عيسى إبراهيم *

* طالعنا الأستاذ خالد فضل بمقال “في ذكرى اغتيال الأستاذ محمود محمد طه عنوانه: هل أزمتنا سياسية أم فكرية؟!”، في عدد الجمعة 15 يناير 1999 بصحيفة الرأي الآخر الغراء، الصفحة الخامسة، وهو مقال يثير الشجون، ويوقظ الفكر من سباته، الذي طال، وآن له أن يبعث، ونبدأ فنورد قولاً للأستاذ عن الفكر، أزمة الفكر، والتي ركزها في “قلته والتوائه”، ثم نبادر فنقول: منذ الوهلة الأولى، إن أزمتنا من حيث الجذور، أزمة فكرية، وبالتالي هي أزمة سياسية من حيث الفكر السياسي، وهي أزمة اقتصادية، من حيث الفكر الاقتصادي، وهي أزمة اجتماعية من حيث الفكر الاجتماعي!!..

ما هو الفكر

* يقول الأستاذ محمود: الفكر هو وظيفة حاسة العقل، فعندما يكون النظر هو وظيفة العين، والسمع وظيفة الأذن، والشم وظيفة الأنف، والذوق وظيفة اللسان، واللمس وظيفة اليد، يكون الفكر هو وظيفة حاسة العقل، والعقل هو جماع الحواس الخمس!..

* ولقد نعى الأستاذ محمود على مجاميع المتعلمين، والمثقفين، تركهم باب الحديث في الدين، والتعمق في قضاياه، ومعيشته، لأشياخ لا يعلمون من الدين إلا قضايا مكرورة، وهي قضايا فقهية، انفصلوا بها عن قضايا العصر، وابتعدوا بها عن جوهر الدين، ولم يستطيعوا، ولن يستطيعوا، أن يزاوجوا بين التراث والمعاصرة!، ونحن اليوم كـ(مسلمين) في ذيل القافلة البشرية، متخلفون في السياسة، ومتخلفون في الاقتصاد، ومتخلفون في قضايا الاجتماع، لأننا ببساطة متخلفون في إعمال الفكر في قضايانا!، وليس للانسانية باب للخروج من أزماتها المتكررة، على مستوى الأخلاق، وعلى مستوى القانون، إلا بولوج باب الاسلام، ومغادرة باب العلمانية، وذلك بجعلها قاعدة للعلمية (علم الآخرة)، “الدنيا مطية الآخرة”، ولكن أي اسلامٍ نريد؟!، ومن الذي يقدمه؟، ونقول إن المسلمين غائبون!، فما المخرج؟!..

“ولعلهم يتفكرون”!!

* المطلوب من المسلمين التفكر في آيات الآفاق، وفي آيات النفوس، “سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيءٍ شهيد”؟، ونحن اليوم كـ(مسلمين) لا نفكر، وإن ظننا اننا مفكرون، لذلك ليست لنا مساهمة فاعلة في القضايا الفكرية المعاصرة، من حيث العلم المادي التجريبي، ومن حيث العلم الروحي التجريبي، ومرد ذلك إلى الانفصام الذي نعيشه بين حياتنا المادية، وحياتنا الروحية، بين دنيانا، وأخرانا، والذي أورثنا “شيزوفرينيا” – ازدواج في الشخصية، وعلينا أن نفتح المجرى بينهما حتى يمتزجا ويتزاوجا؛ ليتوحد ظاهرنا وباطننا!!..

بين الشريعة والسنة

* أولى المشكلات التي تواجهنا: هل الشريعة الاسلامية في مستوى السياسة “الشورى”، والاقتصاد “الرأسمالية الملطفة”، والاجتماع “انتقاص حقوق المرأة والذمي”، هل الشريعة هي الدين؟، أم هي الـ (باب)؛ المدخل على الدين؟، فإن كانت الأولى؛ فما هي المساحة المتروكة للتفكر إذن؟، وإن كانت الثانية، فهل يملك الدين حلولاً لقضايانا المعاصرة، في السياسة، والاقتصاد، والاجتماع؟، وهل هناك حدود ينتهي عندها التفكر؟، هل هناك خطوط حمراء توضع لاأمام التفكر عليه ألا يتجاوزها؟، أم أن التفكر هو قدر الانسان المقدورللوصول إلى الحقيقة؟!، تقول الآية الكريمة: “وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون”، وعلى القارئ ان يتفطَّن الى التعبير القرآني باسعماله جذرين مختلفين اختلاف مقدار (أنزل ينزل انزالاً، ونزل ينزل تنزيلاً)، والقاعدة العربية تقول: “كل زيادة في المبنى تقود إلى زيادة في المعنى”، هناك اتجاهان في التفكير يسيطران على الفكر الديني المعاصر تجاه ما تطرحه هذه الآية: الأول يعتقد ان كلمة “انزلنا” و”ما نزِّل”، تعني – بلا تفريق – شيئاً واحداً هو القرآن الكريم، وآخر وهو اتجاه الأستاذ محمود الذي يقول أن “انزلنا” تعني القرآن كله، و”ما نزِّل” تعني القدر من القرآن الذي نزل لرض الناس ليعالج لهم مشاكلهم في القرن السابع الميلادي – أوان نزول القرآن – وهي الشريعة في مستوى السياسة والاقتصاد والاجتماع، و”لعلهم يتفكرون” هي القصد والطلب!، وما يؤيد التجاه الثاني ان علماء اللغة العربية يقولون: كل زيادة في المبنى تؤدي إلى زيادة في المعنى، فتعبير القرآن بـ “أنزل”، غير تعبير القرآن بـ “نزَّل”، فلم يقل القرآن وأنزلنا إليك الذكر لتبين للبناس ما أنزل إليهم، وغنما قال: ما نزِّل إليهم، والتعبيران وغن اشتركا في جذر الكلمة، يؤديات لمعنيين مختلفين، فـ “أنزل ينزل انزالاً، ونزل ينزل تنزيلاً”!، وأمر آخر عناه الحديث النبوي: “نحن معاشر الأنبياء امرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم”، قدر طاقتهم، ومن هنا جاء التفريق عند الأستاذ محمود بين الشريعة “مخاطبة الناس قدر طاقتهم”، والسنة “تكليف النبي – صلى الله عليه وسلم – قدر طاقته”، إذ “لا يكلف الله نفساً إلا وسعها”، ووسع النبي أكبر من وسع الصحابة، فتكليفه هو “الرسالة الثانية من الاسلام”، وتكليف الصحابة هو “الرسال الأولى من الاسلام”..

الاسلام رسالتان

* في الاقتصاد: الانتقال من آية “خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها…” إلى آية “…ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو…” آية أصل يُبنى عليها النظام الاشتراكي المرتقب، ونورد من التراث ما يشير إلى مكان الآية في الماضي: قال القرطبي (في تفسير الآية القرآنية: “…ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو”): … وقال الكلبي: كان الرجل بعد نزول هذه الآية إذا كان له مال من ذهب أو فضة أو زرع أو ضرع نظر إلى ما يكفيه وعياله لنفقة سنة أمسكه وتصدق بسائره، وإن كان ممن يعمل بيده أمسك ما يكفيه وعياله يوماً وتصدق بالباقي، حتى نزلت آية الزكاة المفروضة فنسخت هذه الآية وكل صدقة أمروا بها… (المصدر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي – الجزء الثالث – الطبعة الثالثة – عن طبعة دار الكتب المصرية – تفسير الآية 219 البقرة – صفحة 61 و62).

في السياسة: الشورى تختلف عن الديمقراطية، اختلاف مقدار، شكلاً ومضموناً، فالشورى حكم الفرد الرشيد، على الأمة القاصرة، والديمقراطية هي رأي “الأغلبية” مع مراعاة حقوق الأقلية!، وآية الشورى هي “…وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله…”، وآية الديمقراطية هي: “فذكر انما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر”!..

في الاجتماع: فرقت الشريعة بسبب “الجنس” بين الرجال والنساء، وفي “الدين” بين المسلم والذمي، وفي السنة “الرسالة الثانية” تأتي المساواة في “القيمة” بين الرجال والنساء، والاحتكام إلى “المواطنة” في الوطن الواحد!..

التفكير والتكفير

* لعلَّ أكبر العقبات التي تواجه مجرى التفكير، هي عقبة رفع راية التكفير في وجوه المفكرين، فالتفكير، فريضة إسلامية، كما يقول العقاد، وهو لا تحده حدود، إلا حدود المقدرة عليه، والفكر المطلوب انتهاجه، هو الفكر المتأدب بأدب القرآن، أدب حقه، وأدب حقيقته، ولا يوصل إليه إلا تقليد “المعصوم” تقليداً متقناً وواعياً في عبادته وفي ما نطيق من عادته، وعند الأستاذ محمود أن سنة النبي الحقيقية: هي ادخال الفكر في العمل، وقد كانت حياته كلها فكراً في ما يأتي وما يدع!..

أيها السودانيون

* واجب السودانيين اليوم نساءً، ورجالاً، النهوض للقيام بواجب الفكر والتفكر، لحماية أنفسهم أولاً، ثم لحماية الفكر والمفكرين من “ديماقوقية” الهوس الديني، وعليهم أن يهبُّوا، ولا يتركوا سوح الدين لهؤلاء الأشياخ، الذين لا يعيشون العصر، ولا يستطيعون سبر أغوار التراث، ولا مواءمته، يقول فولتير: “قد لا أكون متفقاً معك، ولكني أدفع حياتي رخيصة، كي تقول رأيك”!، والأستاذ محمود قد كان قمة من قمم الشموخ السوداني التي أجبرت التاريخ على الالتفات!!..

* eisay@hotmail.com