محجوب محمد صالح

تطور جديد في علاقة حكومة السودان مع الولايات المتحدة حدث الأسبوع الماضي، ولم تسلط عليه الأضواء بدرجة كافية سيتضح أنه ربما كان الاختراق الأكبر الذي تحققه الحكومة في علاقتها مع أميركا ومع الدول الغربية.

ففي الأسبوع الماضي توجه رئيس هيئة أركان الجيش السوداني إلى مدينة شتوتغارد الألمانية، ليشارك للمرة الأولى في الاجتماع المشترك لقمة رؤساء أركان القوات الإفريقية والأوروبية مع القوات الأميركية، ورغم أن هذه القمة عقدت اجتماعات عديدة منذ تشكيل القيادة الأميركية في إفريقيا «افريكوم»، فإن السودان لم توجه له الدعوة بتاتاً في السابق، لتوتر علاقاته مع أميركا، ومجرد حضور السودان في هذا الاجتماع يعني أن التطور الذي طرأ على العلاقات قد قطع شأواً بعيداً يسمح باعتبار السودان عضواً في هذه المجموعة الأميركية الإفريقية الأوروبية التي يأتي على رأس مهامها محاصرة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود والمهددات الأمنية ذات الطابع الإقليمي والدولي، وحضور السودان للقمة يحمل اعترافاً بأن الحكومة السودانية أصبحت جزءاً من هذه الأسرة، وأن القوات المسلحة السودانية باتت للمرة الأولى معترفاً بها كقوة محاربة للإرهاب وشتى المهددات الأمنية الأخرى، بدءاً من الهجرة غير الشرعية وانتهاءً بالاتجار بالبشر.
هذا التطور جاء نتيجة سياسات عديدة انتهجتها الحكومة السودانية مؤخراً، تخلت بموجبها عن تحالفات وسياسات كانت تسير عليها سابقاً، فهي قد تخلت تماماً عن المحور الإيراني، وحجمت الوجود الإيراني في السودان، وانحازت للتحالف العربي ونسقت عسكرياً مع السعودية والإمارات، ودخلت معها في مناورات عسكرية مشتركة، وكانت الدولة الوحيدة من خارج دول الخليج التي ترسل قوة عسكرية محاربة إلى اليمن، وعلى جانب آخر نسقت مع الاتحاد الأوروبي، وأخذت على عاتقها مهمة محاربة الهجرة غير الشرعية العابرة للبحر الأبيض نحو أوروبا، وبدأت حراسة حدودها لتوقف تسرب المهاجرين، والتزمت بمحاربة بوكوحرام وجيش الرب الحركتين اللتين تقودان نشاطاً إرهابياً في إفريقيا.
الحكومة تنظر إلى هذه الدعوة باعتبارها أكبر اختراق تحققه، وتطمع في أن تحقق من ورائه تطبيعاً كاملاً لعلاقاتها مع أميركا، بحسبان أن قرار الإلغاء المؤقت لبعض العقوبات المفروضة بقرار رئاسي -على أهميته- ليس كافياً، لأن هناك عقوبات أخرى فرضها الكونجرس بقوانين ما زالت قائمة، والأخطر من هذا فإن اسم السودان ما زال حاضراً في قائمة الدول الراعية للإرهاب، وهذا التصنيف يفرض عقوبات كثيرة، ولذلك ترى الحكومة أن الجائزة الكبرى التي تطمع في الحصول عليها هي رفع اسمها من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وهي ترى في مجرد توجيه الدعوة لها للمشاركة في اجتماع هيئة الأركان اعترافاً بدورها العسكري في محاربة الإرهاب والمهددات الأمنية، ولا يستقيم عقلاً أن يطلب منها القيام بدور محوري في محاربة الإرهاب، ثم يستمر اسمها في قائمة الدول الراعية له، وعلى هذا فهي تتوقع رفع اسم السودان من القائمة، وسيكون ذلك إيذاناً بأن التطبيع قد اكتمل.
السؤال الذي يشغل بال المعارضة السودانية هو هل يكون مطلب التحول الديمقراطي جزءاً من حزمة التطبيع.. أم يكون التطبيع وسيلة لمزيد من التمكين للنظام؟؟
وإذا كان الأخير فما هو المطلوب من المعارضة لمواجهة هذا الموقف الجديد؟.