التغيير :قرشي عوض
في تلك الليلة من شهر يوليو الجاري قفزت قرية الشيخ الياقوت ولمدة أسبوع كامل إلى صدارة المشهد الإعلامي في السودان وذلك حينما توجه 1200 طلاب دارفور من جامعة بخت الرضا سيراً على اقدامهم من مدينة الدويم قاصدين عاصمة بلادهم بعد ان تقدموا جميعا باستقالاتهم رفضاً “لانتهاكات عنصرية” مارستها ضدهم إدارة الجامعة، إلا أن قوات الأمن حاصرتهم ومنعتهم من التوجه الى الخرطوم خشية التداعيات السياسية فكانت قرية الشيخ الياقوت الواقعة جنوب منطقة جبل الاولياء على موعد مع الحدث.
حفاوة الاستقبال لهؤلاء الطلاب الذين تقطعت بهم السبل أثلجت صدور كل اهل السودان وجعلت البعض يفغرون افواههم من الدهشة، كانت من تصاريف الحياة اليومية في المسيد منذ مئات السنين. والذي ظل يستقبل دارسي القران وعلومه من كل انحاء السودان . او بمعنى اخر ان القادمين كانوا في الحقيقة قد نزلوا في ضيافة اخوانهم من ذات الإقليم في المدرسة القرآنية التي تحتضن اكثر من 80 منهم!
وهكذا وفي وقت يحسبه كثيرون اللحظات الاخيرة من عمر السودان الموحد، هاهي البلاد تستجمع كل امكانياتها من اجل ان تبقى كما كانت ، واستحالت فرساً من الياقوت!
وعرف الذين صدمتهم عبارات التفرقة العنصرية الحمقاء ان كل من يحمل الاسم المشار اليه في عموم غرب السودان قد ناله لانه قد درس في هذه المؤسسة العريقة ، فكانت فرصة (ياقوتية) لرؤية وجوههم من جديد في مرآة السودان الواحد ، ماقد كان وما سيكون.
يقول إمام الشيخ ،ان محمد الياقوت مالك الشيخ الامام ينحدر من الخزرج، وينتهي نسبه الى سيدنا ابي بن كعب الصحابي الجليل . وقد ولد بروضة والده سيدي الشيخ محمد، جنوب جبل اولياء. وحفظ القران وتلقى العلوم الشرعية هناك. وقد الت اليه الخلافة وهو في الثامنة عشر من عمره. و الان يدير مؤسسة تربوية كبرى تعنى بالتصوف. هى الطريقة السمانية الخلواتية فرع سيدي الشيخ الامام . ويعتبر من اعظم المرشدين والدالين على الله في هذا الوقت بشهادة الكثيرين . هو الان مقيم في مسيده ويقوم برعاية الطلاب الذين يصل عددهم الى المئات. وينزلون عنده بصورة دائمة. ويشملهم بعطفه وانسانيته.
كما يتكفل بسكنهم واعاشتهم دون اي اعانة من اي جهة خاصة او حكومية . فضلاً عن ايوائه لكثير من الزوار والاحباب والمحتاجين وغيرهم من المرضى واصحاب الحاجات. وله اسهامات كبيرة في المجتمع الصغير والكبير وعلى يديه تحل كثير من المشكلات . وماعليه من مسؤليات جسام فهو صاحب مكتبة شخصية كبيرة يفوق مجموع كتبها 10 الف عنوان . وقد قام بتأليف بعض الكتب بعضها طبع والاخر تحت الطبع.
رجل بهذا التعدد في الاهتمامات وسعة الافق وكثرة المعرفة ، كان لابد ان يجتذب مختلف السودنيين من عدة مشارب ، فمن مريديه سياسيون ومفكرون وفنانون .
الفنان التشكيلي المعروف والمصور الفوتوغرافي الكبير عصام عبد الحفيظ يقول عن صلته بالمسيد والشيخ انه حين يزوره يستقبله هاشاً وتفيض المحبة في من حوله . وعن رواد المسيد يضيف عصام (اراهم حيراناً ومريدين ، كلهم سواسية عنده. وهو مقيم وقيم على الكل . المكان صغير وكبير في نفس الوقت ، اذ به بيت الدين والصلاح والمحبة. وكلما كنت بعيداً عنهم اراهم حولي بلا خرافة ، بل صلاح ووجد مجيد يستظل بالقران بكل اركانه وبدين الخلوة الذي تربينا عليه لادينهم(في إشارة إلى النسخة الاخوانية من الدين) ولايكون الا سوداننا الذي سمانا واوجدنا بحبنا له ) وعن تلك اللحظة التاريخية الحاسمة التي دفعت بتلك القرية الصغيرة الوادعة على ضفة النيل الابيض الشرقية الى صدارة الاحداث خلال اسبوع كامل في النصف الثاني من هذا الشهر، يقف عصام برهبة الفنان امام تلك اللحظة ويدعو للمسيد واهله بالبركة في مسيره ومصيره قائلاً ( كانوا السودان حينما غاب السودانيون من اصلهم وسودانيتهم ).
فشلت مساعي الوساطة لحل الأزمة وارجاع الطلاب إلى جامعتهم وأخيرا سمحت السلطات للباصات السفرية بنقلهم إلى دارفور لا إلى الخرطوم! ذهبوا إلى هناك بذاكرة مشحونة بالمرارات وربما كانت الذكرى الجميلة الوحيدة في أزمتهم هي ما فعله الشيخ الياقوت ووقفات التضامن الأخرى من القوى السياسية والمدنية فاختتم آخر بيان لتجمع روابط دارفور بتثمين كل ذلك إذ ورد فيه ” شعبنا السخي :
اننا في هذا الظرف التاريخي نحيى موقف الفعاليات المدنية والشعبية والسياسية وشكرنا وتقديرنا موصول لسماحة الشيخ الياقوت وأبنائه ومريديه الذين قاسمونا الهم وقدموا لنا الغالي والنفيس.”
فعل الشيخ ماعجز عنه الاصحاء وهو مريض، ولذلك لم نجد اي طريقة للاتصال به ، لانه قد ذهب مستشفياً الى القاهرة تاركاً خلفه كل افئدة اهل السودان تدعو له بالشفاء، وانشودة تمشي بين الناس، مثل رائعة الشيخ البرعي عن مصر المؤمنة باهل الله .