أشياء صغيرة

أمل هباني

*بعد غد ستعلن نتيجة امتحان الاساس لولاية الخرطوم بعد أن اعلنت في الايام الماضية في كثير من ولايات السودان ..وفرح من نجح ابناءهم وتلقوا التهاني وشاركناهم هذه الافراح عبر اسرنا واصدقاءنا ..لكننا لم نشارك الذين لم يتفوق ابناءهم حزنهم وقلقهم وهم الأولى بهذه المشاركة والمواساة  لأن التعليم في السودان حصرته الحكومة  (للذين يتفوقون ) .أما من هم غير ذلك (فلا بواكي عليهم ) …

* احاول أن اتخيل شعور أمرأة مسؤولة عن تعليم 6 مليون طفل 50% منهم خارج  نظام التعليم و560,965 من الذين يدرسون يواجهون خطر التسرب نتيجة لفقرهم حسب تقرير اليونسيف الاخير عن التعليم . فالوزيرة ربما تكون قد اشترت ثوبا جديدا باهظ الثمن ليليق بالمناسبة السعيدة (أذاعة الاوائل ) و الصحافة والاعلام المرئي والمسموع ينقل صورتها وصوتها وهي تتحدث بحماس عن مائة طفل متفوق من مائة مدرسة (تنحصر التنافس بين المدارس الخاصة والحكومية االنموذجية شبه الخاصة ….وتغفل آالاف الطلاب غير الناجحين والذين هم الجزء الاهم في مسؤوليتها تجاه التعليم) ..

*فالدولة يجب أن تكون محايدة في مشاعرها تجاه المتفوقين وغير المتفوقين لان هؤلاء وأولئك جميعهم مسؤوليتها …وفكرة أن تقدم وزيرة التربية والتعليم مؤتمرا احتفائيا بالمتفوقين هو جزء من انحطاط التعليم وغياب رؤية القائمين على أمره. ومما يزيد الطين بلة أن حتى هؤلاء المتفوقين لم تقدم الحكومة لهم أي دعم ولا ناقة لها ولا جمل في تفوقهم وما هذه الهيلمانة الا  احتفاء كذوب بهم …

** ويعلم المجتمع كيف بذلت اسرهم ومدارسهم مجهودا خرافيا يصل لانتهاك حقوقهم كاطفال احيانا  من أجل أن يتفوقوا ويشرفوا اهلهم ومدارسهم التي تنظر الى الامر (كتجارة ) فقط لا غير فكلما زاد عدد المتفوقين في المدرسة ذاع صيتها وزادت رسومها لضمانها تفوق  ابنك أو ابنتك دون أن ننتبه لثمن هذا التفوق هل هو تعنيف وضرب و ضغط واساءات امام اقرانه تفقده احساسه بكرامته الآدمية ؟ أم تمييز بين الطلاب في الفصول وفي الدرجات ..فالمتفوقون يوضعوا في فصول منعزلة عن بقية زملاءهم حتى تركز المدرسة مجهودها عليهم وتتجاهل البقية أو تبذل معهم مجهودا أقل على احسن تقدير ..

*والمدارس غير ملامة على ذلك فهذه سياسات وضعتها الدولة حينما ادخلت التعليم السوق ولم ترفع يدها عنه بل احتكرت التفوق فصنعت المدارس النموذجية الثانوية  التي يتنافس عليها التلاميذ حسب المجموع الذي يتحصلونه في امتحان الاساس وهذه المدارس اسهمت في تدمير أجيال باكملها ….

*(فالشطار) كلهم في مدرسة واحدة وفي المدرسة نفسها (الشطار جدا ) في فصل منعزل عن البقية تركز معهم المدرسة وتجلب لهم افضل الاساتذة  ليحرزوا نسبا عالية وتأتي نفس الوزيرة لتخدع المواطن أن التعليم الحكومي بخير وعشرات الطلاب يتفوقون من مدارسه النموذجية.

* وهذا قمة التحقير والتمييز الاكاديمي بين الطلاب الذين هم تعليمهم الجيد وليس تفوقهم هو مسؤولية الحكومة فالتفوق يسعد الاسر ….اما الدولة  فاستراتيجيتها  أن يخرج التعليم  أفرادا اسوياء ومتزنين في سلوكهم وافعالهم، ويقدم لهم من المعرفة والمهارات ما يعينهم على مواجهة الحياة والمنافسة  في سوق العمل .كل حسب امكاناته الذهنية والبدنية والنفسية فطيش الفصل الذي يجيد الرسم هو مشروع فنان ناجح ومتفوق ولا يجب أن يكون طبيبا .والطفل الذي يحب القصائد والتاريخ يمكن أن ينجح في مجال مختلف عن الطفل الذي يحب الرياضيات ويستوعبها ….

*هذا ما يجب أن تعززه الدولة في طلابها الذين هم مشروع مواطنيها في المستقبل ….تعزز فيهم قيم احترام التنوع والاختلاف بينهم في بلد كالسودان تختلف فيه السحنات والالوان .وتعزز فيهم قيم احترام العمل واتقانه  مهما كان بسيطا واحترام الوقت  وتحثهم على أن يكونوا منتجين لا كسالى متبطلين أي أن التعليم يبني انسانا كامل الانسانية …كل ذلك لا تتحدث عنه الوزيرة ولن تتحدث عنه …

* فهي وزيرة في حكومة قسمت مواطنيها الى طبقات وفضلت من يملك على من لا يملك . ومايزت بينهم دينيا وعرقيا وحتى اكاديميا  …وما وجودها في ذلك المؤتمر الصحفي الا لتقول أن الحكومة طلابها فقط  هؤلاء المئة المتفوقين ومن حذا حذوهم  .أما الخمسة مليون وتسعمائة ألف طفل الآخرين …فلا يشرفونها …وليذهبوا الى الشوارع بدلا من المدارس . فقد سلبت دولتها الفقراء حقهم في التعليم لدرجة أننا نحتفي بتفوق ابنة الغفير وساكن الجالوص كأنه اعجاز عظيم وهو بالفعل كذلك في ظل اهدار الدولة لحق الاطفال في التعليم الجيد المجاني .والمؤسف أن هذه السياسات لو طبقت من خمسين أو ستين عاما مضت لما وصل ابناء الفقراء والكادحين الذين يحكموننا الآن الى مناصبهم تلك لان التعليم الحكومي المجاني من المدرسة الابتدائية  الى الجامعة هو ما اوصلهم الى كرسي الحكم .