بقلم :محمد بدوي
قضية طلاب دارفور بجامعة بخت الرضا تمثل إحدي الحلقات في سجل الأنتهاكات التي ظل يواجهها الطلاب السودانيون المنحدرة اصولهم من اقليم دارفور بمؤسسات التعليم العالي السودانية ، بدءً بما عرف علي نطاق واسع (بمجزرة) طلاب جامعة زالنجي في العام 2010، مروراً بالعديد من الأحداث التي شهدت قتلاً خارج نطاق القضاء، الإعتقالات التعسفية، وبمعزلٍ عن العالم الخارجي ـ التعذيب البدني والنفسي، المحاكمات غير العادلة، الفصل من الدراسة، الحرمان من السكن الجامعي، بعض الأحداث تصدت وزارة العدل لها وشكلت لجان تحقيق لم تُسفر حتي الآن عن نتائج، التعاطي السياسي مع الأحداث بادرت الي وصف العديد منها بأحداث قادها طلاب منتمون للحركات المسلحة الدارفورية دون سند حقيقي ، غياب التعاطي الحكيم من قبل السلطات تشكل في نمط مواجهتها بإعتداءات ممنهجة من قبل قوات حكومية مدمجة إلي جانب ا المليشيات الطلابية لحزب المؤتمر الوطني ( الجناح الطلابي بالجامعات )،
ظل هذا السيناريو يتكرر لتكون محصلته أما حملة إعتقالات واسعة للطلاب أو إغلاق مؤقت للجامعات، مع غياب تام للمحاسبة والعدالة والإنصاف. معظم هذه الأحداث أرتبط بقضية المطالبة بتنفيذ امتياز الإعفاء من الرسوم الدراسية للطلاب المنحدرة أصولهم من إقليم دارفور، إستناداً علي إتفاقية أبوجا بين الحكومة السودانية وحركة تحرير السودان جناح مني مناوي في العام 2006م، وثيقة الدوحة لسلام دارفور لعام 2011م ، رغم ذلك ظل التعنت يصاحب تنفيذ ذلك من قبل بعض الجامعات السودانية .
الاعفاء شكل ميزة تفضيلية تحت فلسفة مساهمة الحكومة السودانية في مرحلة (التعافي) التي تلي مرحلة (الطواري) في ادارة الازمات استنادا علي ؤغبه مفترضة في الحكومة تجاه الالتزام بالحل السلمي لازمة دارفور ، بالتالي تعتبر الحكومة السودانية ممثلة في وزارة التعليم العالي هي الطرف الاصيل الذي يقع علي عاتق تنفيذ ذاك البند فيما تقع علي عاتق السلطة الإنتقالية لإقليم التزام بالمتاعبة مع الجهات ذات الاختصاص لضمان تمتع من يشملهم الأمتياز بذاك الحق ، غياب السلطة الانتقالية يجعل من الحركات الموقعة علي اتفاقعات السلم مع الحكومة هي المسئولة عن ذلك ، دون التنصل و ترك الطلاب لخوض معارك ظلوا يتعرضون فيها لأنتهاكات وصلت الي القتل خارج نطاق القضاء .
وزارة العدل السودانية التي ظلت تُشكل لجان تحقيق دون الكشف عن نتائجها أو الدفع بالملفات إلي اضابير القضاء ظلت تعلب دوراً في إعاقة سير العدالة بحرمانها للضحايا من الوصول للانصاف، لا يقل عن مسئولية بعض الجامعات التي ظلت أبوابها مشرعة للقوات المدمجة المختلفة للدخول والإعتداء علي الطلاب وإنتهاك حقوقهم، اضف الي ذلك السماح لطلاب الموتمر الوطني ( المليشيات الطلابية ) بحمل الأسلحة دون ترخيص والإعتداء علي الطلاب بالضرب، القتل، الإعتقال من داخل الحرم الجامعي ومحيط السكن.

خطوة تقديم الإستقالات التي قام بها طلاب دارفور بجامعة بخت الرضا، شكّل تطوراً في أدوات إنتزاع الحقوق فقد جربوا المواجهات بأشكالها المختلفة لكنهم اكتشفوا أنهم يجرون إلي الإنتهاكات بدلاً من يحققوا انتزاع الحقوق، شكّل ذاك الحدث مفاجأة لإدارة الجامعة التي يجب أن تُسأل أولاً عن كل ما آلت إليه الأحداث منذ بدايتها في الأشهر السابقة، في ظل تلك الصدمة بدلاً من الحكمة تم إستخدام منهج القوة لإيقاف الحدث الذي حقق غرضه بمجرد وصوله للاعلام . الطريقة التي تم التعامل بها لمنع مغادرة الطلاب برغم إنتهاكها للحق في الكرامة، الحق في التنقل كشفت عن نهج ممارسة الانتهاكات من قبل السلطات الحكومية ، بل ساعد في الكشف عن مدي ما ظل يُعانيه الطلاب وعزّز من التمييز الذي حملته مطالب الطلاب في التعامل داخل الجامعة ليُصبح نمط مرتبط بالسلطة وليس الجامعة فقط،
منع الطلاب من الوصول إلي الخرطوم شكّل إنتهاك آخر لكنه أجاب علي نقطة مهمة أن الشعب السوداني ممثل في منطقة الشيخ الياقوت لا تمت للسلطة وأفعالها بصلة، فشكَّل ما فعله الشيخ الياقوت ( معركة للشعب السوداني في مواجهة الإسلاميين السودانيين ) أو قل (الصوفية في مواجهة الإسلام السياسي ). في خضم هذا المشهد بدأت خطوات لقوي المعارضة تمثلت في البيانات وإجتماع تنسيقي بالخرطوم ناقش الأمر، لكن غياب التنسيق بدا في تفتيت الجهود بالمبادرات التي كان يمكن لو قاموا بها عبر إطلاق نداء لتمثيل أكبر سواء علي المستوي السياسي أو المدني مع كامل التضامن والإدانة للإعتقالات التي طالت من بادروا بالتحرك صوب الطلاب في موقعهم خارج الخرطوم لكان الجهود أكثر تأثيراً ونتائجاً، لكن التعاطي الإستراتجي هو المخرج الآمن وهو ما يعُزز ما قدمه الطلاب من موقف مشرف تجاه قضاياهم.
التراشق العنصري، والمناصرة التي حملت خطابات تمييزية وسالبةً، سواء في تأييدها لما حدث للطلاب أو شجبه، والذي ظل تشهده الأسافير من البعض مع الإحترام الكامل للجميع في الحق في التعبير ليس سوي جبل الجليد من حصاد الإسلام السياسي منذ العام 1989م، فمحصلة كل ذلك تصب في ذات فلسفة (فرق تسد) التي تستند او يستند عليها الحزب الحاكم والحركة الإسلامية في تمسكها بالسلطة. قضية البيئة الجامعية، الرسوم الدراسية، الأجسام النقابية قضايا يجب أن يتم التعامل معها وفقاً لواجبات الدولة، فالحق الذي يعطي طلاب دارفور ميزة الإعفاء من الرسوم الدراسية يجب ان لا يستند علي إتفاقيات السلام بل يجب أن يكون حقاً أصيلاً لكل السودانيين الطلاب بمؤسسات التعليم العالي، فكما تلتزم الدولة بدراسةٍ مجانية لطلاب جامعة أفريقيا فالأجدر أن تعامل الوطنين بالمثل ، التضامن والتنسيق بين مكونات القوي الوطنية هو المخرج للازمات التي يواجهها قطاعات من الشعب السوداني مثل الطلاب ، الدفع نحو تحقيق المطالب المشروعةللطلاب و مخاطبة وزارة العدل لنشر نتائج التحقيق السابقة والدفع نحو المحاسبة والانصاف في تقديري هو المخرج الأمن لتراكمات الانتهاكات التي واجهها طلاب دارفور و الطلاب السودانيين بموسسات التعليم العالي.
أخيرا ما قام به مواطنو منطقة الشيخ الياقوت لا اجد له وصفا أصدق من ما ذهب إليه الراحل محجوب شريف بأن )طريق الشعب أوسع من زحام الضيق (.

*اقتباس من قصيدة مريم ومي للراحل محجوب شريف