د.جمال شيخ الدين البرعي

“بن لادن رجل عظيم وتمنيت لقاءه.. ”
سامي الحاج مدير مركز الجزيرة للحريّات العامّة وحقوق الإنسان بالدوحة، قطر
22 مارس 2017 – صحيفة ” التيار” السودانية

لم نختر عنوان مقالتنا هذه ولا الديباجة التي افتتحناها بها صدفة، وانما لأنها تحقق لنا ما يمكن أن نصفه بعبارة “جُملة خير من ألف مقال”! على غرار مقولة “صورة أبلغ من ألف كلمة”! فقائلها هو السيد سامي الحاج الذي كان معتقلاً لحوالي ستة أعوام بسجن جوانتنامو بسبب علاقته بقناة الجزيرة إبان الحرب الأمريكية على نظام طالبان وحليفه أسامة بن لادن. و هو الذي قدمته تلك القناة القطرية للعالم، بعد اطلاق سراحه، باعتباره ضحية للجبروت الأمريكي، وباعتباره منافحاً عن الحرية وحقوق الإنسان ومدافعاً عن السلام ونابذاً للحرب. بل أسندت له إدارة مركز عالمي، ذو موارد ضخمة، أسمته مركز الجزيرة للحريّات العامّة وحقوق الإنسان!
لا يهمنا في هذا المقال أن نعرف ما إذا كان السيد/ سامي الحاج يستحق ما صنع حوله من هالة أم لا، أو ما إذا كان بريئاً أم مظلوماً، بيد أن إعجابه ببن لادن استوقفنا مليّاً. فمن الوهلة الأولى يحتار المرء، كيف يجتمع في الذهن أن يكون المناضل من أجل الحرية وحقوق الإنسان معجب بذلك القدر، وعلى العلن، ورغم المحاذير، برجل ينظر إليه الجزء الأعظم من سكان العالم باعتباره يمثل النقيض لأي قيمة إنسانية عظيمة، لدرجة سلبه لحق الحياة نفسها ممن يخالفونه الإعتقاد، ناهيك عن رأيه في الديمقراطية باعتبارها حرام، وحقوق المرأة البسيطة، كحقها في التعليم، باعتباره جريمة، تقصف بسببها الحافلات المدرسية للصبايا بالنار و البارود؟!!
يقودنا ذلك السؤال، إلى آخر أكثر حرجاً وغرابة: إذا كان هذا الرأي يعبر عن رجل، مثل سامي هذا؛ يعيش حياته في مدينة عصرية، في عصر سمته الرئيسي التطور الكاسح في العلم، والتقدم الغير مسبوق في منظومة القيم العامة، وكان ذاك الرجل نفسه ضحية تعدًّ على حريته، لا يسنده قانون، وفوق ذلك يتربع على قيادة مركز للدفاع عن الحريات العامة وحقوق الإنسان، فكيف يا ترى يكون رأي المسلم العادي في إبن لادن ؟! بل تستبد حيرتنا أكثر: إلى ماذا يشير مصطلح الحريات العامة، وماذا تعني حقوق الإنسان، لدى النخبة في العالم الإسلامي!!؟
إنه ومن المؤكد أن إبن لادن لم يكتسب “عظمته”، تلك التي أججت رغبة الناس في لقائه، بسبب نجاحاته في دنيا الأعمال أو فتوحاته العلمية أو إنجازاته البارزة في مجال بناء المجتمعات المزدهرة؛ فمكانته اكتسبها كما هو معلوم من مناداته بأن يُحكم العَاَلم بمبادئ وآليات ومناهج القرن السابع الميلادي بشكل أعمى، واستمدها من كراهيته للغرب ولأمريكا واستباحه دماء مواطنيهم بدون استثناء، وعمّدها باستخدامه للعنف المفرط، وبأشكال مبتكرة وغير مألوفة. هذا كل ما في جعبته؛ برنامج هدم لكل ما أنجزه الإنسان من عمار، فهل لنا أن نفترض أن معجبيه يحبونه لسبب آخر؟! طبعاً لا! فالإعجاب ببن لادن، إذن، ينم عن قبول لبعض أو كل ما ينادي به من آراء أو ما يستخدمه من وسائل. وبالتالي حق للمراقب والمحلل الحصيف أن يسأل ثلاثة أسئلة مفتاحية للتعرّف على أسباب ومآلات حالة العالم الإسلامي الراهنة: أولها، هل تعتبر حالة سامي الحاج استثناءً فردياً لا يصحّ الأخذ بها نموذجاً، أم يمكن اعتبارها ظاهرة مجتمعية عامة؟ ثانيها، وبافتراض إجابتنا على السؤال الأول بأن ذلك ظاهرة مجتمعية عامة، ما السبب في حمل قطاع واسع جداً من المسلمين لمثل ذلك الشعور؟ أما ثالثها، والذي ينحو لمعالجة هذا الأمر الشاذ، فيطرح الاتي: ما العمل لجلب السكينة لهذا العالم المشتعل إرهاباً، ووضع العالم الإسلامي في منصة القيم والمبادئ الإنسانية التي وصلتها البشرية، والتي ليس لها تضاد مع أي دعوة دينية تتستهدف الإرتقاء والسمو بالإنسان؟
إننا نزعم بأن الحقيقة، أو جزءاً منها، سيستبين من خلال الإجابة على تلك الأسئلة، حيث بدءاً نرد على السؤال الأول بالإيجاب، مؤكدين على أن موقف سامي الحاج، ليس استثناءاً! إن هنالك شواهد، لا يمكن حصرها، تشير إلى ان درجة الغلو والتشدد الديني، من ناحية، وضعف قيمة التسامح في المجتمع الإسلامي، من ناحية أخرى، بلغا مرحلة الخطورة المرضية. إذ كأمثلة وأدلة على مانقول، نورد التالي:
• من المعلوم أنه لم تسجل حالة واحدة على طول العالم الإسلامي وعرضه، 1500 مليون نسمة، لعمل شعبي واضح، وأصيل، يحتج علناً، على ما تقوم به الجماعات والمنظمات الإرهابية المنسوبة للإسلام، رغم أن الكثير من ضحايا الإرهاب هم من المسلمين. هذا على الرغم من ان المسلمين الحركيين مولعون كثيراً بإبراز روح التحدي، والخروج الكثيف للشارع، في مسائل أقل أهمية من ذلك كثيراً، لا تثير انتباه الا بضع مئات من الناس على مستوى العالم!
• أوردت الأنباء منتصف أبريل الماضي خبراً، مصحوباً بتسجيل فيديو بشع، محتواه تعذيب ومقتل الطالب الجامعي الباكستاني، مشعل خان، في وضح النهار، من قبل عشرات الطلاب وداخل السكن الجامعي، بإعتبار تبنيه لأفكار ليبرالية، ليس إلّا، ونشرها عبر الإنترنت. ليس هذا فحسب، بل أن رجلي دين استخدما مكبر الصوت في المسجد لبث خطاب الكراهية ضد الطالب القتيل وعائلته، ووضعا الكثير من العراقيل أمام مشاركة المواطنين في جنازته. لم يورد الإعلام حتى الآن ما يشير الى ايّ نوع من الاحتجاجات على هذا الفعل الشنيع في باكستان التي يقطنها مائتي مليون مسلم، لا من الشعب ولا من الطلبة، ولا من أساتذة الجامعة نفسها (راجع العربية.نت 14/4/2017).
• أوردت الوكالات بتاريخ 9/5/2017 خبراً مفاده سجن عمدة جاكرتا السابق، المسيحي، باسوكي تاهاجا بورناما، بسنتين سجن، وذلك على خلفية اتهام رجال الدين الأندونيسيين له الإساءة للدين الإسلامي بسبب تصريحه في ملتقى سياسي عام بأن خصومه يخدعون الناخبين بتخويفهم بالعذاب في الآخرة إذا صوتوا له كمسيحي، عبر تفسيرهم الخاطئ لأحد آيات القرآن. المثير، أن حديثه لم يكن مسيئاً قط، حيث أنه تحدث عن خطأ تفسير الناس وليس النص القرآني نفسه. أما الأكثر إثارة و مرارة في ذات الوقت، فإن حديثه كان طيباً وصحيحاً من الناحية الدينية، حيث أن الكثير من الفقهاء المسلمين، من ضمنهم لوامع كالترابي مثلاً، يفهمون النص القرآني بنفس فهمه. وبعد كل هذا يخرج مليون مواطن أندونيسي من سكان المدينة الأكثر انفتاحاً، جاكارتا، وفي دولة يحكمها دستور علماني، يطالبون بمحاكمته؛ فيحاكم ويسجن! (راجع الجزيرة.نت 2/12/2016).
• أوردت الوكالات الإخبارية في شهر مارس الماضي اندلاع اعمال عنف باحدى القرى القريبة من مدينة الأقصر بجنوب مصر أصيب فيها العشرات، من بينهم إثنا عشر من الضباط والجنودـــ، وتم إلقاء القبض اثرها على سبعة وعشرين من المتظاهرين. ووفقاً لذات المصادر، فقد اندلع العنف بسبب سريان اشاعة بطلها شاب عاطل عن العمل، مفادها أن أهل فتاة مصرية قبطية، عمرها سبعة عشر عاماً، قاموا بتعذيبها وحبسها في البيت لأنها أسلمت ضد رأي أهلها. وفي التفاصيل، أن المشكلة بدأت بتدوينة للشاب المسلم على إحدى مواقع التواصل الاجتماعي يطالب فيها بانقاذ تلك الفتاة، وسرعان ما احتشد المئات بعد صلاة الجمعة في اليوم التالي وقاموا بقصف منزل الصبية بالحجارة مطالبين عائلتها، التي اعتصمت بدارها، بتسليمها لهم! وهنا تدخلت قوات الأمن لفض الإشتباكات، وتوفير المناخ الملائم للوساطات الاجتماعية لحل المسألة! تجدر الإشارة الى أن الأمر برمته غير صحيح حيث أفاد والدها بأن البنت لم تغير دينها ولم يتم تعذيبها من قبل العائلة وأنها تقيم مع أقارب لها بالقاهرة للمشاركة في احتفال تكريمي للتلاميذ المتفوقين، حيث أنها من ضمنهم (راجع العربية.نت بتاريخ 26 مارس 2017).
أن اجابتنا على سؤالنا الأول، والخاص بتحديد ما إذا كان سامي الحاج يمثل تياراً عاماً، هي بالتأكيد نعم. إنه وفي الواقع، يوجد عدد لا يحصى من الشواهد والدلائل والقرائن على أن أمر التطرف والإرهاب غير مرفوض وسط المجتمعات الإسلامية، هذا إن لم نقل أنه مقبول لحد كبير وفي كثير من الأوساط. فالأمثلة المقدمة أعلاه، لا تعبر عن أحداث فردية أو معزولة. فملاحظتنا الأولى تشير إلى خلو الشارع الاسلامي من أي رأي عام مؤثر رافض للتطرف والإرهاب، مما يسمح لنا بوصف تلك السمة بالعمومية والشمول. بنفس القدر، فإن ما حدث بتلك القرية المصرية من تعدٍّ جلف عل حرية الاعتقاد والضمير يعتبر أمراً عادياً ومتكرراً في مصر. في الواقع، فإن الأمر بمصر لايقتصر على المسيحيين وحدهم، فقد كرس القضاء الرسمي نفسه لذلك، عندما أدان المفكرين الإسلاميين كنصر حامد ابوزيد واسلام بحيري بالكفر والإساءة للدين، فقط لطرحهم مناهج جديدة في فهم الدين، منطلقة من داخل الدين نفسه!
إن الأقباط وغيرهم في مصر، يتعرضون لمضايقات وعنف يصل مرحلة القتل المنظم من قِبَل مواطنين عاديين مغسولي الأدمغة ومنزوعي المشاعر، ولأسباب بسيطة لا يقود أخطرها في العالم المتحضر، الى أكثر من إنزعاج إجتماعي يمكن معالجته بسهولة من خلال الأطر الإدارية والقانونية؛ هذا إن استحق ذلك! إن تكرار هذه الممارسات في دولة مزدهرة ثقافياً وحضارياً مثل مصر، يقودنا بالضرورة للنظر إليها باعتباره ظاهرة تعبر عن خلل حاد في التوازن العام للدولة والمجتمع، ولها جذور فكرية وإجتماعية عميقة، وليس مجرد انفلاتات اجتماعية، أو أخطاء سياسية، أو تجاوزات قانونية. إن أي مطلع حصيف على التجربة المصرية يعلم أنه، وحتى إبان المرحلة الناصرية التي لم يكن يجمعها جامع بالإسلام الحركي، كان القانون يمنع بناء الكناس الا بإجراءات إدارية معقدة جداً، كما كان العرف يقضي بعدم تعيين المسيحيين في الوظائف الكبيرة بالخدمتين المدنية والعسكرية إلا بشكل رمزي، علماً بأن هذه التجربة مستمرة حتى الآن. تدفع هذه الحقائق المرء لأن يتساءل بجدية، إن كان هذا يحدث لمواطنين أصحاب حق في الوطن فعلوا كل مافي وسعهم لتفادي استفزاز الشارع العريض به، فماذا يمكن أن يحدث إذا حاول هؤلاء المواطنين بممارسة حقهم الطبيعي في التبشير بما يحملون من أفكار وعقائد؟!
إن ما قدمناه من نماذج ، نعتبره كافياً للتدليل عن أن ظاهرتي الغلو والتطرف ليستا ظاهرتين محدودتين أو عابرتين، بل من المؤكد أنهما عامتان ومتغلغلتان وعميقتان. نشير إلى اننا نقصد بالغلو تلك الحالة الذهنية والنفسية التي تمتاز بنزوع الفرد والمجتمع للنظر لأوجه الحياة من خلال معيار الدين وحده وبناء الموقف من الأحداث والظواهر وفقاً لمفهومي الحلال والحرام؛ أما بالتطرف فنشير إلى النزعة المستعجلة لنقل حالة الغلو من مرحلة كونها أفكار ونظرات ومشاعر، إلى مستوى التطبيق في ميدان الواقع، باعتبارها فرضاً لازماً.
على ضوء كل ذلك، يصبح من المنطقي أن نبحث عن الإجابة على سؤالنا الثاني الذي فحواه: لماذا يقبل المجتمع المسلم ذلك ويتصالح مع الغلو والتطرف؟ إن الإجابة بالطبع أصعب وأعقد من أن يقدمها مقال أو كتاب، خاصة وأن جذورها تمتد بعيداً في التاريخ، لكن بشكل عام يمكن تلخيصها في الآتي:
• لأسباب متعددة ومتداخلة، من ضمنها الخصائص السياسية والإجتماعية والثقافية للبيئة التي احتضنت الدعوة للاسلام في بداية عهده، والتفسيرات والتأويلات التي قام بها العلماء والفقهاء للنص الديني والتي تأثرت أيضاً بنفس الخصائص، نشأ اعتقاد جارف بأن النص الديني وتفسيراته التي تمت في القرون الثلاثة الأولى التي أعقبت وفاة الرسول محمد (ص)، تحتوي على إجابات ومعارف كافية لمقابلة الأسئلة والتحديات التي تواجه الإنسانية جميعها غض النظر عن إختلافات الزمان والمكان.
• وكأحد الخصائص الجوهرية لبيئة الجزيرة العربية، عند نزول الرسالة، والتي دعمت اتجاه تحكيم الدين في كل مناحي الحياة، أنها لم تشهد حضوراً لجهاز الدولة بالشكل المعروف، كما لم تشهد وجوداً ملموساً لأنظمة قانونية أو سياسية مكتملة، فقد كانت القبيلة تشكل الأساس للبنية الإجتماعية، وأعراف القبيلة وتقاليدها تمثل إطارها القانوني المنظم. هذا إضافة إلى أن الجزيرة العربية لم تشهد حياة فكرية خصبة باستثناء الشعر الوصفي في مجالي الغزل والفخر.
• إنه من الثابت أن الجزيرة العربية توحدت لأول مرة في تاريخها المعلوم بتأثير الإسلام. كما أن الدولة العربية الأولى نشأت، وفي حالة تاريخية نادرة، في إتحاد بين السلطتين الزمنية والروحية؛ حيث كان النبي (ص) قائد وزعيماً للدولة، إضافة لدوره كرسول. لكل هذا، وغيره، أصبح من الطبيعي أن يتم النظر لأمور الدنيا جميعها من خلال الدين، نصاً، وتفسيراً، وممارسة. كما حتّم ذلك أن يكون الدين وممارسات الرسول (ص) في مجال الحكم والإدارة، هي المرجع والمصدر الأساسي للأحكام في جوانب الحياة العامة. لاحقاً تعاضدت الأنظمة القهرية التي سادت العالم الإسلامي منذ نهاية دولة الرسول (ص) وحتى الأزمنة الحديثة، مع المؤسسة الدينية المنيعة عبر التاريخ، لتكريس فكرة النظر لأمور الحياة المختلفة بمنظار الموروث الديني باعتبار ذلك فرض ديني لازم وليس خياراً بشرياً، حيث أن التكريس لذلك الفهم يخدم مصلحة بقائهما معاً.
• من خصائص بيئة النشؤ التي ساهمت في تعميق المرجعية الدينية في قضايا الحياة المختلفة، ذلك التضخم الهائل للدولة العربية الإسلامية الأولى الذي شمل معظم العالم القديم في فترة وجيزة جداً بمقياس التحولات التاريخية الضخمة. لقد أوجب ذلك التضخم المتسارع، تمدداً متسارعاً موازياً في مجالات الفكر والقانون والإدارة. لذا، وفي غياب تلك المتطلبات ذات الطبيعة الفكرية، ولعدم وجود تجربة متراكمة في الحكم وإدارة الناس لدى حكام هذه الدولة، أصبحت تجربة الرسول (ص) في الحكم هي المرجع والزاد الفكري الأساسي. لقد وجدت الأنظمة اللاحقة، في هذا الوضع، ما يعطيها ما هو أكثر من المشروعية، وهو القدسية، فحافظت على هذا الوضع ومكّنته حتى أصبح ينظر له لاحقاً باعتباره أصلاً من أصول الدين.
• أفسحت التفسيرات والتأويلات والممارسات التي أشرنا إليها سابقاً، مجالاً ضيقاً لاستنباط أحكام جديدة في الحالات المحدودة التي لم يتم إصدار احكام سابقة لها، نتيجة جدة الظروف التي استدعتها؛ على أن يتم استنباط هذه الاحكام عبر آليات مرسومة وباستخدام قواعد وضعها أولئك السابقون أنفسهم، وذلك لضمان أن لاتخرج الأحكام الجديدة عن روح ما وضعه الأقدمون، والذي يفتقد لروح التغيير بطبيعته.
• لصيانة الوضع أعلاه، ولضمان ديمومته، ولاستنباط الأحكام الجديدة، نشأت مؤسسة رجال الدين البالغة النفوذ في العالم الإسلامي. أصبحت هذه المؤسسة، التي تضم الملايين من الدعاة والعلماء والفقهاء، والتي تنساب من بين يديها أموال طائلة، والمتغلغلة في كافة المنابر الإجتماعية والسياسية والدينية والإعلامية، أصبحت هي المتحكم في فهم المسلمين لتعاليم دينهم، والمصدر الأول لوعيهم الإجتماعي، والمحدد الرئيسي لنمط تفكيرهم، وذلك وفقاً لما توارثته هذه المؤسسة نفسها.
• هذا الإرتباط الوثيق بين منظومة الأفكار الماضوية التي أشرنا إليها والتي استندت على الاعتقاد الجارف بأن النص الديني وتفسيراته وتجربة ممارسته التي تمت في القرون الثلاثة الأولى هي الدين نفسه، مع فكرة أن الدين هو المرجع الأساسي في كل قضايا الحياة، مع النفوذ الهائل للمؤسسة الدينية، وتلازم ذلك مع سيادة أنظمة قهرية استبدت بالوضع منذ انتهاء الخلافة الراشدة، وحتى الآن، مستفيدة من المؤسسة الدينية والفكر الماضوي السائد؛ كل ذلك صبغ المجتمع المسلم بملامحه السائدة، ككيان فاقد للحيوية، متشبثاً بالماضي، خائفاً من التجديد، قابلاً للتعبئة العاطفية باستمرار ولأقل الأسباب، أسيراً دائماً لفكرة أن هنالك مؤامرة ضد دينه، مهجوساً بالخوف من ارتكاب المعصية وإغضاب الإله، ومذعناً للطغيان متقبلاً له.
نصل من خلال ما أوردناه من تحليل في إطار اجابتنا على السؤال الثاني، والخاص بتحديد أسباب الغلو والتطرف، إلى أن الغلو له أسبابه التاريخية والفكرية التي جعلته مستقراً في العقل الجمعي المسلم والوجدان الجمعي المسلم. فالمسلم العادي، وعبر التاريخ، يرنو لماضي الدولة العربية الإسلامية الأولى باعتباره النموذج والمثال، وأنه أكثر تجارب الحكم إشراقاً وبهاء، وأقرب تلك التجارب تحقيقاً لفكرة المدينة الفاضلة. كما يعتبر أن في تعاليم الدين ما هو كفيل بحل كل مشاكل الإنسانية لو طبقت على الوجه الصحيح. وفي كلمة “الصحيح” هذه تكمن “أم المعضلات”! فالفرق بين المتطرف وغير المتطرف لا يتعد كون أن المتطرف يريد تنفيذ تلك التعاليم بالعنف وباستعجال باعتبار ذلك من صحيح الدين! وفي قراره هذا يستند أيضاً على أفكار موجودة في المنظومة الموروثة، فالمنظومة نفسها ليست كاملة الإتساق، باعتبار أن تجربة الدولة العربية الإسلامية الأولى قامت على أكثر من مسار تطور، وكل مسار له مبرراته وأسانيده.
مختصر القول، أن هنالك أزمة بنيوية في العقل الجمعي المسلم، فهو المولّد للأفكار الظلامية، وهو الذي يحيطها بالمبررات ويخلق لها الأسباب. كما نصل أيضاً إلى أن هنالك تشوهات في الوجدان الجمعي المسلم، تجعله يقف خلف كل المشاعر السلبية، لدرجة ربما يصل معها للتعامل مع الدم البشري باعتباره لاقيمة له. فكليهما، إذاً، العقل والوجدان، هما المسئولان عن الوضع القائم اليوم في المجتمعات المسلمة.
إنه من الظلم، بل من الخطأ، الإستنتاج من تحليلنا أعلاه أن كل المسلمين، أو معظمهم، والغون أو راغبون أو موافقون على القتل والسحل. بيد أنه من الخطل أيضاً تجاهل حقيقة أن الغلو في التدين، يعتبر مدخلاً أساسياً للتطرف، ومن ثَمّ للإرهاب. إن الإنتقال من حالة الغلو، وهي الحالة الشائعة، إلى حالة التطرف، لايحتاج لجهد عقلي ونفسي كبير، فالمسافة أصلاً قصيرة بينهما. لذا فإن المحلل المدقق في شأن الحركات الإسلاموية، يجب أن لا يفاجأ أو أن يندهش لحالات الإنكار وعدم التصديق التي تتبدى من خلال تعليقات المجتمع والأهل والجيران وأصدقاء العمل وخلافهم، عند معرفتهم بأن من ينتمي اليهم أصبح قاتلاً سابقاً أو لاحقاً! كأمثلة على درجة الإنكار، وعدم التصديق، الْمَرَضي أحياناً، تلك التي تنتاب أهل أو معارف مرتكبي العمليات الإرهابية، نورد الآتي:
• صرح والد سلمان العبيدي (مرتكب تفجير مانشستر بشهر مايو 2017) أنه تحدث مع سلمان عبر الهاتف قبل 5 أيام من الهجوم الدامي، وبدا طبيعياً جداً. وأكد والد العبيدي، “أن كل العائلة لم تصدق أن سلمان قام بهذا الهجوم الإرهابي لأنه لا يسلك هذا المنهج ولا يعتقد هذه الاعتقادات”، وهو ما جعله يرجح تورط أيادٍ خفية وجهات أمنية في هذه الحادثة، تستهدف من ورائها الجالية الليبية في بريطانيا خاصة فئة الشباب، حسب تعبيره! (العربية.نت 25 مايو 2017).
• أدلت زوجة الانتحاري الذي فجر الكنيسة القبطية بالاسكندرية أبريل 2017، بتصريحات قالت فيها إن زوجها: “ملتزم دينياً، ويشهد له أهل القرية وجيرانه ومعارفه في السويس وقنا، وأنه متعاون جداً مع الأهالي، كما أنه يحبهم ويحرص على خدمتهم”. وذكرت أيضاً أن زوجها لم يكن يكره المسيحيين حتى يتورط بتفجير كنائسهم، ولو كان كذلك لظهر عليه الكره، فقد كانوا يعاملون جيرانهم من الأقباط معاملة حسنة، وأضافت أنها تشعر أن زوجها لم يكن من نفّذ التفجير! (العربية.نت – 13 أبريل 2017م).
إن الأمثلة أعلاه إنما نعتبرها نماذج محدودة لدواعي التوضيح، حيث أن كل الحالات، تقريباً، من محمد عطا مفجر برج التجارة العالمي عام 2001، وحتى طالبات جامعة العلوم الطبية والتكنولوجية بالسودان، واللائي إنضممن لتنظيم داعش عام 2014، كانت مفاجئة تماماً لأسرهم ومن هم حولهم، لدرجة الذهول!
إن عنصر المفاجأة، هذا، لا يمكن تفسيره إلا بالإعتراف بأن الحد الفاصل بين الغلو والتطرف رقيق جداً، لدرجة أنه لايثير إنتباه أقرب الأقربين. حيث في الواقع، لا يتطلب القفز من خانة الغلو لمربع التطرف تفكيراً عميقاً، أو تقليباً للخيارات، فهو إختلاف مقدار يمكن أن ينشأ بقليل من الشحن الاعلامي، أو عند إزدياد السخط العام لأمر من الأمور، وما إلى ذلك.
لقد حاولنا، وبدون تزويق، تقديم صورة نعتقد أنها أكثر دقة لوصف ما يمور في العقل الجمعي المسلم من أفكار، وما يعتمل في وجدانه الجمعي من مشاعر، نرى أنها العامل الأكثر أهمية، من ضمن عوامل أخرى، عن العنف الشامل الذي يجتاح العالم اليوم. كما حاولنا إبراز العوامل والأسباب التي أدت لتشكيل تلك الحالة الذهنية والشعورية. نحاول في هذا الجزء الأخير من المقال، الإجابة على ما إذا كان هناك مخرجاً من هذا الوضع الخطير الذي أصبح فيه كل العالم، تقريباً، ساحة حرب لمعركة مفتوحة يشوب الغموض الكثيف هوية المبادرين فيها، وخططهم القادمة، وأهدافهم المحتملة!
نبدأ إجابتنا حول كيفية حل هذه الأزمة، والخروج من المأزق الذي يعيشه كوكبنا اليوم، بالتأكيد على أن الحل لايمر عبر البوابات المفتوحة حالياً. تلك التي تنشد محاصرة الإرهاب بتصويره وكأن سببه مجرد خطأ في فهم المتطرفين للدين، أو تلك التي تستهدف حذف المحتوى الذي يحرض على العنف من الرسائل المتداولة عبر الوسائط والقنوات المختلفة، وما الى ذلك من إجراءات تستهدف العَرَض وليس المرض!
إن الذي يمارس التطرف لا يحتاج لإذن أو توجيه من وراء البحار أو من خلف الصحارى ليقوم بالإرهاب والترويع؛ فالتطرف نتاج لمناخ كامل، قائم على الشحن الديني الكثيف للفرد، والإهمال المريع للتفكير العلمي والنظر العقلاني للظواهر والأحداث. هو الإبن الشرعي للغلو والإشتطاط، ذلك الناتج عن الجرعات الدينية الهائلة التي يتلقاها الفرد من مختلف المصادر: المعلم المدرسي والكتاب المدرسي، منابر المساجد، وسائط الإعلام، المطبوعات إلخ. إن الغلو والتشدد، في نظرنا، يعتبران نتاجاً لتآمر الدولة والمجتمع أو لغباءئهما، لا فرق؛ فالمحصلة أنهما سلما الفرد، بكل ضعفه وخوفه من المجهول، سلّماه للواعظ أو الفقيه، سواءً كان قديماً أم معاصراً، ذلك الذي لا تتجاوز حدود معرفته حفظ النصوص وحفظ آراء القدماء، ورؤيته للعالم لا تخرج عما شُحن به هو نفسه بواسطة الشيخ الذي ينتمى إليه أو المعهد الديني الذي أتى منه، فالعلم والمعرفة اللذين يعرفهما ويفهمهما، هما العلم والمعرفة الشرعيين!
يجب أن لا تخدعنا هذه الألقاب العلمية الرفيعة، والإبتسامات المرسومة على وجوه النخب، والكلام الذي يتدفق شهداً من أفواه الساسة والمفكرين العرب والمسلمين، فغالبيتهم العظمى تحمل ذلك الفقيه التقليدي في أقرب الجيوب إليهم، وتنظر لقانون السبب والنتيجة وكأنه إرث استعماري يتوجب التخلص منه في أقرب فرصة! أين مقر نشاط السيد/ سامي الحاج الذي إبتدرنا مقالتنا هذه به، والذي من خلال حالته أوضحنا مدى تغلغل الغلو في مخيلتنا العربية الإسلامية؟ أليس مقره قناة الجزيرة الممتلئة بأفضل تقنيات التواصل في العالم، والمشحونة بأنضر المذيعين والمذيعات وأذكاهم، والمكتظة بعدد، ربما يكون الأكبر في مجاله، من المحللين والباحثين والخبراء في كل مجالات الفكر والمعرفة؟
نستمر في إجابتنا عن كيفية الخروج من الأزمة، بالقول بأنه ليس هناك معالجة جذرية لهذا الثالوث المدمِّر، الغلو والتطرف والإرهاب، غير الإعتراف بأهمية قضية التنوير والاصلاح الديني ووضعهما في صدارة الاستراتيجيات الوطنية وقوائم الأولويات. إننا نتحدث عن إصلاح جذري يجب أن يستهدف مراجعة الأفكار و أن يطال الفقه والعلم الديني الموروث بما يؤدي لفتح كل الجسور والمعابر اللازمة لربط الدين بقضايا العصر. أيضاً، لا بد أن تنشد الإصلاحات المرجوّة إعادة المسجد لدوره كموقع للعبادة وليس منبراً للسياسة، وأن تتولى المؤسسة الدينية مهمة إرشاد الناس وتنظيم أمورهم فيما يلي عباداتهم وعقائدهم بدون تدخل في خيارات حياتهم. كما أنه من المحتّم أن يصحب برنامج التنوير والإصلاح، تحديث شامل للعملية التعليمية بأسرها لتتوافق مع المعايير المستخدمة في العالم المتقدم، وأن يتم فتح الإعلام ووسائط التواصل والمعرفة للطرح المستنير ويُبعد عنها جنود الظلام. إن المعالجة الجذرية التي ننشدها ليست أمراً يوكل لمراكز أبحاث أو لوسائط اعلامية! هي حزمة هائلة من الإصلاحات التي تفترض أن ينشغل بها كل العالم بمؤسساته المختلفة، حيث أن التحدي الماثل اليوم، انتقل جذرياً من حالة كونه مهدد محلي أو اقليمي، إلى مستوى تشكيله تحدٍّ كوكبي بالمعنى الحرفي!
إن التغيير ليس سهلاً، لكن العبرة بالبداية والتي من أهم خطواتها تحديد الجذور الحقيقية للمشكلة، وليس أعراضها كما هو سائد الآن. فالتغيير المطلوب يجب أن يضع حدوداً واضحة للعلاقة بين المؤسسة الدينية وبقية مؤسسات المجتمع والدولة، استناداً على قاعدة أن قرارات الفرد والمجتمع في مجالات السياسة والاقتصاد والعلم الطبيعي والإجتماعي، إنما هي قرارات دنيوية، متروك أمرها لذوي الاختصاص، وبالتأكيد فإن ما هو راشد في عالم السياسة والمجتمع والإقتصاد والعلم الطبيعي والإنساني لابد أن ينسجم مع قيم الدين الكلية ومقاصد أحكامه ومصالح الناس واتجاهات العصر. كما لابد لذلك التغيير المبتغى أن يستهدف مراجعة وتحديث منظومة الفقه الإسلامي جذرياً، بما في ذلك مبادئ ذلك الفقه وقواعده ومرجعياته، تلك التي وضعها بشر مثلنا، اجتهدوا وفقاً لقدراتهم وظروف زمانهم لتأسيسها، إلا أنها لم تعد تلبي إحتياجات عصرنا.
إن التغيير المأمول لن يبلغ غايته مالم يقبل رجال الدين بمبدأ أن المقصد والمصلحة مقدمان على النص، ومالم يوسعوا نطاق فقه الضرورة حتى تشمل، تلك الضرورة، كل ما من شأنه تقدم المجتمع؛ تماماً مثلما فعلوا في السر عندما منعوا الإسترقاق، وأباحوا التصوير، والجمارك، وكلها مما أباحه او منعه رسول الله (ص) لضرورات زمانه! لن تنسرب نسائم العقلانية، مالم يفهم المسلم المقيم بالغرب أن مصطلح “لحم حلال” إنما هو أمر هوس ديني، يغذيه أنبياء كذبة، فالدين أعلنها قبل أكثر من 14 قرناً أن طعام أهل الكتاب حل لنا! لن يحدث التغيير، مالم يَلْزَم العلماء حدهم، ويوقفوا تدخلهم الفظ في خصوصيات الناس، ليصبح من حق المرأة أن تقود سيارتها مرفوعة الرأس موفورة الكرامة! وليصبح ممكناً لإمرأة العصر أن تزيح هذا الحائط اللانساني البشع الذي فرضه عليها الكهنوت، باسم الحشمة، في تضاد مع العقل والذوق ومع ما كان في عهد رسول الله (ص) حيث كان النساء يتوضأن مع الرجال في طست واحد كما جاء بالحديث الصحيح!
إن ملامح الصحة والعافية لن تّشع مالم يمتثل المسلمون ويفهموا حديث الرسول (ص): “ما كان من أمر دينكم فعلي به وما كان من أمر دنياكم فأنتم أدرى به” باعتباره يؤسس للتوازن بين مقتضيات الدين ومتطلبات الحياة بدون لولوة! و لن تتضح تلك الملامح، مالم يبعد علماء الدين أنفسهم عن الاقتصاد الذي لا ناقة لهم فيه ولا جمل، والذي لم تكن دعائمه وممارساته الحالية موجودة، من الأساس، زمن الرسول (ص)! ولن تتضح ملامح الصحة المنشودة، ما لم يتوقف هذا الخداع والنفاق باسم الدين حيث بدلا عن أن يقرضك البنك، ما تطلب، بفائدة معلومة ومقبولة للطرفين مقابل إنتفاعك بماله، يخدعك الكهنة ليشتروا لك ما تريده ويبيعونه لك بربح أعلى من الفائدة، محولين المصرف الى تاجر يبيع بضاعة لا تظهر في مخازنه إلا عندما تطلبها أنت، وفي مخالفة لا ترمش لهم فيها عين، لحديث الرسول (ص) الناهي ببيع ما ليس عندك!
إن التقدم لن يتحقق مالم يمارس الطفل المسلم لعبة البوكيمون بدون أن ينهاه أحدهم عنها باعتبارها أمراً مخالفاً للدين! والإصلاح لن يقوم، مالم يوقف علماء الدين ارهابهم الظاهر والمستتر و يقبلوا بحق الحاكم في أن يعطل الرجم والقطع والجلد أسوة بالفاروق عمر، و له استبدالها بما يحقق مقتضى الدين في العدالة وحاجة العصر لحفظ كرامة الناس وأجسادهم!
إن المواهب لن تتفتح وتزهو، مالم يتوقف المحتالون ومحدودي الموهبة من أمثال الزنداني وزغلول النجار عن إحباط الدارسين والعارفين، وتنفيرهم عن تلقي العلم النافع بحجة أن الدين يحتوي على كل النظريات العلمية! إن الإبداع لن يسود مالم يبطل هؤلاء الكذبة خداع الناس باختزال الطب في الحجامة ولدغ النحل وكي السواعد وشرب بول البعير! إنه لن يكون هنالك صحة وعافية ما لم تبطل الكهانة تعديها على حقوق الخالق وتَدَخُّلها في اختصاصاته فتصنف هذا بالتقي، وذاك بالقوي الأمين، وآخر بالمنافق، ورابع بالكفر، وفقاً لحيثيات مصنوعة صنعاً!
مالم يحدث كل ذلك وغيره، سيظل المسلمون في ذيل العالم في كل مؤشرات التقدم! وما لم يحدث ذلك، لن يهنأ العالم بالسلام والأمان واالاستقرار!