تحقيق: التغيير 

بات قطاع النفط في السودان على حافة الإنهيار بعد نكبات متواصلة. محاطاً بسياج حديد، أدارت الحكومة هذا القطاع الحيوي بطريقة أمنية وتنظيمية متعسفة. هذا التحقيق يُعالج جوانب عدة من الادارة الحكومية لقطاع في تدهور “كارثي”، ويُحاول الاجابة عن سؤال أين ذهبت وكيف بُددت أموال النفط؟.

إعتراف وزير

تصريح وزير النفط والغاز د.محمد زايد عوض  نهاية مارس الماضي كان بمثابة اعتراف سافر عن ما آل اليه الأمر إذ قال في تصريحات صحفية يومها  ” الصناعة النفطية في البلاد تواجه تحديات تتمثل في تدني الإنتاج ونضوب عدد من الآبار والحقول الحالية”. وتصريحات الوزير تنعكس تجلياتها  على تدني دخل  النفط، وارتفاع سعره، وتدني وفرة الوقود في السوق المحلي وبالذات الجازولين، وهذا الاعتراف النادر لا يعدو أن يكون فقط أذني الفيل في الأزمة المستفحلة..و أنهيار القطاع بأكمله   ..

بتروناس تغادر

بحسب  مصدر يعمل بالشركة السودانية للنفط، فإن المشكلة، التي تجلت بعد انفصال الجنوب هي  ضعف إنتاج الحقول في الشمال، والذي لم يعد ذا جدوى للشركات الأجنبية، ،و اضاف ” الشركات الأجنبية، خاصة   الصينية صاحبة الحصة الأكبر تفاجأت بضعف الإنتاج في حقول الشمال، وتراجعه يوما بعد يوم، بجانب حصول الحكومة على حصتها كاملة وتغولها احيانا  على حصة الشركات” مما نجم عنه إحجام الشركات عن الصرف على الإنتاج والحقول، الأمر الذي اسهم في إنهيارها بشكل كبير في الفترة الأخيرة، وضعف الإنتاج و تزامن  ذلك مع تراجع أسعار الخام عالميا، ليتصاعد زهد الشركات في استكشاف آبار جديدة وحفرها، في المربعات النفطية التي تحت يدها، ومؤخرا بعد تفاقم الأزمة كما يقول  المصدر شرعت الشركات النفطية في تقليص العاملين، وبعضها غادر السودان نهائياً، وفي مقدمة الشركات التي غادرت  بتروناس الماليزية، وهي من أكبر الشركات العاملة في مجال النفط لتحل محلها شركة تنزانية يمنية  مغمورة تعرف ب( أويل إنيرجي) .

القروض على حساب النفط

عامل آخر ساهم في إنهيار مبكر لقطاع النفط، وهو تراكم الديون على حكومة السودان من الشركات العاملة، فضلا عن قروض ضخمة حصلت عليها الحكومة  بضمان النفط، وهي طريقة اتبعتها مع شريكها الأول الصين، و كانت القروض تتعلق بالنفط وحجم المديونيات ضربت عليه سرية، وفي عام 2012، بحسب وزير المالية السابق علي محمود وافقت الصين على جدولة ديونها، لمدة خمس سنوات ومن المفترض أن يشهد هذا العام نهاية ديون الصين بحسب تعهدات السودان، ولكن ….. ………

مصفاة الجيلي: اتفاق جديد

كما هو متوقع، تعثر السودان في سداد اقساط الدين الصيني، ورفضت الحكومة زيادة حصة الشركات الصينية من البترول، وكان أثر ذلك وخيما على صناعة النفط، وفي إفادة تحصلت عليها التغيير من مصدر داخل مصفاة الجيلي بالخرطوم ” كردة فعل على عدم سداد ديونها، قلصت الشركات استثمارتها في الحقول والآبار، وسحبت عدد كبير من القوى العاملة، وحتى المصفاة تأثرت بذلك، وخلال العام الماضي توقف الصينين عن العمل، ولم يعودوا إلا بعد تدخل وساطات” وفي عام (2014) ولتخفيف حدة أزمة الديون الصينية التي انعكست على قطاع النفط، سافر وفد من القيادات السياسية إلى بكين، بقيادة نافع على نافع، والزبير أحمد حسن، ووزير المالية، ونجحوا في أن يحصلوا على اتفاق جديد لسداد الدين.

توجيه رئاسي

المفارقة، بدلا من تقليص الدين تفاقم، لجهة أن وزارة النفط لم تجد مناصا من الإستدانة من حصة الشركات العاملة في مجال النفط، ولما بلغ الأمر حد التأثير في علاقات البلدين، ومطالبة الصين بسداد ديونها، وجه البشير رئيس الجمهورية، وزارة النفط بعدم استدانة الخام  من شركات النفط، لصالح الاستخدام المحلي ، والتعامل معها بالكاش، وطالب  وزير النفط والغاز الدكتور محمد عوض زايد، وزارة  المالية وبنك السودان بمعالجة أوضاع الشركات الوطنية العاملة في قطاع النفط والشركات الأخرى من الآثار المترتبة على الإجراءات الاقتصادية المتعلقة برفع الدعم، بالإضافة إلى إيجاد آلية مشتركة لتوفير الخامات للمصافي دون اللجوء للدين من الشركاء كاشفا أن الرئيس طالب بإيقاف الدين وشراء المشتقات النفطية مباشرة، إلا أن المصدر أكد أن عدد من الشركات أوقفت التعامل بالدين من تلقاء نفسها، واكد أيضا بأن جزء يسير من مديونيات الشركات سدد، ولا رؤية واضحة لدفع مستحقات الشركات السابقة، وقال المصدر” هذه الديون سبب مباشر في إنهيار قطاع النفط 

قلة الكسب

بالعودة للشركة السودانية للنفط قال مصدرنا ” في الظروف الحالية، ومع تذبذب أسعار النفط وتدنيها، لم يعد التنقيب عن النفط جاذباً، وتباطأت معظم الشركات، وهي في حالة ترقب لما سيحدث مستقبلاً” وأشار إلى أن العمل توقف تماما في استكشاف النفط في منصات البحر الأحمر، الذي كانت تنقب فيه شركة رسبوك التي حفرت بئرين ثم غادرت بحجة وجود غاز غريب، واستقطبت له شركة روسيا إلا أنها غادرت بعد أن وجدت التنقيب مكلف والنفط قليل وغير مجدي اقتصاديا، ومشكلة أخرى تجلت في الحقول القائمة والجديدة، أذ اتضح تماما ان النفط فيها من النوع القاري سريع النضوب، وهو ما حدث فعليا في عدد من الحقول، وتوقف بشكل شبه كامل أي استكشاف لحقول جديدة منذ نهاية العام 2014، وحتى حقل ( الراوات جنوبي كوستي ) لم يبلغ إنتاجه مرحلة الجدوى الاقتصادية ، وكان من المؤمل أن ينتج (5) ألف برميل يوميا.

أزمة  النفط.. الإمارات تتبرع

 بعد خمسة عشر عاما فقط، عاد السودان إلى استيراد المواد البترولية، بعد أن صدرها لسنوات قليلة ، وهذا التراجع يعزى في المقام الأول إلى إنهيار وتدهور قطاع النفط في السنوات الأخيرة، للأسباب التي وقفنا عليها سلفا، وشهدت أعوام 2015 و2016 ندرة في المحروقات، مما دفع الحكومة إلى رفع الدعم عن المحروقات البترولية جزئيا، حتى تتمكن من استيراده من الخارج، وظهرت الأزمة بشكل سافر في الجازولين، وباتت ندرة  متكررة تحدث في نهاية كل شهر، وقال مصدر مطلع من مصفاة الجيلي ” لم نعد نتمكن منذ 2013 من إنتاج 50% من حاجة الإستهلاك المحلي، من الجازولين، ولم يكن هنالك حل سوى الاستيراد” ، وبجانب الجازولين بدء السودان في استيراد وقود الطائرات والغاز، وبلغ الاستيراد للغاز والجازولين أكثر من 278.488 طن متري ، إلا أن الاستيراد نفسه لم يعد مهمة سهلة و يحتاج إلى عملات صعبة، ومؤخرا، وبعد التقارب السوداني الخليجي، تبرعت دولة الإمارات بتوفير النقص من الجازولين، لذلك لم تشهد الشهور الأخيرة مشاكل فيه.

بنزين إلى أثيوبيا

في 2006، وقع السودان مع أثيوبيا اتفاق يقضي بتصديره ما يفيض من حاجة الاستهلاك المحلي من البنزين لها . وظلت حصة اثيوبيا من البنزين السوداني تتراجع مع تراجع إنتاج السودان نفسه، وبحسب المصادر، ينتج السودان (3400) طن يوميا من البنزين، تحصل أثيوبيا على (400) طن يوميا، إلا أن وزارة النفط تشتكي من تهريب كميات كبيرة من البنزين والجازولين إلى أثيوبيا وأرتيريا وجنوب السودان، ومن المتوقع تراجع حصة أثيوبيا من البنزين السوداني متى ما تراجع الإنتاج أكثر مما هو عليه اليوم.

فوضى شركات جهاز الأمن

المشكلة الأخرى، التي اسهمت مباشرة في إنهيار قطاع النفط، الفشل الإداري لمعظم الشركات الوطنية، وهي في الغالب شركات تتبع لجهاز الأمن، او لشخصيات ذات صلة وثيقة بالنظام، إذ تنامى شعور لدى الحزب الحاكم وأنصاره بأن البترول في السودان كسب يخصهم، وتعتبر شركات النقيب، وشركات توزيع البترول، شركات تتبع للحكومة، مثل شركة هجليج، وشركة سودابت، و قادرة ، ونوافل، وفي وقت مبكر عين الحزب الحاكم منسوبيه في شركات النفط وأرسل شباب من أسلاميين وأبنائهم لدراسة إنتاج النفط كمهندسين وفنيين  في ماليزيا و العراق وليبيا، وهم الفئة التي تسيطر على شركات النفط اليوم، ولما كان تعيين هولاء قد تم فقط لصلتهم بالحزب الحاكم، لم تكن المسألة تتم بشكل علمي ومهني  مع ضعف الرقابة، وتمتع العاملين في مجال النفط برواتب كبيرة تصل إلى أكثر من خمس أضعاف رصفائهم في الدرجة والوظيفية في الوزارات والمؤسسات الأخرى، وكان ذلك واضح الاثر على إنهيار شركات النفط التي شرعت في وقت مبكر في الاستغناء من أعداد كبيرة من المهندسين والفنيين لسوء الأوضاع الاقتصادية داخلها.

تجنيب حسابات النفط

أهم تسريب وقع في مراحل انتاج النفط المبكرة، تمثل في أن عائدات النفط لا تدخل إلى خزينة الدولة، عبر وزارة المالية، وإنما يتم تجنيبها في حسابات وحوافظ خاصة، وأن وزير النفط آخر من يعلم بحجم الأنتاج وصفقات البيع، وتكون لاجل ذلك مجلس شبه سري، يعرف بمجلس النفط على رأسه رئيس الجمهورية شخصيا، ورئيس القطاع الاقتصادي في المؤتمر الوطني الزبير أحمد حسن، ووزير النفط وقتها عوض الجاز، وإنعدام الشفافية هذا خلق مناخ مناسب لانفراد المؤتمر الوطني بعائدات النفط التي تقدر بحوالي (70) مليار دولار حتى قبل عام من انفصال  الجنوب – هذا نصيب الشمال وحده- وعدم الشفافية والتلاعب في الأرقام تسبب في إحتقان سياسي متكرر بين الشمال والجنوب قبل الانفصال، ولا أحد يستطيع أن يجزم بأوجه صرف اموال النفط، أو يتحقق من المكان الذي تحتفظ فيها به، ويرى خبراء اقتصاديين أنها لم تنعكس على واقع الاقتصادي السوداني بشكل حقيقي 

من 500 إلى 120 برميل

بلغ الإنتاج ذروته في 2008، كما أن الظروف كانت ملائمة للتسويق ، لارتفاع قياسي في أسعار النفط عالميا، مما حقق للحكومة عائد غير متوقع من بيع النفط، بزيادة عن توقعاتها ب(2) مليار دولار، ويتردد إن الانتاج فاق (500) برميل في اليوم، ولكن المؤكد اليوم تراجع الانتاج إلى دون (120) برميل في اليوم، مع استحقاقات متعاظمة لشركات النفط وديون متراكمة واجبة السداد، وفضلا عن ما صرح به الوزير من نضوب الآبار وتراجع الانتاج والبطء في استكشاف مواقع جديدة،  إنهار قطاع النفط أسرع مما هو متوقع، لتتجه الدولة للذهب عبر طرق تعدين مختلفه بحثا عن منقذ لاقتصادها .

ودائع  في ماليزيا :

يشير مصدر (التغيير)  في هذا التحقيق إلى أمر بالغ الأهمية، وهو تجنيب أموال طائلة من عائدات النفط، لصالح الحزب الحاكم والحركة الإسلامية، ولصالح قيادات بعينها، في البنوك الماليزية، وغيرها، وهنالك عدد من الإسلاميين ارسلوا  للاقامة في ماليزيا خصيصا للتفرغ  التام لإدارة هذه الأموال ومراقبتها، ويؤكد مصدر مطلع بأن المؤتمر الوطني يحتفظ بها للسيطرة على حكم البلاد في المستقبل، وبعض هذه الودائع في البنوك الخارجية، موجودة باسم مؤسسات حكومية ووزارت، ويقول   المصدر وهو خبير اقتصادي ” إن صحت  أرقام الودائع والاموال المجنبة من عائدات النفط سيتمكن المؤتمر الوطني من السيطرة على هذه البلاد لفترة طويلة.

دخلت نملة واخذت حبة وخرجت

يظل هذا الملف غامضا، ، ولكن الحقيقة المؤكدة أن العوامل تكالبت على  قطاع النفط ،وكلها عوامل سالبة لم تحرص على تطوير القطاع قدر حرصها على مصالح مجموعات حزبية وأمنية وأفراد داخل الحكومة افسدوا وطغوا وبغوا بأموال البترول التي لم تنعكس على حياة المواطن ولا على تطوير البنية التحتية للسودان  فالنفط  يشبه المثل (دخلت نملة واخذت حبة وخرجت ) حتى نضب وتحول الى الجيوب الخاصة   .  وتبقى  المطالبة بشفافية كاملة  وتمليك المعلومات عن  الاتفاقيات كيف أبرمت ؟الحقول كم أنتجت؟  الأموال أين صرفت؟ لعلها  تنقذ ماتبقى قبل الطوفان.