لؤي قور
لم تكن حادثة بيع مسرح تاجوج بكسلا في مارس الماضي في مزاد علني – على الرغم من احتجاج المسرحيين الصارخ وقتها – فريدة من نوعها، ومعزولة عن سياق محاربة المسرح في عصر هيمنة الأيدلوجيا الدينية المعادية للفنون في السودان، باعتبار وعي الأنظمة الديكتاتورية، بدور المسرح الفاعل في توعية الجماهير بحقوقها، وفتح عيونها على الواقع المعاش، وتبيان المفارقات في سياسات الدولة الرسمية على الخشبة، الشئ الذي عده النظام القائم في السودان تهديداً لا يستهان به، وتزامنت الحملة على المسرح الذي تجاور مدخله “دبابة” هي أبرز ما في المكان مع محاولات إيجاد بدائل للفنون المسرحية ثبت بمرور الزمن فقرها وعدم قدرتها على ملء الفراغ الذي يمكن أن يشكله غياب المسرح من قبيل فرقة حلمنتيش في أوائل التسعينيات والتي تكونت من ممثلين موالين للنظام كفرق مسرحية مؤدلجة.
معاداة المسرح:
وعليه فقد تم التضييق على المسرحيين وتكبيلهم كما المسرح بجملة قوانين كان لها أثرها الواضح في تغييب المسرح من خارطة المشهد الثقافي في السودان في مطلع وأواسط التسعينيات من القرن الماضي قبل أن يتحول المسرح بفعل دأب ومقاومة المسرحيين أنفسهم إلى واقع فرض ضرورة الممارسة المسرحية كواحدة من ضروب الفنون الموغلة في القدم في السودان، وهنا لا يمكن إغفال الجهود الجبارة لقبيلة المسرحيين من ممثلين وأساتذة دراما ونقاد في هذا الخصوص، فضلاً عن تطلع جمهور المسرح نفسه للعودة لمشاهدة المسرحيات من على الخشبة، لينشأ استقطاب حاد بين المسرحيين على أساس “أيدلوجي” قسم المسرحيين إلى فسطاطين” الموالاة الممانعة وازدادت حدة التنافس علي العمل المسرحي على الرغم من أن كامل النشاط انحصر في دور عرض محدودة لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة في العاصمة الخرطوم، لتظهر مسرحيات ومواسم مسرحية ومهرجانات وجوائز في جانب مسرح الموالاة وتعثر وندرة وصعوبة في انتاج العمل المسرحي على الجانب الآخر أو مسرح الممانعة إن جاز التعبير.
ضعف التمويل:
ويلخص الناقد المسرحي “أبو طالب محمد” معوقات عمل المسرح السوداني في ضعف التمويل وقال لـ”التغيير الإلكترونية” إن مايقدم من ممارسة مسرحية اليوم يرتكز على تمويل المسرحيين لأعمالهم بجهودهم الذاتية، الشئ الذي عده أبو طالب اهداراً لزمن المبدع المسرحي في سعيه للتمويل من أجل إكمال مشروع منجزه الابداعي، ليصير المسرحي مشغولاً بجلب التمويل اكثر من انشغاله بجودة العمل المسرحي نفسه مما جعل الأعمال المسرحية المنتجة ضعيفة فنياً باعتبار أن المسرحي ليس متفرغآ لتجويد العمل.
ولفت “أبو طالب” النظرإلى أن الكثير من الاعمال المسرحية منتجة من قبل منظمات وجهات تحرص على توجيه رسالة العمل المسرحي لأجندتها الخاصة، دون النظر لدور المسرح كرسالة انسانية، بالإضافة إلى تقصير مؤسسات الدولة في ما يتعلق بإنتاج ورعاية المسرح، على الرغم من وعود الجهات الرسمية المتكررة بتمويل فعاليات ومهرجانات مسرحية دون الإيفاء بها، الشئ الذي حدا ببعض المسرحيين لترك المهنة ،والعمل في مهن اخرى.
تراكمية الفنون:
أما الناقد المسرحي عز الدين هلالي فقال في حديثه لـ”التغيير الإلكترونية” أن الفنون تتطور بينما العلوم تتقدم ، وإن التقدم العلمي يأتي على صورة “قفزات” بينما يكون تطور الفنون بالتراكم، باعتبار اعتماد الفنون اعتمادآ كاملاً على التواصل، وأي انقطاع لهذا التواصل يحتم البدء من جديد، من الصفر. فهرم العلوم هرم ناقص ﻻ يكتمل إلى أن يرث الله اﻷرض ومن عليها وما عليها، وكل عالم يضيف الجديد لهذا الهرم، ويكفيه فقط التواصل مع الجديد في عصره وزمانه ، بينما ﻻ يمكن لفنان أن يضيف الجديد إﻻ إذا تشبع بالفنون منذ بدء الخليقة، ومن هنا يتضح حجم الكارثة التي تجثم على صدر الفنون مع كل انقطاع لهذا التواصل. وﻷن المسرح هو أكثر الفنون التحاماً باللحمة الحية للمجتمعات فإن أي انقطاع لتواصل المسرح يشكل انقطاعاً لتواصل ذات هذا المجتمع .
ويمضي هلالي للقول أن انقطاع مسرح الثلاثينيات في السودان بتدخل من المستعمر حينها فصل ما بين مسرح الثلاثينيات ومسرح اﻷربعينيات والخمسينيات مما حتم على الراحل الفكي عبد الرحمن أن يبدأ مسرح المحترفين في السودان في التاسع من فبراير من عام 1968 بمسرحية كتبها مؤلفها ابراهيم العبادي في الثلاثينيات. ومن هنا يتضح أن إيقاف الفنون بتدخل من الجهل النشط طوال حقبة التسعينيات من القرن الماضي، ومن ثم البداية على استحياء ما بعد بداية اﻷلفية الثالثة، كان له أثره في أن يبدأ المسرح في السودان من الصفر وكأن السودان لم يشهد مسرحاً على مر تاريخه الطويل.
اغتيال المسرح:
وأكد هلالي أن رفع الدولة يدها عن المسرح هو بمثابة اغتيال للمسرح مع سبق اﻹصرار، وعده “جريمة”، ﻻ تساويها إﻻ جريمة وأد معهد الموسيقى والمسرح، وتحويله من معهد عال يهتم بتخريج المبدعين في فن المسرح، إلى كلية في جامعة كان المعهد نداً لها في يوم من الأيام، وقال:(إن عدم الاهتمام، وعدم التواصل هو القاتل الصامت للمسرح والفنون) .