خالد فضل

سألت ذات مرة البروفيسور عطا البطحاني عن الحالة النفسية التي تتلبس الشخص عندما يتم تعيينه وزيراً او رئيساً , ضحك البروف و احال سؤالي إلى شخص كان يجلس معه بمكتبه فأشار إليه بسعادة الوزير السابق طالباً منه الاجابة . كان الرجل صريحاً و هو يرد على سؤالي بان الشعور بالعظمة و الأبهة يتملك الفرد عند استوزاره , حيث تنطلق سيارته مسرعة و غالباً ما يتخطى الحواجز بسهولة و يسر , و تحيط به  اوجه الاهتمام في كل محفل يؤمه . كان ذلك الوزير يعبر في الحقيقة عن حال الوزراء و المسؤولين الذين يخدمون انظمة الاستبداد التي ترتبط في الغالب بالفساد كما هي حالة نظام الانقاذ الحالي , إذ ان ذلك الوزير نفسه كان قد استوزر ضمن كوتة الترضيات و الحوافز التي ظل يقدمها المتشبثون بالكراسي من سدنة الانقاذ لكل الافراد الذين ينشقون عن الاحزاب السياسية التاريخية في البلاد .

إن حالة اللهاث وراء كراسي السلطة قد استغرقت كل القوى السياسية تقريباً ربما الاستثناء الحزب الشيوعي السوداني , و حزب البعث . لذلك ليس غريباً ان المتشبثين بالسلطة من تنظيم الجبهة الاسلامية قد ظلوا يمارسون عادة الاغواء بالكرسي في وسط سوق النخاسة السياسية ,  فتقسم حزب الامة القومي إلى (امم) , كل مجموعة لوح لها المستبدون بمنصب هرعت إلى ساحتهم عارية من كل رداء سياسي او مرجعية فكرية ,  بدأ الماراثون بمبارك الفاضل و من ديك و عييك . و كذا الحال مع الاتحاديين على ايام المرحوم زين العابدين الهندي مروراً بالميرغني الكبير الذي تسلق إلى الكراسي بسلم نيفاشا و من يومها لم يطق النزول رغم تبدل الحال و الاحوال . كل متسلق إلى السلطة يركل ماضيه و يكاد يبصق عليه , فإشراقة سيد محمود التي استوزرت ضمن كوتة جماعة الدقير لم تتوان في إطلاق زغرودتها المجلجلة إحتفاءً بقائد الجنجويد الذي حل محل الجيش القومي , و عهدنا بإشراقة على ايام الطلبة في جامعة الخرطوم حتى بعد منتصف التسعينات انها في صف الانحياز للضعفاء و المظلومين و المقهورين و المشردين من ضحايا الجنجويد و ما شابههم من مليشيات , و على ذلك قس , بل حتى في كار المتشبثين ما ان يخلع الواحد منهم من منصبه و صولجانه و جاه السلطة وعظمتها و مظاهرها الزائفة حتى ينقلبوا على عقبيه ذماً و قدحاً في من خلعوه , إنها القذارة تتزيأ بالشعارات الفارغة , فما الذي يدعو تابيتا بطرس للبقاء في الكرسي و حزبها و شعبها و اهلها يلوذون بالكراكير إتقاء شر الانتينوف , ثم جماعة د.تجاني السيسي تنقسم إلى فلقتين كل فلقة تتمسك بما تفضل به عليها المتشبثون من فتات المناصب , و قبلهم عندما خرج مني اركو مناوي من وظيفة (مساعد الحلة) بقي من خلفه من كان ضمن جماعته , آثروا المنصب و الجاه و حظوة النفس على مصائر اهلهم الذين تتوزعهم خرائط النزوح و اللجؤ و القتل العشوائي و رعب الجنجويد . و كذا فعل صديقنا حسن , ذاك الماجد الذي ظل لسانه يلهب المستبدين و القتلة بسياط من لهب منذ ايام الجامعة و حتى استشهاد السنهوري و رفاقه و رفيقاته من شهداء هبة سبتمر 2013 المجيدة , فما الذي تبدل في عظم النظام حتى تماهى معه في لبس العمامة و حمل العصى و رقصة الخيلاء , إنها نوازع النفس و الانانية و حب الذات و السعي وراء المكسب المادي الزائل بينما تبقى خسارة المعنى وصمة لا تمحوها السنين .

في هذه الاوقات التي يلهث فيها افراد و مجموعات لتسلق كراسي الحكم تحت احذية عساكر القمة , و يريقون ماء الوجوه زلفى عند اعتاب القصر الجمهوري , في هذه الاوقات يتقدم بجسارة ركب المناضلين الحقيقيين صوب المعتقلات و زنازين البطش والقمع , فهاهو د.مضوي ابراهيم استاذ الهندسة المرموق و الناشط المدني المعروف ما يزال حبيس الجدران لم يقدم لمحاكمة إن كانت هنالك تهمة , و قبل ايام اكمل خلف الله العفيف و مصطفى ادم و مدحت عفيف الدين حجهم المبرور إلى اقبية السجون فداءً للشعب و قرباناً لحقه في الوعي و الاستنارة , مثل ما قدمت النساء الشامخات فروض الولاء للانسان و الوطن و الحق و الجمال من لدن الناشطات في (لا لقهر النساء) إلى الصحفيات الشجاعات امل هباني و رفيقاتها , ها هو الركب ينضح بالعزة و الكبرياء بقامة الاطباء الشرفاء في لجة اطباء السودان الذين تحتوشهم مكائد جهاز الامن عبر اذرع اتحاد الاطباء و نقابة المهن الصحية بتهمة (نسف الامن الصحي) و انعم بها من تهمة , فقد كان الاطباء الشرفاء ضد هدم مستشفى الخرطوم التعليمي و بذلك فإنهم قد هددوا بالفعل امن (الزيتونة و اخواتها) .

لم تعد هناك منطقة وسطى , المتشبثون بذواتهم و مصالحهم الشخصية و معهم اللاهثون من ورائهم في جهة , اما الشعب في غالبيته في صف الجوع الكافر . اصحاب الضمائر الحية لا يترددون في الانحياز لصف الجوع الكافر ما دام الصف الآخر يسجد من ثقل الأوزار .