رشا عوض
أعادت قضية طلاب دارفور الذين تقدموا باستقالات جماعية من جامعة بخت الرضا بالدويم يوم الثلاثاء 18 يوليو 2017 إلى السطح الجدل حول العنصرية في الدولة و المجتمع السوداني والأثر المدمر لها على الوحدة الوطنية وذلك على خلفية ان هؤلاء الطلاب الذين يزيد عددهم عن 1000 طالب اتخذوا قرارا جماعيا بمغادرة الجامعة بسبب تعرضهم لانتهاكات وعنف متكرر على أساس عنصري منذ الاحتجاجات العنيفة التي شهدتها الجامعة في مايو الماضي على خلفية انتخابات اتحاد الجامعة وأدت لمقتل شرطيين.
حملت إدارة الجامعة ومن ورائها أجهزة الأمن والشرطة وحزب المؤتمر الوطني الحاكم طلاب دارفور مسؤولية مقتل الشرطيين وأعمال العنف وشرعت في حملة انتقامية ضدهم أسفرت عن فصل إدارة الجامعة لأربعة عشر طالبا منهم دون إجراء اي تحقيقات نزيهة تثبت تورطهم في أعمال تستوجب الفصل، بل وأوصدت الإدارة أبوابها في وجه لجنة شكلها الطلاب للمطالبة بإلغاء قرار الفصل التعسفي، ليس هذا فقط بل تعرض طلاب آخرون للحبس منذ مايو الماضي دون محاكمة لاتهامهم بقتل الشرطيين فضلا عن تعرض داخليات(مساكن طلاب دارفور) للهجوم من قبل الأجهزة الأمنية ليلا وترويع الطلاب وانتهاك كرامتهم واخيرا تعبئة الرأي العام في مدينة الدويم ضدهم على أساس عنصري لعزلهم عن البيئة الاجتماعية التي تحتضن الجامعة، وبعد ان طفح الكيل وقرروا ترك الجامعة نهائيا عرقلت الأجهزة الأمنية مغادرتهم في انتهاك صارخ لحرية التنقل وهي حق دستوري لكل مواطن سوداني، فأصدر”الأمن” أوامره للباصات السفرية بعدم نقل هؤلاء الطلاب إلى الخرطوم فقضوا طيلة الأيام الماضية في قرية الشيخ الياقوت في ظروف إنسانية سيئة لم يخففها إلا ما قام به الشيخ الياقوت وسكان القرية من إيواء وإطعام الطلاب العالقين، وقد حوصرت القرية أمنيا لمنع تحرك الطلاب إلى الخرطوم وسمح لهم فقط بالعودة إلى ولايات دارفور وعلى نفقتهم الخاصة!
ليس هذا فقط بل تعرض عدد من المتضامنين مع هؤلاء الطلاب في محنتهم من القوى السياسية ونشطاء المجتمع المدني للاعتقال والمضايقات! وحتى المساعدات الغذائية اعترض طريقها “الأمن” إمعانا في التضييق!
ان ما حدث في جامعة بخت الرضا حلقة في مسلسل “عنف النظام الحاكم” ضد طلاب دارفور الذين ظلوا يتعرضون في مختلف الجامعات السودانية للاختطاف والاعتقال والتعذيب حتى الموت والتشريد من السكن الجامعي على يد الاجهزة الأمنية ومليشيات الحزب الحاكم وإزاء كل هذه الجرائم لم نسمع بالقبض على أحد ومحاكمته كما لم نسمع بفصل طالب واحد من طلاب حزب المؤتمر الوطني رغم أنهم صناع العنف بامتياز ضد كل من يختلف معهم سياسيا!
ولكن عند مقتل شرطيين يُفصل ويُعتقل ويُشرد عشرات الطلاب دون محاكمات وتشن حملة عقاب جماعي غليظ للدرجة التي دفعت مئات الطلاب لمغادرة الجامعة فرارا بكرامتهم ويستمر الحصار والتضييق عليهم حتى وهم في طريق المغادرة المأساوية لجامعتهم! ثم يصدر مدير جامعة بخت الرضا جاد الله عبد الله الحسن بيانا هزيلا يتباكى فيه على الخسائر البليغة التي حلت بالجامعة من حرق لكلية التربية! وينسى المدير الهمام الحرائق الكبرى التي أشعلها وما زال يشعلها نظامه في أجساد الأطفال والنساء والرجال في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق!
وبالطبع لا أعني بذلك تأييد إحراق كلية التربية أو قتل الشرطيين، فمسعى العقلاء جميعا يجب ان يكون إطفاء الحرائق الوطنية أينما وجدت والكف عن إشعال أي حرائق جديدة، وفي حالة أحداث العنف في جامعة بخت الرضا كان حريا بادارة الجامعة ومن يقف خلفها(طبعا ليست هناك أدنى استقلالية لإدارات الجامعات فكلها أذرع للحزب الحاكم) الشروع في تحقيقات وفق القواعد القانونية للبحث عن من احرق ومن قتل ومحاكمته كفرد بدلا عن هذه “التجريدة الهمجية” على طلاب منحدرين من إقليم منكوب ليس فقط بالحرب بل بجرائم الحرب الفظيعة والإبادات الجماعية، ويعانون من تهميش سياسي واقتصادي واجتماعي تاريخي.
عطفا على ذلك، أحداث العنف في جامعة بخت الرضا وفي كل الجامعات السودانية هي نتاج بيئة سياسية بطبيعتها مولدة للعنف! إذ ينعدم مبدأ المساواة بين الطلاب، وهناك انتهاك ممنهج ومستمر لحقهم في انتخاب منبرهم النقابي”الاتحاد” بحرية ونزاهة إذ يستخدم طلاب الحزب الحاكم نفوذ السلطة وأجهزة قمعها المختلفة وحتى إدارات الجامعات في التحكم في العملية الانتخابية التي ان خسروها لجأوا للعنف! فضلا عن مصادرة حرية التعبير والنشاط السياسي والفكري والثقافي في الجامعات، واعتداءات طلاب الحزب الحاكم ومليشياته على اي منبر طلابي يتناول قضايا الوطن المصيرية كالحرب والنزوح ومعاناة المواطنين من عنف الدولة لا سيما في مناطق الحرب الأهلية، وتناول هذه القضايا بالذات كان سببا في اشتباكات عنيفة بين الطلاب المعارضين للحكومة وطلاب الحزب الحاكم الذين يتعاملون مع زملائهم من موقع السلطة والوصاية! فهم وكلاء حزبهم في نقل سياسة تكميم الأفواه ومصادرة الحريات والتصدي بالعنف للآخر المختلف! وفي الأعوام الأخيرة كان لطلاب دارفور نصيب الأسد من القمع قتلا واعتقالا وتعذيبا وتشريدا من الجامعات!
فقضية العنف في الجامعات معقدة وذات أبعاد سياسية وهي امتداد لحالة العنف المتسيدة للمشهد الوطني بأكمله نتيجة وقوع البلاد في قبضة نظام فاسد ومستبد، ولا يمكن حلها بالإفراط في الإجراءات القمعية التأديبية للطلاب الذين يقودون الاحتجاجات المشروعة على انتهاك حقوقهم الديمقراطية.
إن مأساة مغادرة هذه الأعداد الغفيرة من الطلاب لمؤسسة تعليمية بسبب ممارستها للعنصرية ما كان لها ان تمر مرور الكرام لو كنا دولة محترمة ذات نظام سياسي مسؤول! فهذه فضيحة اخلاقية قبل ان تكون سياسية، ومشكلة من العيار الثقيل تستوجب التدخل من أعلى المستويات لأنها تمس وحدة الوطن والعلاقة بين مكوناته المتعددة ولكن لأننا في بلد العجائب وفي عصر انحطاط وانهيار شامل لم نشهد رد فعل حكومي يوازي حجم المشكلة ودلالاتها الخطيرة، فمدير جامعة بخت الرضا الهمام لا يشعر بالحرج والعار لان الطلاب غادروا الجامعة التي يديرها بالمئات احتجاجا على “التعامل العنصري” في مؤسسة من المفترض ان تكون رافدا للعقلانية والاستنارة في المجتمع!
هل نحن عنصريون؟
هذا هو السؤال المهم الذي يجب ان نتوقف عنده جميعا إذا أردنا ان نبني مشروعا وطنيا ديمقراطيا يوحد بلادنا على أسس عادلة، هناك عنصرية كامنة في العقل الجمعي لأهل الشمال والوسط على أساس عرقي، فرغم انتهاء عصر الرق، إلا ان ثنائية (الحر، العبد) ما زالت مستبطنة في الوعي المباشر وغير المباشر لكثير من السودانيين، ما زالت تسمم العلاقات بين أبناء الوطن الواحد، ولذلك لا بد ان يكون من الأركان الأساسية في مشروع نهضتنا استئصال هذه العنصرية عبر عمل منهجي أدواته الفكر المستنير ذو النزعة الإنسانية المنفتحة المتسامحة ، والتعليم والإعلام والآداب والفنون والدراما والسينما .
وأول خطوة في هزيمة العنصرية الاعتراف بها! ثم انتاج كوابح فعالة لتأثيرها في الحياة العامة عبر القوانين واللوائح الصارمة بحيث تكون ممارسة التمييز العنصري من قبل اي موظف عام تجاه مواطن كافية لفصل الموظف! وان يكون استخدام أي سياسي لخطاب عنصري كافيا لعزله سياسيا، وأن يكون التشاتم بمفردات عنصرية بين المواطنين العاديين جريمة يعاقب عليها القانون.
يجب ان لا تظل العنصرية أمرا مسكوتا عنه عند مناقشة القضايا العامة لأن تعافي المجتمع منها يتطلب الاعتراف بها أولا وفي اي عملية للعدالة الانتقالية في السودان او الحقيقة المصالحة لا بد من اعتذار تاريخي من الشمال والوسط ممثلا في نخبه الفكرية والثقافية وقياداته السياسية عن حقبة الرق وعن المحتوى الاستعلائي العنصري الكامن في الثقافة المركزية.
وحدتنا الوطنية في كف عفريت ولن نستطيع استردادها لا على المستوى السياسي ولا الوجداني بالمجان، وطبعا بناء مشروع وطني وحدوي ذي قابلية للتطور المطرد في معافاة الشعب السوداني من أمراضه السياسية والاجتماعية المزمنة وعلى رأسها العنصرية يتطلب تحالفا استراتيجيا عابرا للأعراق والجهات والأديان بين المؤمنين بهذا المشروع.
ويتطلب كذلك قدرا من الرهان على الذات الوطنية رغم كل الخيبات التاريخية، لا بد ان نرى النصف المملوء من الإناء! إزاء أزمة طلاب دارفور المستقيلين من جامعة بخت الرضا برز قدر كبير من التضامن معهم ودعم قضيتهم العادلة، ويجب ان يستمر التضامن والعمل على حل مشكلة هؤلاء الطلاب وصولا إلى إعادتهم إلى مقاعد الدراسة ورد الاعتبار لهم حتى لو اقتضى الأمر تنظيم حملة قومية لتوفير نفقات إكمالهم لدراستهم في جامعات خاصة لو تعذرت عودتهم إلى جامعة بخت الرضا، فعودة هؤلاء الطلاب إلى دارفور مكسوري الخاطر وصمة عار في جبين الوطن! وليتنا لا نترك حل هذه المشكلة لروابط أبناء دارفور المختلفة داخليا وخارجيا ونتصدى جميعا للحل كسودانيين.