د. فيصل عوض حسن

تناولتُ في مقالي السابق مَسَاعي (إخفاءِ) البشير، بعدما استنفذ (عَمَالَته) وخِيانته للسُّودان وأهله، وصَنَعَ هو وعصابته أزماتنا المُتراكمة، استناداً لتطويع عُنصُر (الإلهاء) وتغبيش الوعي. ويتناول هذا المقال بعض تلك الإلهاءات، لتفسير حالة الهَرَج والغيبوبة (الصَّاحية) التي نحياها الآن، والمُساهمة – مع الآخرين – في ترقية الوعي السُّوداني العام.
(1) الحصار الأمريكي
عقب إعلان تمديد العقوبات الأمريكية لثلاثة أشهرٍ، سَارَعَ البشير بإصدار قرار (صوري) بتجميد لجنة التفاوُض مع أمريكا مُتلبِّساً ثوب البطولة الزائف، وسُرعان ما انكشف (كذبه) حينما نفى الأمريكان إبلاغهم (رسمياً) بإيقاف التفاوُض بين الطرفين! وبالتوازي مع (أكذوبة) البشير، أصْدَرَ المُتأسلمون بياناً هزيلاً وتَوَالَت حَسَرَات وتضليلات النَّافذين منهم وأراذِل إعلامهم المأجور، كمُسْتَوْزِر خارجيتهم الذي أقَرَّ بتنفيذ كل ما طلبه الأمريكان منهم، بجانب إقرار مُسْتَوْزِر المالية بأنَّ القرار الأمريكي لم يُضِفْ (قيوداً) جديدة على الاقتصاد، مما ينفي (هَطَلْ) جُهلاء إعلامهم عن الأثر الاقتصادي (السالب) للقرار، واستدلالهم القاصر بتغيُّر أسعار صرف العُملات الأجنبية!
وبصفةٍ عامَّة، سَعَى المُتأسلمون لإلهائنا بقرار التمديد، و(حَصروا) الموضوع في جوانبٍ انصرافية بعيدة عن جوهر الحصار، حيث تحاشوا التعرُّض للمُتسبِّبين فيه ومدى تأثُّرهم به و(حتمية) مُسَاءَلتهم ومُعاقبتهم، وإنَّما سَعُوا لتضليل و(تجهيل) العامَّة وترسيخ مفاهيم (خاطئة) عن الحصار بأذهانهم، وللأسف وقع الكثيرون في الفخ، وهو موضوعٌ يطول شرحه وسنُفرد له مساحة خاصة إن شاء الله.
(2) تصريحات مُسْتَوْزِرْ الإعلام
خلال مُشاركته في اجتماعات وُزراء الإعلام العرب، أدلَى مُسْتَوْزِرْ إعلام المُتأسلمين بتصريحاتٍ عديدةٍ، طَغَى أمرُ قناة الجزيرة على ما دونه من جوانبٍ أُخرى أكثر خطورة. فوفقاً لليوم التالي في 15 يوليو 2017، ابتلع المُسْتَوْزِرْ حديثه السابق عن أصالة/رِيَادَة الحضارة السُّودانية، و(قَلَّلَ) من الاحتلال المصري لحلايب، بل و(أكَّد) استعداد السُّودان لمنح المزيد من أراضيه لمصر! وهناك تصريحه الأخطر لصحيفة المصري اليوم في 13 يوليو 2017، عن سد النهضة الإثيوبي، إذ أشار لبعض المُهدِّدات كتصميم السد واحتمالية انهياره، وتأكيده بعدم وصول الماء للسُّودان ومصر لو قرَّر الإثيوبيون مَلْؤُه في عامٍ واحد، وتعرُّض الملايين للعطش لو تمَّ المَلءُ على ثلاث سنوات، مع زَلَّاتٍ أُخرى أوْرَدَتها اليوم التالي بالتفصيل!
انتهز المُتأسلمون زَلَّات مُسْتَوْزِرْهم، إنْ لم نقل أوعزوا له بها، لتعويض فشلهم في إلهائنا بالحصار وتبعاته. فرغم تصريحاته المُفَخَّخة، تمَّ حَصْرَ الموضوع – بسطحيَّة مُتعمَّدة – في قناة الجزيرة، تارةً باستنكار مُخاطبة مكتبها بالخرطوم لنائب البشير، وأُخرى بتجاوُز المُسْتَوْزِرْ وعدم التزامه بالحيادية! والعاقل يتساءَل عن الأكثر خطورة على السُّودان وأهله: هل تهديداتُ سد النهضة بالعَطَش والغرق أم إغضاب قناة الجزيرة؟ وهل الأخطر (القبول) بالاحتلال مصر ومنحها المزيد من أراضينا أم حِيادية المُتأسلمين المفقودة؟ ولماذا أخفى مُسْتَوْزِر الإعلام مخاطر سد النهضة سابقاً وما دوافعه لقولها الآن؟ حَتَّى لو سَلَّمنا بالتجاوُز مع الجزيرة، والإخلال بالحيادية تجاه أزمة الخليج، فقد أخَلَّ بها آخرون كمُساعد البشير (السنوسي) وأزلامه الذين انحازوا لقطر، وهناك مُدير أمنهم السابق الذي طَالَب (من داخل البرلمان) بالوقوف مع السعودية والإمارات! بخلاف الدور الإلهائي المحوري لخال البشير، الذي نَادى بالوقوف مع قطر، وجاء وَطَالَبَ بمُساءَلة المُسْتَوْزِر لإخلاله بالحيادية!
في ظل هذه التناقُضات، ترتفع قناعة العاقل بأنَّنا نحيا تمثيلية مُدبَّرة ومُتَّفَقٌ عليها، خاصةً إذا استحضرنا ضعف وانكسار مُسْتَوْزِرْ الإعلام، و(استماتته) في الدفاع عن المُتأسلمين وباطلهم! ولعلَّ ما حَدَث لاحقاً، يُؤكِّد أنَّها تمثيلية إسلامَوِيَّة، اكتملت مشاهدها بنفيٍ مُخجلٍ للمُسْتَوْزِرْ، ثمَّ استدعاءه (صُورياً) أمام شُلَّة برلمانية يتقدَّمها خال البشير، والتي أعلنت قبول اعتذار المُسْتَوْزِر عقب كل ذلك الضجيج! ولم يَتوَقَّف الكثيرون في الحقائق الخطيرة التي أوردها (مَولَى/خَادِمْ) المُتأسلمين، بشأن أكبر كارثتين تُهدِّدان سيادتنا ومُستقبل أجيالنا، وهما سد النهضة والاحتلال المصري لحلايب والأراضي النوبية، بخلاف (التزامهم) بتقديم المزيد من أراضي السُّودان!
(3) جرائم الخطف وتجارة الأعضاء
تَزامُناً مع الأحداث أعلاه، تَصَاعَدَت – وبكثافةٍ – روايات عن اختفاء مُواطنين باعمارٍ ومناطقٍ مُختلفة، مع تحذيرات تارةً منسوبة للشُرطة وأُخرى لمجهولين، ثُمَّ (تَبَرُّؤ) مُدير الشرطة من التعميم التحذيري الكثيف بوسائل التواصُل عقب ثلاثة أيَّام كاملة، و(التزامهم) المُفاجئ بحَسْمْ وفك طلاسم إحدى حالات الاختفاء خلال 24 ساعة، ثُمَّ انتشار كثيف لصور الشرطة وكلابها مصحوبة بروايات مُتضاربة، بين النفي والتأكيد، أسفرت عن خوفٍ وهَلَعٍ شعبيٍ كبير! وهنا نتساءل عن دور الشرطة وبقية المليشيات، التي تزحم البلد وتلتهم ميزانيتها، في تحقيق الأمن المفقود؟ ولماذا تأخَّر نفي/توضيح الشرطة لثلاثة أو أربعة أيَّام من انتشار التحذير الصادر باسمها؟ ولماذا هذه الشائعات طالما تملك الشرطة أجهزة حديثة تُحَدِّد مصدر أي رسالة كما أعلنوا سابقاً؟ أم تراهم (كَذَبوا) بامتلاكهم لتلك الأجهزة؟! وطَالما كانت الشرطة قادر على حسم أمر المُواطنة المُختفية خلال (24) ساعة، وفقاً لصُحُف 16 يوليو 2017، فلماذا (تأخَّرت) كل هذه المُدَّة؟ ومن المسئول عن حالة الترويع الماثل؟ ومتى كانت الشرطة تسمح للعامَّة بتصوير المقاطع المُنتشرة؟!
من الواضح جداً صناعة المُتأسلمين للإرباك الماثل، رغم ظهورهم بثوب الحريص والمُرشِد! وعموماً، فإنَّ العصابة الحاكمة وشُرْطَتَهَا مُتورِّطون في الحالتين، سواء نفوا هذه الجرائم أو أقَرُّوا بوجودها، فلو كانت مُجرَّد أقاويل تُصبح مُصيبة، تعكس (قُصُور) الحاكمين في إيقاف وحَسْمْ الشائعات المُربِكَة والمُضَلِّلة، وتُؤكِّد كذبهم بامتلاك أجهزة حديثة لرصد وتتبُّع وسائل التواصُل، حينما أعلنوا عن ملاحق قانون المعلوماتية قبل أشهر! ولو كانت هذه الروايات حقيقية، فالمُصيبة أعظم وترتقي للكارثة، لأنَّها تعني عَجْزَهم غياب الأمن الذي يتبجَّحونَ به! والأمثلة الإلهائية الثلاثة أعلاه لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة، فقد سبقتها إلهاءاتٌ إسلامَوِيَّةٌ عديدة، أبرزها أزمة الكُرة الشهيرة التي ينتمي طرفاها للعصابة المأفونة، وهي أزمةٌ تُؤكِّد استعداد المتُأسلمين للتضحية بأي شيئ، لتحقيق أهدافهم المرحلية دون اعتبارٍ للنتائج! وهو ما حدث فعلياً، حيث أسفرت أزمة الكرة عن ضياع آمال وجهود الأندية ولاعبيها ومُشجعيها وكَسْر خواطرهم، بفعل مُغامرات طرفي الصراع المُنْتَمِيَيْنِ لنفس العصابة، وهي أحداثٌ عايشناها جميعاً وما تزال تداعياتها مُستمرَّة!
وكما أوضحتُ مراراً، فإنَّ المُتأسلمين يسعون لتغبيش وعينا وزعزعتنا، وإفقادنا التوازُن والتركيز وإجبارنا على قبول الواقع الذي يختاروه لنا، بإطلاق الشائعات وتسريبها لأجهزة إعلامهم وعناصرهم المأجورة، ودعمها بالقرائن الحقيقية والمُزوَّرة ثمَّ إنكارها لاحقاً. وكلما ازدادت إلهاءاتهم أعْقَبَتْهَا كوارث، بعيدة تماماً عن مُمارساتهم الظاهرة للعيان. ويُمكن القول بأنَّ دراماتهم التي ذكرنا بعضها أعلاه، استهدفت إلهاءنا عن كوارث حقيقية نحياها فعلاً، ومن ذلك على سبيل المثال، مرض الكوليرا الذي استبدلوه بالإسهال المائي وإصابته لأعدادٍ مُقدَّرة من المُواطنين، والذين ستزداد أعدادهم بدخول الخريف. وهناك تراجُع الاقتصاد وغياب السلع/الخدمات وارتفاع أسعارها، وتَوَرُّط البلادِ في صراعات الخليجيين، بدءاً بحرب اليمن، ونقل تجربة المُتأسلمين في الارتزاق والإبادة الجماعية، والمُتاجَرَة بالسُّودانيين وبيعهم بالرأس كما تُباع الأنعام! والأخطر، التغطية (بهذه الدرامات) على انسحابهم وهروبهم، بعدما دَمَّروا البلاد وأهدروا مُقدَّراتها. ولعلَّ زيارة البشير الحالية للسعودية والإمارات تأتي في هذا الإطار، رغم إيحاءاتهم بأنَّها لـ(تقريب) الهُوَّة بين الخليجيين، لكنها تهدف لـ(تأكيد) الولاء للإمارات والسعودية، لأنَّهما تحتضنان أموالنا المنهوبة كأرصدة وعقارات، باسم العصابة خاصةً البشير وأسرته، وما مُسلسل مُسْتَوْزِرْ الإعلام الذي (ضَخَّموه) إلا (فَرْشَة)، سبقت زيارته الرَّامية لتأمين المَلْجَأ الآمن حال انسحابه الذي بات وشيكاً، وضرورياً سواء بإرادته أو بغيرها، وبالأساس لا نتوقَّع خيراً لا من البشير وعصابته ولا من هذين البلدين، فجميعهم يسعون لإشباع أطماعهم على جماجمنا.
إنَّها المشاهد الأخيرة لمسرحيتهم البائسة، فمُمارسات البشير وعصابته الماثلة لا تعكس حرصهم على البلاد ورغبتهم في البقاء، وعلينا إدراك هذه الحقيقة والبناء عليها بموضوعيةٍ وجِدِّيَّة، وتنظيم صفوفنا لاقتلاعهم ومَنْعِ هُروبهم، ومُحاسبتهم على جرائمهم واسترداد ما نهبوه، وهذه مسئولية النُخبة المُتعلِّمة تحديداً سواء مُستقلين وغيرهم، لأنَّهم المُؤهَّلين لوضع (استراتيجيات) توحيدنا وتهيئتنا لإحداث التغيير ودعم إدارة البلاد بأُسُسٍ علميةٍ سليمة. وعلينا كسُّودانيين – بمُختلف أطيافنا ومناطقنا – دعم جهود نُخبتنا، وتقبُّل بعضنا وزيادة ترابطُنا وتراحُمنا، واستشعار المسئولية وإدراك المرحلة الماثلة التي أدخلنا فيها البشير وعصابته، وهو السبيل الأوحد للحفاظ على ذواتنا وبلادنا من التفتيت والتلاشي.
ملحوظة: عقب إكمالي لهذا المقال، علمتُ بغدر المُتأسلمين بأبنائنا طُلاب دارفور بجامعة بخت الرضا، وهو غدرٌ (مُركَّبة)، يدعم توسيع الهُوَّة وتأجيج العُنصُريَّة/الجَهَوِيَّة بيننا، ويُلهينا ويُعزِّز جهودهم لصناعة الفوضى التي تُتيح لهم الانسحاب الآمن.