أتباع النظام القائم، كما حدث  للمفكر الرائد الإسُتاذ محمود محمد طه، فلا يوجد ماهو أكثر صُعوبة من إشْعال شمعة لمُجابهه الظلام  مع وجود رياح شَديدة. عند تعاظم الظلم والبطش وسيطرة الجهل تظهر الحوجة لمحررى الشعوب من القهر والإستبداد – هذه الظاهرة مرتبطة بالمجتمعات التقليدية بشكل أكبر من غيرها – بإسم الدين كتوما الإكوينى، مارتن لوثر، مالكوم إكس ومحمود محمد طه وآخرين.

 العقيدة أصبحت جامدة وتعبر وتدافع عن مؤسسات السُلطة الفاسدة وتُبرر لها وجودها، بدلاً عن تناوُلها الأُمور الإجتماعية لمُعتنقيها عكس النظرة النقدية التى تهدم وتبنى فى آن واحد. يُعرف القديس توما الإكوينى اللآهُوت بأنه (العلم الذى يبحث فى جميع المواضيع من وُجهة نظر الله، سَواء أكانت هذه المواضيع الله نفسُه أم كانت تفترضَ وجود الله كمبدأ أو غَاية). وقال د. حيدر إبرهيم (هو تفاعُل بين الماركسية والكاثوليكية لإقامة الفردوس على الأرض)،عليه فمع لآهُوت التحرير أصبح كل شئ قابل للتفاوض والنقاش والحوار فالنص أصبح يؤول لصَالح جماهير المُستضعفين ليس ضدهم، فقضَايا المُجتمع تَنال الإهتمام الدينى بشكل مُختلف عن الشَائع- عكس حالتنا الآن- فأضحت النظرة النقدية غَالب على الأسطُورة والافكار الداعمة للسلطة.

تكمن الفكرة فى عرض أفكار الإصلاح والتجديد الدينى المُمَاسة لقضايا الجماهير فمن خلال إلقاء نظرة كلية شاملة تمكننا من تشكيل رؤية أكثر وضوحاً للتعقيدات والتقاطعات النظرية والعقائدية التى تربط المجتمع المُسلم السُودانى بكلياته مع الوضع المأزوم القائم، فالبِنى الثقافية والقيمية لهذا المجتمع تمت خَلخَلتها عبر عمليتَى إحلال وإبدال طويلتَين خلال 27 عام- تأسيساً على بِنى سابقة – من التمكِين لضَخ دين سياسى مُعين عبر خلق أنماط إقتصادية وثقافية وإجتماعية هدفها توطين وضمان بقاء المشروع الإسلاموى مستمراً،كالتعليم المُعرب والتخريب المُمنهج للإقتصاد بغيه تقسيم المجتمع وإعادة رصه، فالعلاقات الترابطية بين هذه البنى لا تنفصل- وإن حدث فهو حتماً إنفصال شَكلى- ولها عِلاقاتها التبادلية المُستمرة وإنتاجها سلباً او إيجاباً حسب التعاطى معها. إذاً تغيير منظومة الأزمة كلياً وثورياً مباشرةً غير منطقى بدون إستصحَاب مشاريع الإصلاح الخْلاق وإطروحات التجديد الدِينى السودانية فى عُمق مشروع  التغيير بكُل أشكاله المُمْكِنة، فهى- اى مشاريع الإصلاح الدينى وإطروحات التجديد- تُشكل قراءآت وتأؤيلات منعكسة من مُشكلات واقعنا الصُوفى المُهجن بالسَلفِية وأشياء أُخرى لايسع المجال ذكرها.

  واقعنا أنتج نماذج تجديدية تلمْست جوهر الأزمة مع إختلاف كثيرين معها إلا أنها تُشكل عظم الأساس لبداية حقِيقية لمُشروع لآهُوت إسلامى سُودانى، والنموذج الذى أود لإشارة إليه هنا هو  الفِكرة الجُمهورية مُمثلةً فى كتابات الاستاذ محمود محمد طه ، فهذا النموذج يحتاج لإلقاء الضوء عليه بقوة، وأعتقد أن الحركة الثقافية والتنويرية لم تُسلطه عليها بشكل كافىً، رُبما لأن للفكرة الجمهورية حِزبها، كذلك تقع ضمن دائرة الإسلام السياسى، لكنى أرآها مُشابهةً للأحزاب المسيحية الأوربية.

الإنفجار الكبير للإسلام السياسى والإرهاب المرتبط بالإسلام عالمياً يضع العالم الإسلامى فى مواجهة صعبة مع فكرة الدولة الحديثة والمعاصرة، فلابد من دراسات أعمق لفضاءات الدين ومكانه فى الدولة المدنية الحديثة، خطابات العلمنة فى السودان تعانى من حالة إغتراب عن مجتمعها حالياً لان توطين العلمانية يحتاج إلى تدراس مفصل للإتفاق على شكل حُكم تشارك فيها كل فئات المجتمع السودانى- وقعنة الخطاب العلمانى- التى تحمل الدين الرسمى كهوية ونمط حياة متكامل بصورتة الحالية، رغم تناقضه مع الواقع المتغير حولنا والذى يثبت كل يوم مدى فشل نموذج الدولة الدينية ويُلمع ويثبت مدى فعالية الفكرة الجمهورية التى تطمح لتأسيس تدين الباطن الروحى بتصرف، فهى الفكرة التى تزرع بذرة قبول الآخر تهيئ العقل المسلم السودانى للسجالات العقلانية والفلسفية التى تخرجه من دائرة الوثوقية، وتجعل من دراسة الدين الإسلامى ودوره مستقبلاً أكثر وضوحاً ومعقولية، كما تمهد لقطع الطريق على التطرف بتقديمها للمساواة الإجتماعية ، والسلام كغاية روحية ينشدها الإسلام وغيره من قيم سمحة. التأويل الذى أنطلق منه الأستاذ محمود محمد طه على أساس النظر بعمق للفرق بين القران المكى والمدنى يمثل علامة فارقة فى التجديد الإسلامى وتفكير خلاق غير مسبوق فهو يطرح فكرة أساسية مفادها ما الغاية من الدين أصلاً اذا لم يكن غذاء للروح وباعث للسلام، الفكرة الجمهورية مسار جدال وإختلاف كبيرين لكن يبقى مفيداً جداً إذا ما كان غايتة الخروج من عنق الزجاجة. المقال ليس لعرض الفكرة الجمهورية نفسها فهى أكبر من أن تُطرح فى مقال واحد، ولكن الغرض منه التنبيه لها كبوابة خروج آمن من إحتمالية التشظى الإجتماعى الأعنف والتطرف المتوقع، فشباب سودانيين كثُر إنضموا لصفوف دآعش وتنظيمات جهادية أخرى بإعتباره المكان الجديد للشباب السودانيين المجاهدين بديلاً عن جنوب السودان الذى قضى فيه كثيرون نحبهم إبان قدوم الإسلاميين للسلطة، بمعنى أن فكرة الجهاد الإسلامى التى يزرعونها تؤتى أوكلها وهذا مؤكد بأن التطرف ملازم للتدين السائد حالياً، فهؤلاء الشباب رضعوا من ثدى تديُن الأسلام السياسى المسيطر، وكذلك بالتأكيد توجد بوابات أخرى فى كتابات كثير من المفكرين وبعض المتصوفة كداعم. أخذتُ الفكرة الجمهورية كنموذج لانها الترياق المُحيد للسم الزعاف الذى يسرى فى جسد مجتمعنا منذ سنين، فمؤامرة الإسلاميين فى إغتيال الإستاذ محمود محمد طه مُدلل على ذلك.

  لتحقيق الدولة المدنية الديمقراطية نحتاج للتعامل بتدرج مع مُشكلات واقعنا لتلافِى القفز فوق مراحل البناء السليم والمُعافى لديمقراطية رآسخة هى نتيجة للوعى بضرورة العمل على ضرب بنى التخلف الإجتماعى فى جذورها بنقاشات مفتوحة للموقِف من الدين والأحزاب الدينية والقبِيلة فى السودان، لهدم السقف والإيدلوجى الذى يحاصر العقل فى السودان. فالديمقراطية نِتاج صَيرُورة لمئات السنين فى الغرب حتى أصبحت سلوكاً إجتماعياً يتطور يومياً بالنقد والبناء وحركة المُجتمع، الديمقراطية الفعلية ليست سهلة كما أنها ليست عسيرة علينا إذا ماساهمت جماهير الشعب ببِنائها طوبة طوبة بإدراكها لأهمية دورها فى حركة التأريخ وصنع المستقبل. بناء السلام المستدام يتطلب من مراكز الإستنارة والمثقفين عرض هذه المشاريع بشكل أوسع لبناء الوطن والمجتمع المتحضرالذى نحلم به.

  • لكن الشَرع حَرْم الخْمر
  • رد الخميائى: الشرُ ليسَ بِما يدخل فَم الإنسان، وإنْما بِما يخرجُ منه- كويلو باولو- الخيميائى