التغيير. وكالات  
حملات يومية وعمليات كر وفر لا تنتهي في شوارع العاصمة السودانية الخرطوم، أطرافها الباعة المتجولون والسلطات، حيث تداهم شاحنات بيضاء يقودها أفراد فرقة مختصة تسمى “الكشة” أطفالا ونساء يقدمون خدماتهم للمارة وتصادر معداتهم وبضائعهم في بلد يرزح نحو نصف سكانه تحت خط الفقر.

ما يحز في نفس الفتى “أبو ذر” ليس أنه ترك مضطرا الدراسة ليعمل بائعا متجولا لمعاونة أسرته، بل “الكشة”، ذلك الاسم الشعبي الذي يطلق على حملات السلطات التي تطارد الباعة المتجولين بالعاصمة الخرطوم. هؤلاء الباعة الذين يعرضون في الغالب سلعا رخيصة من مناديل الورق إلى لُفافات التبغ، ينتشرون تقريبا في كل شوارع الخرطوم الرئيسية لا سيما عند شارات المرور.

وفي بلد يرزح نحو نصف سكانه تحت خط الفقر ويعاني نحو خمسه من البطالة وفقا لأرقام رسمية، فإن الآلاف من الشباب والصبية والنسوة ليس لهم مصدر رزق سوى العمل كباعة متجولين في شوارع الخرطوم.

ظاهرة “ستات الشاي

ومن بين الباعة الذين يفترشون أرصفة مدينة الخرطوم لتحصيل قوت يومهم نساء سودانيات يبعن الشاي في الشوارع، حيث يحملن معهن معدات بسيطة لإعداد الشاي والمشروبات الساخنة الأخرى للمارة، الذين يتحلقون حولهن أمام طاولة وضعت عليها الأكواب وإبريق الشاي. وتعرف مهنة بيع الشاي في الشوارع السودانية، والتي أصبحت الملجأ الوحيد للكثير من النساء، بـ “ستات الشاي”، حيث تحولت هذه الظاهرة إلى مصدر تنافس كبير بين العاملات فيها، بعد أن ازداد عددهن كثيرا، فأصبحت لكل واحدة منهن طريقتها في تقديم الخدمة واختيار المقاعد والزينة والنظافة لاستقطاب زبائن أكثر. وقد أصبحت هذه الظاهرة من سمات شوارع الخرطوم وطرقاتها العامة، ومحط تجمع بين الأصدقاء والزملاء والعمال.

وتطارد السلطات يوميا “ستات الشاي” لمكافحة هذه الظاهرة، حيث تجد الفتيات والسيدات أنفسهن محاصرات فجأة بسيارات ضخمة، تحجز أدوات العمل الخاصة بهن وتصادرها، ويكلف استرجاع هذه الأدوات مبالغ طائلة. ونفّذت الشرطة السودانية في الخرطوم خلال الأسبوع الماضي حملات ضد بائعات الشاي والأطعمة والباعة المتجولين بوسط الخرطوم وصادرت العشرات من المعدات على متن شاحنات بيضاء طافت شوارع العاصمة.

واضطرت العشرات من النساء اللائي يبعن الشاي والأطعمة بشارعي السيد عبدالرحمن والقصر إلى الهروب من “الكشة” وإيقاف العمل، فيما لم يسعف الوقت بعضهن لجمع أدواتهن وفُوجئن بمداهمة السلطات المعنية برفقة الشرطة. وخلت مناطق عديدة بالسوق العربي في العاصمة الخرطوم من بائعات الشاي في الأسابيع الأخيرة بعد الحملة التي نفذتها محلية (مقاطعة) الخرطوم.
كر وفر لا ينتهيان

وقالت إحدى البائعات تدعى فاطمة “سنختفي عن الأنظار لساعات لنعود إلى العمل بعد هدوء الحملة لأننا ندفع رسوما عالية إذا تمت مصادرة متعلِّقات العمل”. وتوقف عملية مصادرة أدوات “ستات الشاي” مثل موقد الطهي عملهن لأسبوع كامل في بعض الأحيان إلى حين استردادها أو شرائها من جديد. وتستنكر بائعات الشاي السودانيات تعرضهن للملاحقات المتكررة من قبل رجال “الكشة”، ويطالبن بتخصيص أماكن ومحلات معينة حتى يستطعن مزاولة مهنتهن بشكل قانوني دون التعرض للمضايقات.

وبحسب إحصائيات وزارة التنمية الاجتماعية بمحافظة الخرطوم فإن 13 ألف امرأة يعملن في مجال بيع الشاي والأطعمة في العاصمة السودانية بينهن 6 آلاف أجنبية. وتنحدر جل بائعات الشاي من عائلات فقيرة نزحت من أطراف البلاد من جراء عوامل الحرب والجفاف وتدهور الزراعة.

تعطيل حركة المرور

ورغم أن السلطات المحلية درجت على ملاحقة الباعة بحجة عملهم “دون ترخيص”، إلا أن حملاتها تشتد في وسط العاصمة، لكونهم “يعطلون الحركة في منطقة مزدحمة أصلا”. وفي وسط الخرطوم، حيث غالبية المؤسسات الحيوية من جامعات ودواوين حكومية، يكثف هؤلاء الباعة من انتشارهم للاستفادة من معدلات الزحام التي تتناسب طرديا مع معدلات البيع.

غير أن هذه الأرباح المحتملة قد تتحول إلى خسائر فادحة في حال وقع البائع في يد السلطات التي تصادر بشكل فوري البضائع، كما يقول الفتى حمد البالغ من العمر 15 عاما. ولا تفرج السلطات عن البضائع إلا بعد دفع غرامة، ويشير حمد إلى أن قيمتها “لا تقل كثيرا” عن قيمة البضاعة المصادرة. وقال الفتى “دفعت بالأمس 250 جنيها (37.3 دولارا) لاستلام بضاعتي المصادرة، وليس أمامي خيار سوى مواصلة العمل لتعويض خسارتي مع التحسب لمصادرة أخرى”.

ويبيع حمد بجوار واحدة من إشارات المرور مناديل الورق، حيث يبلغ سعر الصندوق الواحد منها 7 جنيهات تعادل 1.1 دولار أميركي. إلا أن مدير إدارة المخالفات والضوابط ببلدية الخرطوم، يس صالح معروف، يشير إلى أن “المصادرة واحدة من مراحل العقوبة على من يعمل في الطريق العام بعشوائية ويعطل حركة السير”. وقال معروف إن “حملات موظفيه تتدرج من النصح والإرشاد وصولا إلى الغرامة”. بالنسبة إلى المسؤول المحلي فإن “الغرامة ليست هدفا بقدر ما هي وسيلة لتطبيق النظام في الشارع وتحفيز الباعة على العمل المنظم في أماكن حددتها البلدية في مختلف الأسواق”.

حلول بديلة
عمل دون ترخيص

في المقابل يقول أبوذر، البالغ من العمر 18 عاما، إنه وزملاؤه “لا يملكون رأس المال اللازم لاستئجار هذه المحلات ودفع الرسوم المترتبة عليها”. ورغم التعاطف الشعبي إلى حد ما مع الباعة المتجولين، إلا أن معارضة نشاطهم تمتد من السلطات المحلية إلى التجار الذين يديرون بشكل نظامي محلات في أسواق العاصمة الرئيسية وشوارعها.

ويجادل هؤلاء التجار بأن نشاط الباعة المتجولين يساهم في التقليل من عدد زبائنهم لأن بإمكانهم البيع بأسعار رخيصة لكونهم لا يدفعون مصاريف إدارية مثل قيمة الإيجار والضرائب والرسوم المحلية. وقال أحمد الماحي الذي يملك أحد المحلات التجارية “نحن لا نريد قطع أرزاقهم لكن عملهم مضر ليس لنا فقط بل للمصلحة العامة أيضا”.

ويستشهد الماحي بـ”الفوضى والزحام في الأسواق وكذلك تكدس النفايات بسبب الباعة المتجولين الذين لا يدفعون مثلنا رسوما شهرية لجمعها”. لكن صديق، وهو أحد الباعة، يشير إلى أن “وضع البلد الاقتصادي هو الذي يضطرنا إلى العمل هكذا هل يعتقد أحد أننا سعداء بالعمل وقوفا لـ 12 ساعة في اليوم بعائد يغطي بالكاد احتياجاتنا المتواضعة؟”.

وبنبرة غاضبة يمضي الرجل الذي يعول أسرة من 6 أطفال إلى تساؤل آخر “أليس من قبيل الترف مطاردتنا بحجة المظهر العام لينام أبناؤنا جوعى؟”. وبالنسبة إلى مسؤول إدارة المخالفات والضوابط، فإن حملاتهم “ستستمر لتنظيم الشوارع ونظافتها حفاظا على وجه مشرق وحضاري للمدينة”. أما بالنسبة إلى الباعة فهم يرون أيضا أنهم “سيستمرون في عملهم إلى حين توفير الحكومة بدائل يسترزقون منها”.

يذكر أن وزارة الصحة في محافظة الخرطوم قد أطلقت في سبتمبر الماضي تحذيرات من شرب وتناول الأطعمة التي يقدمها الباعة المتجولون وأصحاب المحلات غير المرخص لها، وشددت الوزارة على ضرورة تكثيف التوعية الصحية للمواطنين بغية الحد من انتشار تلك المحلات.