لؤي قور
على مدى العقود الثلاثة الماضية برز مصطلح ” العنصرية ” في الخطاب السياسي المعارض في السودان، كلفظة تصف الإستعلاء الإثني الممارس من قبل نخب متنفذة تنتمي لمجموعات سكانية بعينها في السودان، استعربت على مدى سنوات طويلة، فتخلت عن لغاتها السودانية الأصلية، لتعتمد اللغة العربية في الكتابة والتخاطب، وتخلت عن وثنيتها ودياناتها التقليدية المحلية كذلك لتعتمد الإسلام، تحت تأثير جملة أسباب منها السياسي كما في حالة دولة الفونج، ومضت على طريق صنع هوية جديدة في مركز جديد للهوية العربية الإسلامية، على الرغم من أن المركز الأصلي للهوية العربية لا يزال يعتبر السودان والسودانيين من الدخلاء، ولا يعترف بأصالة انتمائهم إليه.
وعلى الرغم من مرور عقود متطاولة على نهاية نظام الرق في السودان وعصور العبودية، لا تزال بعض أدبيات ذلك العهد ومخلفاته تلقي بظلالها على العلاقات بين الإثنيات المختلفة في ذلك البلد مترامي الأطراف، متنوع السحنات والمشارب، وما يزال مفهوم عبودية البعض راسخاً في العقل الجمعي عند بعض المجموعات السكانية. وبحسب الأستاذ “محمد ابراهيم نقد” فقد ساهم عدم وجود قرار قاطع في تاريخ محدد يضع فاصلاً واضحاً بين عهد الإسترقاق، وما تلاه من عهود، شهدت تحلل علاقات الرق في السودان على مدى سنوات طويلة، ساهمت في الإبقاء على مخلفات ذلك العهد، وأبقت بالتالي على محفزات العنصرية كامنة داخل مكونات المجتمع السوداني المعاصر، نتيجة أن إنتهاء عهد العبودية لم تصحبه ثورة اجتماعية أو أحداث تاريخية كبيرة تضع علامة فارقة وبارزة تعلن انتهاء ذلك العهد وعليه فقد وجد الأرقاء السابقين أنفسهم في منزلة بين منزلتين، هي منزلة ما فوق العبيد، وما دون الأحرار.

فقد ورد في كتاب علاقات الرق في السودان ما يلي:
(بعد هزيمة علي دينار في مايو “1916”، وضم دارفور لحظيرة الحكم الثنائي، وضعت الإدارة خطة ذات سبعة بنود للتعامل مع الرقيق، وشرعت في تشجيع الأرقاء والملاك على أسلوب ” الفدية ” للعتق، لكن الرقيق عجز عن دفعها. وكان لهزيمة علي دينار أثرها في هرب ونزوح آلاف الأرقاء غرباً وجنوباً، خاصة في جيش السلطان الذي يقال أن قوامه كان ستة آلاف من المشاة “البنداقة”، وكان أغلبهم من الأرقاء، إضافة لأعداد الأسلحة والتشكيلات العسكرية الأخرى، فضلاً عن الأرقاء في الحاشية والقصر وأرقاء الأعيان في أنحاء السلطنة. وكان السلطان بحكم تقاليد المنصب أكبر مالك للأرقاء، ولهذا يمكن القول أن مؤسسة الرق المتصلة بجهاز دولة السلطان والمكملة له قد انهزمت وتشتت شملها مع هزيمة السلطان وجهاز دولته، ومع ذلك فقد ظل شقها المنغرس في نسيج المجتمع كبيراً، ووتائر تحلله بطيئة حتى بالنسبة لواقع مجتمع دارفور نفسه. ففي رسالة من مدير دارفور في “17 يناير1935” للسكرتير الإداري وردت ملاحظة ذات دلالة خاصة وموحية هي أنه “لم تقدم طلبات أوراق حرية في دار مساليت وغرب دارفور، حيث التركيب العرقي متجانس الأصول الزنجية ” وبمعنى آخر فقد عاد الأرقاء إلى قبائلهم، وذابو في مجتمعاتها.
وكان المدير قد أعلن منذ عام “1932” أن الإنخفاض المستمر في عدد الأرقاء طالبي أوراق الحرية يعزى لقلة عدد الأرقاء المتذمرين من أوضاعهم، وأرفق المدير مع الرسالة أرقاما توضح إصدار “60” ورقة حرية ومنها “18” شمال دارفور، و”22″ في الوسط والشرق و”7″ في نيالا و”13″ في برام. وأرفق المدير “ولس” مع تقديراته جدول مستخلص من سجلات مديرية دارفور في الفترة من “1919 – 1925” تقدم خلالها “770” رقيقاً لنيل ورقة حرية نالها “531” منهم.
وفي واحدة من أخريات وثائقها البرنامجية حول الرق والإسترقاق، حاولت إدارة الحكم الثنائي أن تؤكد ثوابت سياساتها، وتحصر حصيلتها في الممارسة والتطبيق لتطرح مؤشرات وموجهات المستقبل لكنها انتصرت في النهاية لمذكرة كتشنر، وخذلت التاريخ حين لم تجرؤ على إعلان أن كل من ولد منذ عام “1898” حراً. ولم تصدر وثائق تعلن فيها موت آخر نبض في علاقات الرق والإسترقاق موتاً طبيعياً، وأفلتت بالتالي من يد السودان فرصة الإحتفال بعتق آخر مسترق).
ومما سبق يظهر بجلاء أن طريقة التحلل التي انتهى بها عهد الرق في السودان، كان لها أثراً لا يمكن إغفاله في توطين العنصرية داخل العقل الجمعي لمواطني الشمال، على الرغم من نشوء الديوم داخل المدن، والتي ضمت رقيقاً محررين وآبقين وكان لهذه الديوم تأثيرها الواضح في حياة المدن في مختلف أقاليم السودان.
وبالإضافة لتأثير الطريقة التي انتهى بها عهد الإسترقاق في السودان في الإبقاء على مخلفات ذلك العهد، ومنها العنصرية، والإحساس بتفوق أعراق بعينها على حساب أعراق أخرى، فقد كان لأزمة الهوية القديمة في شمال السودان والتي لا تزال كائنة تأثيرها على إذكاء العنصرية في سودان اليوم والتي أسهب في تشريحها د.الباقر العفيف في ورقته المعنونة بـ(متاهة قوم سود ذوي ثقافة بيضاء) حيث ذكر الكاتب:
(من ضمن العوامل التي تسبب أزمة الهوية في أية جماعة، يمكن وضع اليد علي ثلاثة عوامل، تنطبق على السوداني الشمالي. أولاً هناك تناقض بين تصور الشماليين لذواتهم، وتصورات الآخرين لهم. فالشماليون يفكرون في أنفسهم كعرب، ولكن العرب الآخرين لهم رأي آخر، فتجربة الشماليين في العالم العربي، وخاصة في الخليج، أثبتت لهم بما لا يدع مجالاً للشك، أن العرب لا يعتبرونهم عرباً حقاً، بل يعتبرونهم عبيداً. وقد تعرض كل شمالي تقريباً للتجربة المريرة بمخاطبته كعبد. يمثل عرب الشرق الأوسط، وخاصة عرب الجزيرة العربية، والهلال الخصيب، لباب الهوية العربية التي تهفو أفئدة الشماليين إليها، وتطمح للانتماء إليها. فهؤلاء “العرب الأصلاء الأقحاح” يحتلون مركز هذه الهوية، ويتمتعون بصلاحيات إضفاء الشرعية أو سحبها من ادعاءات الهامش. ويمثل الشماليون، من الجانب الأخر، الدائرة الخارجية من الهوية العربية، ويحتلون الهامش ويتطلعون إلى إدنائهم للمركز، كعلامة من علامات الاعتراف. سحب الاعتراف عن أية مجموعة من قبل الأخريات، وخاصة إذا كانت هذه الأخريات يمثلن مركز الهوية، يمكن أن يلحق أثراً مؤذياً بهذه المجموعة . وكما قال شارلس تيلور: “يمكن أن يلحق بالشخص أو المجموعة من الناس، أذى حقيقي، وتشويه حقيقي، إذا عكس لهم المجتمع الذي حولهم، صورة عن أنفسهم، تنطوي على الحصر والحط من الكرامة والاحتقار . وقد كان المركز أبعد ما يكون عن الاعتراف بالشماليين عندما سماهم “عبيداً” ، وأبقاهم بالتالي،إذا استخدمنا مصطلح تيلور، “على مستوى أدنى من الوجود).

وعطفاً على ما سبق من تأسيس للجذور الإجتماعية للعنصرية في السودان تأتي السياسة بثالثة الأثافي حينما اعتمد نظام الإنقاذ الوطني في تسعينيات القرن الماضي إحياء القبلية بحثاً عن التأييد السياسي للحزب الحاكم على أسس عشائرية بدلاً عن الروابط الموضوعية “نقابية – مهنية – حزبية” وانتشر مفهوم ” البيعة ” المقدمة لرموز النظام من مناصريه بوصفهم قبائل وبطون وأفخاذ، تعاهد النظام على الطاعة، كما صارت صور الحشود القبلية وهي تبايع رموز النظام من المشاهد شبه اليومية في تلفزيون الدولة الرسمي، وتم إضفاء البعد الديني على حرب الشمال مع الجنوب قبل انفصاله واعتماد مفردة ” الجهاد ” في الحرب الأهلية بين الشمال المستعرب المسلم في غالبية سكانه، والجنوب الأفريقي المسيحي في غالبية قاطنيه، وإن لم يغب البعد الإثني عن هذه الحرب، بل كان حاضراً ومستبطناً يعلن عن نفسه في خفوت، وضمن دوائر ضيقة خصوصاً بين النخب الشمالية المتنفذة للتنظيم الحاكم، حتى انتهى الأمر بانفصال الجنوب وتكوين دولته المستقلة في العام 2011.
وكنتيجة للتطورات التي أعقبت توقيع إتفاقية “2005” بين الشمال والجنوب، واندلاع الحرب في دارفور، فقد تم تحييد الدين عن الصراع عندما لم تعد مفردة ” الجهاد ” فاعلة في استنفار المقاتلين الشماليين، مثلما حدث في الحرب مع الجنوب، كون غالبية سكان دارفور من المسلمين، لتأتي أهمية التمايز على أساس (عربي في مواجهة أفريقي) أو (أحرار في مواجهة أرقاء سابقين) هم الأدنى في سلم التراتبية الإجتماعية للمركز المستعرب. وبطبيعة الحال فقد ساهمت هذه التصنيفات في رفع وتيرة العنصرية، وأخرجتها من خانة المسكوت عنه إلى العلن، لتظهر ملامحها جلية حتى في نقاشات النخب من الجانبين عبر وسائل التواصل الإجتماعي.
وفي العام (2011) إندلعت الحرب مجدداً في منطقة ” جنوب النيل الأزرق” عقب تعثر تطبيق وانهيار إتفاقية السلام الشامل الموقعة في العام “2005” في ما يتعلق بما عرف بقضايا المنطقتين وقتها واستبدلت صناديق الإنتخابات بصناديق الذخيرة لترتفع وتيرة العنصرية في أدبيات المقاتلين من الشمال وتشكل بالتالي أدبيات لعنصرية مضادة بين المقاتلين على الجانب الآخر وعموماً فقد كان للحرب التي اندلعت في تلك التخوم الكردفانية أثرها الكبير في تضخم الخطاب العنصري وارتفاع وتيرته وازدياد حدة الإستقطاب والخطاب العنصري بين الإثنيات المتقاتلة على أساس (عربي – أفريقي) (أحرار – رقيق سابقين).
وعلى الرغم من أن الحرب الأهلية التي تدور رحاها الآن في دارفور وجنوب النيل الأزرق تطغى عليها سمات الصراع السياسي بامتياز فقد أخرجت المارد من القمقم، وصارت العنصرية تتغذى على إفرازاتها ومراراتها، بينما صارت الحرب نفسها تتغذى على ما صنعت العنصرية من تمايز واستقطاب وفرز عنصري بين مكونات المجتمع المستعربة من جانب والمنتمية لأفريقيتها من الجانب الآخر.