خالد فضل
في بحر الاسبوع الماضي لاحظت في خلال يوم واحد و بموقعين مختلفين ان هنالك حركة اصلاح و رصف لطريق الاسفلت في منتصف النهار , و في الحافلتين اللتين كنت قد امتطيتهما كان تساؤل الركاب عن هذه الحركة غير المعتادة و في هذا الوقت من النهار , تبرع احد الركاب في الحافلة المتجهة إلى مستشفى سوبا الجامعي – حيث كان مقصدي – بالقول إن الرئيس سيفتتح كبري سوبا شرق الجديد في يوم الجمعة , و هذا ما حدث . تأملت في حال الرئيس الذي ترقع لمرور سيارته طرقات في شرق النيل و شارع مدني بقربه , لتنساب إطارات سيارته بسهولة و يسر تسبقها و تعقبها سيارات النجدة و موتوسيكلات التشريفة و تتهادى من خلفه و حوله سيارات اللاندكروزر و المارسيدس المميزة , و رتل آخر من السيارات الفارهة تبع السادة الوزراء و الولاة و الدستوريين و المعتمدين و المستشاين و البرلمانيين و المنسقين و رجال الدين و شيوخ الطرق الصوفية و فوق كل هذ و ذاك الامنيين .
هل يصدق الرئيس ان الطريقين اللذين مرت عبرهما سيارته و موكبه يتمتعان بالفعل بهذه الدرجة من الصحة و العافية , ام ينتابه هاجس ان هذه الحالة لزوم قدوم سيادته فحسب , و هل طرق الشعب تتسم بالنظافة و الصيانة , بل هل توجد طرق في الاصل ليمشي عليها ملايين السودانيين , دع عنك الطرق المادية من اسفلت و رمل و اسأل عن الطريق المعنوي الذي قاد الرئيس الشعب عليه و اجبره على الزحف فوق حصاه , هلا فكر الرئيس في احوال القرى التي عبرها موكبه من كافوري إلى سوبا شرق ففي قرى شرق النيل تسكن كل سمات المجتمعات التي لم تحظ بحقها في العيش الكريم فظلت تعاني من الجهل و الفقر و المرض , لقد هجر مئات الشباب في القرى الواقعة حول ام ضوابان قراهم و يمموا صوب اوربا عبر مراكب الموت و الخوف التي تمخر عباب البحر الابيض المتوسط , حدثني احد سكان تلك القرى ان بضعة و ثلاثين شاباً من قريتهم يعيشون في فرنسا وحدها و مثلهم في انجلترا و ان تمرين فريق كرة القدم لا يجد بالكاد من يتم (القسمة) , هذه حالة تدعوا للتأمل قبل خطب الوعظ المكررة عن فضائل الاسلام و قيمه , فهولاء الشباب يعيشون الآن في كنف بلدان تحترم ادميتهم و تصون حقوقهم و تيسر لهم سبل اداء طقوسهم الاسلامية دون ان يستمعوا من رئيس الدولة او اي مسؤول فيها إلى خطب الوعظ و التفاخر بالانتساب إلى دين , فالبيان بالعمل , و واجب الدولة تنظيم و تسيير شؤون حياة الناس فيها و توفير الخدمات لا قيادتهم إلى الجنان , و الاخير هروب من المسؤولية و تنصل عن القيام بالواجب و قصور في فهم الوظيفة العامة و دورها في حياة الناس .
لقد سار الرئيس على طريق مهدته آليات ادارة الطرق و الجسور بولاية الخرطوم , و لكنه هل يدري اي الطرق يسلكها الشعب منذ 28 سنة هي فترة حكمه الطويل , كم عدد الجماجم التي يمكن ان ترصف مئات الكيلومترات من الطرق سار عليها شعبنا تحت قيادة البشير , يصطف حواليها ملايين اليتامى و الارامل و المعاقين و المشردين و النازحين و اللاجئين , طرق وعرة مشاها الشعب ما بين جهاد و بسط نظام و تثبيت امن و لو استدعى الامر حرق القرى و ردم الابار و تدمير المحاصيل , لقد مشى الرئيس على طريق شيخه الترابي لعشر سنوات كاد فيها للشعب و اذاقه ويلات القهر و فتح الزنازين و بيوت الاشباح و نصب خيام اعراس الشهداء و انشأ منظمات إيواء و دعم الارهاب تحت زعم إجارة المظلومين من عباد الله الصالحين , و لكن انتهى طريق الشيخ إلى وصفه بالكذاب و المنافق , فهل استبان الرئيس الامر ضحى المفاصلة , و زمرة من تلاميذ الشيخ يتآمرون ضده و يطيحون به و فيهم المنافق و الخائن و المشاء بنميم كما في وصف صلاح قوش لاخوته في التنظيم من اركان السلطة , قال صلاح قوش ما قال عشية ابعاده و اعتقاله ثم اطلاق سراحه و هو يخاطب عشيرته في مروي من ديار الشايقية , لقد كان واضحاً ان الطرق الملتوية لا تقود إلى الخير و ان طريق الشيخ و تلاميذه يسير عكس طريق الشعب و آماله , فإذا تلفت الرئيس حواليه و هو في منتصف كبري سوبا لوجد ان اللافتات تشير إلى مزارع خاصة بشرق النيل الازرق و غربه , و إلى مزارع اعلاف بلافتات دول اجنبية تحت وهم الاستثمار العربي و لو مد بصره قليلاً جهة الجنوب لوجد حطام و بقايا ما كان يعرف بمشروع الجزيرة و الرئيس شخصياً خبير بالجزيرة ففيها نشأ و ترعرع و هنا يكمن الفرق بين طريق الرئيس و طريق الشعب , فمزرعة السليت التي تحفها الاعناب و تدر البانها مليار جنيه في العام هي في النهاية ملك خاص لا ينتفع منه إلا صاحبه فمن من بين مئات الالاف من المزارعين في الجزيرة و المناقل و الرهد و حلفا الجديدة و السوكي و ام جر تدر عليه حواشته خمس الف جنيه فقط في العام ؟
طريق الرئيس المرصوف بالاسفلت ليفتتح كبري يقابله طريق جبل اولياء في جنوب غرب الخرطوم حيث قوات الامن و الشرطة تغلق المسار امام وفود اكثر من الف طالب جلهم من ابناء دار فور الذين تقدموا باستقالاتهم من جامعة بخت الرضا الحكومية , فهل تأمل الرئيس في احوال عاصمته التي تغلق منافذها امام بعض ابناء الشعب بتحيز مسبق و دمغ بالتخريب , و طريق الوطن يضيق عن سعة شعبه و تعدده الديني و الثقافي و العرقي و الجهوي , فيصدر وزير التربية و التعليم في ولاية الخرطوم امره للمدارس التي تتبع للكنائس الكاثوليكية و القبطية و الانجيلية بان تغلق ابوابها في يوم السبت و تعمل في يوم الاحد حسب ما اشيع مؤخراً , دون مراعاة بان يوم الاحد يعادل يوم الجمعة من حيث اداء الطقوس الدينية فصلاة الجمعة يعادلها قداس الاحد فكيف يشعر الناس بأنهم في وطنهم و الحكومة تغلق امامهم الطرق و تحرمهم من اداء طقوسهم الدينية في يومها المعتاد , هذا من ابواب الضيق التي يسير عليها الشعب حين ترصف السلطات الطرق للرئيس , و أفلم يتدبر الرئيس في امر هؤلاء الهتيفة و ماسحي الاحذية الذين يتحلقون من حوله و يقتاتون من موائده و لكنهم في النهاية يلبسونه (فانلة ميسي) , لتأتي تراجي مصطفى تطربه بذم المعارضين فيستمع إلى تسجيلاتها الصوتية 7 مرات كما قالت في ايام صفاها لتعود و تطلق التسجيلات المضادة في هجاء الرئيس و طريقه و تقول ببجاحة انها شاركت في الحوار لانقاذ الرئيس و سمعته .فهل سمعها مرة واحدة هذه المرة , هل سمع الرئيس بالطالب عاصم عمر و هو من ابناء الشعب الذين يمشون على دربه طلباً للحرية و الكرامة و كيف انه يتعرض لمهازل دولة الظلم بالقانون , هل بلغه نبأ المعتقلين السياسيين من نشطاء المجتمع المدني و قيادات حزب المؤتمر السوداني فكل هولاء يمشون على طرق الشعب بينما الرئيس يمشي عل طرق الوهم و الفشل و الضياع فهل يفتتح الرئيس جسراً آخر من العدالة و الرحمة و سعة الافق و رد المظالم فيقرر و قف الحرب فوراً و إخلاء السجون من المعتقلين السياسيين و إطلاق الحريات العامة و البدء في حوار حقيقي واضح المعالم محدد الاهداف تتم كل خطواته بالتشاور و التراضي ليعود الرئيس و لو في آخر سنوات حكمه الطويلة إلى طريق الشعب الذي هو (اوسع من زحام الضيق) كما في قول الراحل محجوب شريف .