لؤي قور
في ندوة بعنوان “الأصول الجينية للسودانيين” بمركز دال الثقافي أمس الأول الجمعة قال العالم الأنثربولوجي ومؤلف كتاب “تشريح العقل العرقي” بروفيسور منتصر الطيب أن الحقائق الأنثربولوجية العلمية أكدت تنوع السودان جينياً منذ سحيق الأزمنة والعصور، على الرغم من قلة الدراسات العلمية التي تناولت الشأن السوداني من هذه الناحية، مشيراً إلى أن عبء البحث العلمي في هذا المجال يقع على عاتق السودانيين أنفسهم، الغارقين في معظمهم في شواغل السياسة اليومية وأخبارها السيئة والمحبطة للإنسان، والمدفوعين بنزعة بشرية طبيعية للتميز حتى داخل الأسرة الواحدة.
هجرات معاكسة:
وعلى غير الإعتقاد السائد بأن هناك هجرات معاكسة من أوروبا لأفريقيا، أكد الطيب أن هناك هجرة كبيرة من أفريقيا باتجاه بقية مناطق العالم، باعتبار أن أصل الوجود البشري كما أشارت الدراسات هو في المنطقة ما بين البحر الأحمر وبحيرة تشاد. وأكد الطيب أن حياة الإنسان بدأت قبل 40 ألف عاماً في هذه المنطقة، وأن هجرات عديدة حدثت لمجموعات سكانية منها نحو مختلف الأصقاع، ودلل على ذلك بوجود مشتركات كثيرة تجمع بين هذه الشعوب على الرغم من تباعدها الجغرافي في الوقت الحالي. مبيناً أن العالم الآن اتجه نحو” الأنسنة ” والبحث عن ما يجمع بين الشعوب، فظهرت دراسات تبحث في أنواع جديدة من الروابط بين المجموعات العرقية في نهاية العصر الحديث. وأرجع اختيار الإنسان لهذه المنطقة دون غيرها من مناطق العالم إلى ظروف مناخية مواتية في هذا الشريط الساحلي سمحت بالحياة في فترة معينة من الزمن قبل ستين ألف عام، هي عمر الإنسان في العالم وأن البشر مجتمعين كانوا يعيشون يوماً في هذه الرقعة الجغرافية.
إشارات ودلائل:
ومن الدلائل الواضحة في هذا الخصوص – بحسب الطيب – تشابه أدوات معينة من أدوات الصيد ما بين القوس الخشبي “السفروق” عند البجا الموجودين في السودان، وبين القوس الخشبي المستخدم عند قدماء الصيادين في أستراليا. بالإضافة لبداية استعمال القوارب الذي ساد عند مجموعات عرقية متباعدة جغرافياً للحد البعيد، في عهود ما قبل اكتشاف الزراعة. مروراً بالهجرات التي تلت تلك الحقبة وانتشار الزراعة عن طريق النسخ والنقل.
وصولاً لهجرات أخرى تلت اكتشاف الصناعة والثورة الصناعية، ومن هذه الدلائل كذلك وجود سمات مشتركة بين قبائل الفولاني كمجموعة عرقية، وبين مجموعات سكانية بعينها في “النرويج”، والتي لا تشبه المجموعات السكانية في ما جاورها من بلدان أوروبا. كما أن هناك معتقدات غيبية مشتركة بين شعوب أفريقية وشمال أوروبية كما في معتقد السحر”العين”. وقال الطيب أن هناك جينات توجد عند مجموعات سكانية في إقليم الباسك لا توجد إلا عند السودانيين كما أن هناك أدلة كثيرة على التشابه الكبير في طرق التفكير بين الأفارقة والأوروبيين عبر التاريخ يتجاهلها البحث العلمي دون سبب واضح، مثل القدرة على المحاكاة والرسم. ولعله من غير المعقول أن تكون هذه المناحي في التفكير ناتجة عن تزاوج إنسان الناندانتريال الذي لا قدرة له على الرسم.
كما تجاهل البحث العلمي السبب في لجوء الإنسان نفسه للرسم. والأقرب للمنطق هو أن ثمة تشابه في طرق التفكير بين الإنسان الأفريقي والأوروبي أوجدت هذا المشترك. وبالتالي لا بد أن يكون هناك ترابط بين الجينات المشتركة بحث فيها العالم الإنثربولوجي “لوكا” الذي بدأ شرع في تصنيف المجموعات السكانية بين ساميين وحاميين ومضى بأبحاثه بعيداً في هذا الشأن.
تمييز جيني:
ومضى الطيب للقول أن النظرة العلمية المتحيزة لمجموعات بشرية بعينها وقدرتها على التعلم وانتاج المعرفة باعتبارها ترجع لأسباب جينية هو حديث مختلق، وعار عن الصحة. مفنداً مزاعم العالم الأنثربولوجي “واطسون” في هذا الخصوص، ومشيراً لكتاب (بلاك أثينا) الذي أوضح بجلاء أن أثينا أخذت من حضارات الشعوب الأخرى الكثير، وتلاقحت معها، ومبيناً خطل القول بأن هناك أعراق غير قادرةعلى انتاج حضارات. وقال بأنه ليس لعرق معين براءة اختراع للحضارة البشرية، فللحضارات أهميتها في هذه المنطقة من العالم وفي ما عداها من مناطق. وضرب مثلاً بعالمة الرياضيات ذات الأصول الأفريقية، والتي كانت تعمل في وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي “كاثرين” والتي صور قصتها الفيلم الأمريكي (hidden figuers) كواحدة من بين ثلاث نساء كن يعملن في وظائف هامشية في وكالة الفضاء الأمريكية، لا تتعدى إدخال البيانات، قبل أن تبرز كواحدة من أميز علماء الرياضيات وتصنع المعادلة التي ساهمت في وضع أول مركبة أمريكية في المدار، على الرغم من ظروف التفرقة العنصرية التي كانت تعمل فيها، حيث لم يكونوا يسمحون لها حتى باستخدام الحمامات المخصصة للبيض، وكان عليها أن تقطع مسافة غير قصيرة لاستخدام الحمامات المخصصة للسود، لكنهم سموا واحدة من قواعد وكالة الفضاء المريكية باسمها في نهاية المطاف.
وقال الطيب إن البشر عائلة واحدة، وأن التوسع في الدراسات الأنثربولوجية كشف هذه الحقائق، وقضى على الاعتقاد بأن المعرفة لا يمكن أن تصدر عن السود، وأن مسألة اللون ترجع للانتخاب الطبيعي اعتماداً على الظروف المناخية للمنطقة التي تواجد فيها الإنسان.
العروبة والمعرفة السودانية:
وعن المزاعم بانتقال المعرفة للسودان عن طريق العرب والقول بانعدام المساهمة الأفريقية في الحضارة السودانية بين الطيب خطأ هذا التعميم، ووصفه بالغير صحيح، كما قلل من أهمية الجدل حول الحديث عن الحضارات السودانية والمصرية، وأيهما أقدم. باعتبار أن الدراسات العلمية لم تترك غموضاً ما يتعلق بهذا الأمر، إضافة للجدل الكبير المصطنع عن هوية السودان وهل هي عربية أم أفريقية، مشيراً إلى سوء الفهم الكبير في هذا الشأن، ووقوع السودان والسودانيين في نفس الفخ، على الرغم من تجاوزهم لمثل هذه الأمور في سابق العهود.
وذكَر الطيب بما أورده في في كتابه “تشريح العقل العرقي” عن أن النيليين هم أول من بنى الإهرامات، وأن “نيانق” كبير الكهنة في الأسرة الفرعونية السادسة، والذي كان يجمع بين السلطة الدينية كان نيلياً. ليخلص إلى أن الإهرامات فكرة نيلية، مشيراً إلى أن المستودع الجيني للغات في أفريقيا يحوي أربعة مجموعات لغوية توجد ثلاثة منها في السودان، حتى اللغة المصنفة كلغة “البانتو” والتي تتحدثها مجموعات سكانية في إقليم كردفان ،تشابه بعض اللغات المستخدمة في غانا، إذا اعتمدنا الروابط الصياغية غير اللفظية بين اللغات. وهناك مجموعة لغوية واحدة من المجموعات اللغوية غير موجودة في السودان نتيجة لهجرة من يتحدثون بها من المنطقة ما بين البحر الأحمر وبحيرة تشاد حدثت في وقت أبكر.

مهد التحولات الثقافية:
ومضى بروفيسور منتصر للقول أن المنطقة ما بين البحر الأحمر وبحيرة تشاد هي مهد التحولات والتغيرات الثقافية منذ زمن عبادة الأنثى، التي نجد اعتقادات مماثلة لها في أوروبا، كما في معابد “باريس” المنسوبة لمعابد “ايزيس” الالهة الأنثى، كمشترك بين هذه المجموعات السكانية يبين أنها تتشابه في طرق التفكير. كما ظهر في حقبة من حقب التاريخ الإله “سيتي” في جنوب فرنسا، ويمكن بسهولة مقارنته بالإله القديم ” ساتي ” عند الدناقلة في السودان، كما أن هناك مؤشرات أخرى غير الجينات في سبيل البحث في المشترك بين المجموعات السكانية منها الرقص، والموسيقى، واكتشاف الرعي والزراعة، الذي تم في هذه المنطقة بحسب الدراسات العلمية.
ودلل على أن اكتشاف الرعي وتدجين الحيوان تم في هذه المنطقة بوجود أبقار مدفونة في منطقة كرمة منذ سحيق العصور، وهو ما يتنافى مع المزاعم التي قضت بأن تدجين الأبقار تم في الهند والأبقار موجودة في منطقة كرمة منذ عشرة آلاف سنة كشعوب أوجدت ثقافة الرعي. وكما هو معلوم فهناك صلة وثيقة بين الكلب والرعي، وكان سكان كرمة يدفنون الكلاب أيضاً، الأمر الذي أتاح دراسة كلابهم والوصول لنتيجة أن الكلب في منطقة كرمة ينحدر من فصيلة لحيوان منقرض تم تدجينه في كرمة في فترة سابقة ولم ينحدر من فصيلة الذئب، وأن لكلاب كرمة وكلاب الكبابيش نفس المواصفات الجينية. وقد أثبتت مجموعات سكانية في أفريقيا بالتجربة أنه يمكن تدجين كائنات وحشية كان يعتقد أنها غير قابلة للتدجين. كما أن “الإله الكلب” هو واحد من الآلهة المصرية القديمة وهو في الغالب ترميز لذلك الكائن الوحشي الذي ينحدر منه الكلب في هذه المنطقة كان ياكل الجثث فنصب إلهاً لما بعد الموت (after life)
التنوع السوداني أصيل:
وكتدليل على التنوع الجيني في السودان تطرق الباحث لعادة شرب اللبن عند مجموعات سكانية بعينها كغذاء أساسي، نجد أن شعوب في مناطق أخرى من العالم – كشرق آسيا مثلاً – لها حساسية ضد اللاكتوز، وتعتمد شراب الصويا، بينما تجد المجموعتين في السودان كدلالة على التنوع الجيني الكبير فيه، وعلى وجه العموم فإن ظهور الطفرات في شعب معين يرجع دائماً للتنوع وينسحب ذلك على العادات الغذائية عندهم
وعن التنوع اللغوي قال الباحث أن المنطقة هي مهد للغات منها العربية واللغة النوبية الصحراوية والهيروغليفية وخطوط الكتابة القديمة إضافة إلى وجود خصائص مشتركة في الأحرف وطريقة الكتابة بين هذه اللغات وبيانات الأبحاث العلمية واضحة في ما يتعلق بهذا الموضوع. وعن التنوع الوراثي في المنطقة أشار الطيب إلى قومية البجا والذين يعتبرون حالة فريدة وعنصر ثالث يضاف للأفارقة والأوروبيين في الحديث عن الأجناس. ويخلص الكاتب إلى أن السودان متنوع وهناك معالم كثيرة لهذا التنوع مشيراً لنزوع المجتمعات الرعوية إلى الحركة وتوحيد المجتمعات المجاورة لها تحت قيادتها مما أدى لقيام الحضارات كما ظهر في حضارة كرمة النيلية
الجينات لا تصنع التعايش:
وبالعودة للأصل العربي للسودان قال الطيب أن الأبحاث الجينية ذهبت إلى أن العرب يحملون الكروموزوم “j” وذهب الشطط بالبعض إلى إجراء فحص الجينات الوراثية لتأكيد حملهم لهذا الجين، لكن العلم يقول أن اليهود يشتركون مع العرب أيضاً في حمل هذا الجين كما أن اعتقاد الناس في شمال أفريقيا بأنهم من سلالة أوربين هاجروا إلى شمال أفريقيا ليس صحيحاً – بحسب الباحث – بل الثابت أن سكان الشمال الأفريقي هم من هاجروا إلى أوروبا وحكموها حيناً من الدهر.
واختتم بروفيسور منتصر حديثه بالقول أنه وبالرجوع للخرائط والبيانات التوضيحية للمجموعات السكانية والأقاليم المناخية والنباتية والخرائط اللغوية نجد أن الجزيرة العربية هي جزء لا يتجزأ من أفريقيا، وأن التنوع الجيني للسودانيين شكل حصانة طبيعية ضد انتشار الأمراض الفتاكة بينهم، ومنها مرض الأيدز على سبيل المثال، فالتنوع السوداني كائن، وهو دلالة عافية، والسودانيون عائلة واحدة بحسب علم الجينات، لكن الجينات وحدها لا تساعد في توحيد الشعوب، والتعايش الحميم بينها بل المواثيق الأخلاقية وما يتواضع عليه الناس من عناصر أخلاقية للوحدة والتعايش.