خالد فضل
عندما ينعدم الشعور بالأمان في المجتمع فهذه من الحالات التي يجب التوقف امامها ، وعلى عكس ما يرى احد الاصدقاء الصحفيين بأن الدولة السودانية ما تزال موجودة طالما لم يحمل هو واسرته ( بقجهم ) ويتجهون صوب اهلهم في الجزيرة ، مع اصراري على ان غياب الدولة لا يعني فقط بلوغها حد الانفلات الامني ، وحتى هذه الحالة الاخيرة يعيش في ويلاتها ملايين السودانيين والسودانيات في اقاليم دارفور وجنوب كردفان والنيل الازرق ، اللهم الا اذا كانت الدولة تعني الخرطوم وحدها ، اما وقد دخل الامر الحوش وصارت حوادث الاختطاف والخطف للنساء هي الشغل الشاغل للناس خلال الاسابيع القليلة الماضية، فقد بات الامان النسبي في خطر ، وليرحم الله السيدة اديبة وغيرها وليلهم اهلها وذويها الصبر وحسن العزاء وكامل التضامن مع اسرتها في هذه اللحظات المفجعة .
ولكن هل ظاهرة الخطف والاغتيال تمارسها عصابات متفلتة او جماعة جريمة منظمة او بدوافع انتقام ذاتية ام انها من الممارسات التي ارست قواعدها – مع الاسف- بعض الاجهزة الرسمية ،واذ اذكر هنا ان الاستاذ الحاج وراق قد نوه في كلمة له في وقفة تضامنية ابان واقعة خطف واغتيال الاستاذ محمد طه محمد احمد رحمه الله وما اعقبها من وقائع كان من ضمنها ما يشبه عملية الاختطاف للاستاذ الطاهر ساتي واقتياده الى مخفر الشرطة بعد مطاردته في الشارع العام ،في تلك الكلمة اشار الاستاذ وراق الى ان ممارسة عمليات الخطف للمطلوبين لدى الاجهزة الامنية بوساطة افراد رسميين هو ما قاد الى تعود الناس على عمليات الخطف وخلق بيئة مواتية للعصابات الاجرامية لتمارس جرائمها تحت ذلك الستار ، فعندما تكون ممارسة السلطات الرسمية خارجة عن القانون فما الذي يمنع الاخرين من اقتفاء اثرها ؟ لقد تمت عمليات خطف للعديد من النشطاء المدنيين والسياسيين بل تم اغتيال بعضهم مثل الطالبين محمد عبدالسلام وموسى بحر الدين بجامعة الخرطوم حيث وجدت جثتاهما ملقيتان بالقرب من مكبات القمامة ، وبالطبع تم تدوين الحادث ضد مجهول رغم ان الحيثيات والشواهد تدل على الفاعل المعلوم ، ومثلهما ما حدث لاربعة طلاب بجامعة الجزيرة من ابناء دارفور حيث قيل في التحقيق الرسمي ان الترعة قد ابتلعتهم ، ولربما كان للاجهزة اياها جنود من الماء ! وما يزال اختفاء محمد الخاتم موسى يعقوب لغزا” لم تفك طلاسمه، ومالنا نذهب بعيدا” ففي هبة سبتمبر 2013 جاء في تقرير اللجنة البرلمانية التي حققت حول مصرع مئات (بحسب تقارير بعض المنظمات الحقوقية بينما تقول الحكومة انهم بضعة وثمانين )المتظاهرين في شوارع الخرطوم ان القناصة الذين مارسو الاغتيال بدم بارد وبرصاصات على الجباه والصدور في الشوارع وقرب المنازل كانو يمتطون صهوات سيارات دفع رباعي بدون لوحات ، وهذا يعني عمليا” ان البلاغ قد قيد ضد مجهول ، بيد ان الرئيس البشير كان قد اشار في حوار صحفي مع صحيفة عربية الى اضطرارهم لاستخدام الخطة ب لوقف ما وصفها بعمليات التخريب التي مارسها المخربون بالطبع! ومع ان مدير شركة مواصلات الخرطوم كان قد برأ المتظاهرين في سبتمبر من عمليات حرق بعض بصات شركته وعزا الحادثة لصراعات حول المصالح في اروقة الشركة ، لقد انتفت صفة المخربيين عن شهداء سبتمبر وثبت ان الخطة ب ومنفذوها هم من ارتكبو الجرائم ، اما حادثة خطف السيدة ساندرا كدودة فقد انتهت الى بيان ممهور بتوقيعها نفت فيه ضلوع الاجهزة الامنية في حادثة خطفها ولأن اللبيب بالاشارة يفهم فلم يصدق احد النفي وظلت الشكوك تحوم حول جهاز الاجهزة لأن ممارسة الخطف من عاداته الراتبة وظاهرة اجبار الضحايا على تبرئة المجرمين من اشد وقائع السطوة والجبروت ومن اقصى درجات القهر والقمع ، وفي حادثة اختطاف ذلك المهندس الشاب وملابساتها التي ارتبطت بنقاش حاد دار بينه وبين الفريق امن طه عثمان (الابن السابق للرئيس البشير )وما بين القوسيين هو ما قاله بنفسه في حوار صحفي في احدى صحف الخرطوم عقب التداول الواسع عبر الاسافير لحادثة الخطف والتعذيب الذي تعرض له المهندس في ذات الليلة التي جمعتهم ، ومن عجائب السودان وشواهد تبدل الاحوال ظاهرة عقوق الابناء فقد صار ابن الرئيس ابنا ” لملك السعودية بجواز التابعية ، لقد غادر الابن منصبه وسط شكوك قوية واتهامات صريحة بالخيانة ولكن بقيت حادثة اختطاف المهندس وتعذيبه من الشواهد الدالة على ممارسيها فهل هنالك عصابات جرائم منظمة تفوق ما مارسته العصابات اياها ؟ .
على ايام الفترة الديموقراطية الاخيرة 1986-1989 وقعت حادثة اختفاء اميرة الحكيم وشغل الرأي العام والصحافة في تلك الفترة بمتابعة وقائع الحادثة ووجهت الاتهامات صراحة لوزير الداخلية وشرطته ، ولا يزال ذلك الحادث عالقا” باذهان الناس ولكن توالي حوادث الخطف والاختفاء واغتصاب الاطفال وانتشار المخدرات وحوادث القتل المروع بين ذوي القربى وما يصحبها من غموض وفي ظل تكتم رسمي وقهر وقمع لحرية التعبير جعل الناس يشعرون بالخوف والهلع لان المجرم متوقع دائما ان يكون من المحميين بالحصانات.
فقد المجتمع امانه وصارت قلوب الامهات تنفطر بمجرد تأخر احد ابنائها او بناتها عن مواعيد الحضور هذه هي الحالة التي تغلف حياة الناس بالخرطوم خاصة ،ومع ذلك يأتيك من يقول ان الخرطوم اكثر أمانا” من اي مكان آخر ، صحيح قد تعاني بعض المدن والعواصم من نشاطات عصابات اجرامية تسعى حكومات تلك البلدان لمحاربتها ولكن كيف تكون الحالة اذا كان حاميها حراميها !