رشا عوض

 

في البدء، تحية التضامن والود والتقدير والاحترام للمناضلين  الشرفاء الأستاذ خلف الله العفيف، مدير مركز تراكس للتدريب والتنمية البشرية، الأستاذ مصطفى آدم مدير منظمة الزرقاء للبحوث والتنمية الريفية، الأستاذ مدحت عفيف الدين الناشط الحقوقي والمتعاون مع مركز تراكس، الذين اعتقلوا  منذ 22/مايو 2016 حتى الآن، اعتقالا بدأ في احد مقار جهاز الأمن وكان مصحوبا بالتعذيب وسوء المعاملة للدرجة التي جعلت ترحيلهم إلى سجن الهدى مدعاة لفرح أهلهم وذويهم لأن السجن مقارنة بما كانوا فيه مكانا رحيبا ورحيما!

هؤلاء الأبطال الذين بهتهم  جهاز الأمن باتهامات خطيرة    ينتظرون النطق بالحكم في قضيتهم غدا الإثنين 20 فبراير 2017  الساعة الثانية عشرة ظهرا بمحكمة الخرطوم وسط. نتمنى أن يكون الحكم ختاما لهذه المحنة، ومن تابع وقائع جلسات المحاكمة نفسها يدرك ان الحكم العادل هو البراءة المصحوبة بتعويض عن السجن الطويل والتعذيب البدني والنفسي والأذى المعنوي الذي لحق بهؤلاء المظلومين وأسرهم، لا لذنب ارتكبوه، سوى تصديهم للدفاع عن حقوق الإنسان عبر تدريبهم للمواطنين السودانيين على رصد الانتهاكات بمهنية متجردة من ضمن شروطها الدقة المتناهية والموضوعية التي لا تتأثر بالانحيازات السياسية.

رغم ثقتي في براءة اخوتي خلف الله ومدحت ومصطفى، فإنني أحبس أنفاسي قلقا في انتظار الحكم، لا خوفا من القانون بل خوفا من تدخل السياسة والذراع الأمني لكسر رقبة القانون! أرجو أن يخيب ظني ويأخذ القانون مجراه دون ضغوطات أمنية وسياسية، فيسدل الستار على هذه المحنة بحكم البراءة.

 

  القضية ظاهرها القانون وباطنها السياسة!

 التحرش الأمني الغليظ  بمركز تراكس بدأ في 26 مارس 2015 عندما داهمته قوات الأمن واستولت  على خمسة أجهزة  لاب توب، والسيرفر الخاص بالمركز، وفتحت بلاغا ضد كل من خلف الله العفيف(المدير) وأروى الربيع (المديرة الإدارية)، ومحاسبة المركز، وعادل بخيت (مدرب متعاون) ، وبعد سلسلة من الاعتقالات المتفرقة والاستدعاءات المتكررة، ثم تحقيق نيابة أمن الدولة الذي استغرق 11 شهرا، وبعد تحويل ملخص  القضية لنيابة الجرائم الموجهة ضد الدولة تقرر شطب القضية إذ لم تجد النيابة شيئا في الأجهزة خاصة المركز ما يصلح أساسا لاتهامات جهاز الأمن لهم بالجاسوسية والحرب ضد الدولة وتقويض النظام الدستوري وغيرها، وتبعا لذلك قررت نيابة الجرائم الموجهة ضد الدولة إعادة الأجهزة للمركز.

 وبعد أن استلم خلف الله العفيف الأجهزة بأربعة أيام فقط اقتحمت قوات الأمن المركز مجددا في 29 فبراير 2016 وصادرت كل ما فيه من أجهزة كمبيوتر وهواتف محمولة وجوازات سفر، واعتقلت سبعة من موظفي المركز هم خلف الله العفيف،  أروى الربيع، خزيني الهادي، مدحت عفيف الدين ، الحسن خيري، ايماني ليلى وهي كميرونية متطوعة مع تراكس، والشاذلي، بالإضافة إلى ، مصطفى آدم مدير منظمة الزرقاء للبحوث والتنمية الذي كان زائرا للمركز وقت الاقتحام، وكأنما جهاز الأمن يرد على النيابة التي برأت المركز بأنه يستطيع ان يصدر الحكم الذي يرضيه وينفذه بيده رغم أنف القانون والحقائق الموضوعية الماثلة!!!

 ثم بدأ مسلسل التحقيقات مجددا باستدعاء “المتهمين”  يوميا إلى مركز تابع لجهاز الأمن  ، وفي 22 مايو 2016 أعاد جهاز الأمن اعتقال موظفي تراكس السبعة ومصطفى آدم، بعد عشرة أيام من ذلك التاريخ أفرج عن أروى الربيع وإيمان ليلي، ثم الشاذي وخزيني والحسن، أما خلف الله ومدحت ومصطفى آدم فظلوا معتقلين تعسفيا، ومارس جهاز الأمن ضغوطه على نيابة الجرائم الموجهة ضد الدولة حتى أجبرها على تحويل القضية التي شطبت  للمحكمة، وبالفعل بدأت المحاكمة في أغسطس 2016 وحرم المعتقلون الثلاثة من الإفراج بالضمانة لأن التهم التي وجهها لهم الأمن لا تسمح بذلك(الجاسوسية، وتقويض النظام الدستوري، شن الحرب ضد الدولة، منظمات الإرهاب)إضافة إلى مواد أخرى .  

هذا الإصرار من جهاز الأمن على إعادة فتح قضية شُطبت لعدم وجود أدلة، يدل على ان هناك استهداف سياسي لنشطاء تراكس، أما  القانون فقد استخدم  كعصا غليظة لإرهابهم، وهذه الفرضية تعززها ممارسات جهاز  الأمن الإرهابية ضد المعتقلين  “خارج نطاق القانون” ومن أمثلة ذلك اقتحام منازل أسر المعتقلين في أوقات متأخرة من الليل وترويع من فيها من أطفال ومرضى وكبار سن وقلبها رأسا على عقب بحجة البحث عن وثائق ومستندات، وسلب الأموال الموجودة بها دون حكم قضائي بل وقبل بدء المحاكمة كما حدث مع أسرة خلف الله العفيف الصغيرة والكبيرة.  

 

  لماذا هم في السجن؟

إن المحنة التي تعرض لها العاملون في “مركز تراكس للتدريب والتنمية البشرية” والتي نتمنى أن تنتهي ظهر الاثنين 20 فبراير بحكم عادل يحق الحق، ما هي إلا فصل من فصول التضييق على كل من تجاسر على ممارسة حقه المشروع في وطنه، وسعى للتأثير في الحياة العامة عبر مؤسسة مستقلة عن السلطة الحاكمة، وتواصل مع أبناء وبنات الشعب السوداني تواصلا مباشرا بهدف تمليكهم معارف ومهارات جديدة  في إطار ثقافة الديمقراطية وحقوق الإنسان ومناخات المجتمع المدني التي إن سادت في البلاد ، حتما ستخلق عبر التراكم ” وعيا جديدا” بكل قضايا الوطن ومن ثم “مواطنين قادرين على التغيير”، فالنظام الحالي لم يقتصر دوره في تخريب البلاد على تحطيم حاضرها بل تمدد مخططه التخريبي إلى المستقبل عبر استهداف أي حاضنة يمكن ان تتخلق داخلها بذرة لتيار فكري مستقل، وأي مؤسسة تجمع المواطنين السودانيين حول أهداف وبرامج مختلفة عن ما يريد النظام الحاكم حبسهم فيه.

فالنظام يعتبر مثل هذه المؤسسات  “مهددا وجوديا”!! ولذلك  لا بد من استهدافها بالتصفية عبر إغلاقها واغتيال شخصيات من يعملون فيها، ومحاصرتهم بالمضايقات وترهيبهم بالاتهامات الكبيرة والاعتقال الطويل لدفعهم إلى الهجرة من البلاد أو على الأقل هجر العمل العام والجلوس في مقاعد المتفرجين!!.

والاسطوانة المشروخة التي تتكرر في مواجهة كل نشطاء حقوق الإنسان واحدة:  العمالة والتجسس لجهات أجنبية وإثارة الكراهية او الحرب ضد الدولة!

لقد تابعنا وقائع جلسات المحاكمة بشغف لنعرف ما هو العمل الذي قام به خلف الله ومدحت ومصطفى لتقويض النظام الدستوري! والتجسس! والإرهاب! فلم نجد فيها سوى نشاطهم في مجال حقوق الإنسان! إذ اعتبر رصد انتهاكات حقوق الإنسان في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق وتدريب المواطنين على الرصد والتوثيق الصحيح للانتهاكات  الذي يقوم به “تراكس”  تجسسا بهدف رفع التقارير لدول أجنبية ومصطفى آدم الذي يتعاون مع المركز بإحضار المتدربين شريكا في الجريمة!

              وهنا يفضح جهاز الأمن بلا حياء عقليته المتآمرة على الشعب السوداني فالجريمة في عرفه وعقيدته ليست انتهاك حقوق الإنسان السوداني! بل الجريمة رصد هذه الانتهاكات وكشفها انصافا للضحايا! فالمواطن الصالح من وجهة نظر جهاز الأمن هو من يساعدهم في التستر على جرائمهم! وهذا معناه ان هناك نية مبيتة للمزيد من الانتهاكات! ولذلك لا بد من تخويف كل من تسول له نفسه مساعدة الضحايا ولو برصد ما تعرضوا له!

تابعنا وقائع المحاكمة فذهلنا بأن الأمن يتهم نشطاء تراكس ومصطفى آدم بأنهم السبب في أن محكمة الجنايات الدولية أصدرت أوامر القبض ضد البشير وآخرين!! في حين ان المحكمة أصدرت هذه اوامر القبض ضد احمد هارون وكوشيب عام 2007 وضد البشير عام 2009 وتأسس مركز تراكس عام 2013 !!!

حسنا فعلت المحكمة بأن  أسقطت عن كل من خلف الله ومدحت تهم الجاسوسية، وتقويض النظام الدستوري، وشن الحرب ضد الدولة، ومنظمات الإرهاب،بعد فشل جهاز الأمن في تقديم أي دليل منطقي أو غير منطقي عليها ، ونتمنى  أن تبرئهم من الاتهامات الموجهة لهم تحت المواد

٦٦ من القانون الجنائي الخاصة بنشر الأخبار الكاذبة،

و ١٤ الخاصة بجرائم المعلوماتية والمادة ٢٤/٧ من قانون العمل الطوعي.

ونتمنى كذلك تبرئة  مصطفى آدم من الاتهامات الموجهة له تحت المواد ٥٣ الخاصة بالتجسس،

و ٥٥ الخاصة بإفشاء واستلام المعلومات والمستندات الرسمية.

والمادة ١٤ الخاصة بجرائم المعلوماتية

ترى بماذا سيحكم القاضي؟ هل سنرى في ختام هذه المحاكمة بصيص ضوء في نفق السودان المظلم؟ نتمنى ذلك.