لؤي قور
ضمن فعالية رواق الوراقين استضاف اتحاد الكتاب السودانيين بداره بالخرطوم أمس السبت القاصة الجنوب سودانية “استيلا قايتانو” والأمين العام لاتحاد الكتاب القاص “عثمان شنقر” في قراءة نقدية لقصتيهما القصيرتين “أقتل نفسي وأحتفي” لاستيلا و”هذيان صاخب تحت وطأة الكينين” لعثمان شنقر، قدمها الناقد “الشاذلي جعفر شقاق” بحضور لفيف من كتاب القصة والمهتمين بالشـأن الثقافي، وصاحب الفعالية معرض للكتاب وفقرة أخرى تتعلق بتجربة الناشرين مع الكتابة.
وقرأ القاص “عثمان شنقر” قصته الموسومة بـ”هذيان تحت وطأة الكينين” على الحضور تلته “ستيلا” التي قرأت قصتها “أقتل نفسي وأحتفي”، وقال الناقد “الشاذلي جعفر شقاق” عن النصَّينِ القصصيين:(رأيتُ – كما يرى الهاذي أوالثَّمِل – أنَّ مقصدهما واحدٌ وإنْ اختلف المُنْطَلَقان ! رأيتهما يقفان مُتضادين، يولي كلُّ واحدٍ منها ظهرَه للآخَر لتغطِّي نظرتاهما الإتجاهين المتعاكسين ..ثم ينشطرُ كلُّ على حِدة داخل ذاته بين “أناه” و”آخَرِه”.فبينما كان يرصد “شنقر” ويُصوِّر تحرُّكات هذيانه، بل تُعلنُ نيَّته عن انقلابه العسكري الذي هو “الفعل” أو قُل فساد الحُكم وخطل الساسة وفجور أنانيَّتهم في ظلِّ غيابٍ كاملٍ للديمقراطية، كانت “اسْتيلا” تعمل مبضعها في “النتائج”؛ نتائج الفعل السابق أو بعض ثماره الوخيمة الموسومة تخفُّفاً بـ”الحرب الأهليَّة”، ربيبة الرعونة السياسيَّة كطفلةِ سِّفاحٍ مجهولة الهُويَّة داخل حضانة الشموليَّة!)
ومضى “شقاق” للقول:( وكان لا بُدَّ لـ “منصور” هذا في رحلة تنفيذ انقلابه، من أنْ يمُر – انطلاقاً من نيَّته الغارقة في الذاتيَّة والنَّفعيَّة – بمحطَّات التفكير المشوَّش الذي لايرى إلاَّ الغاية المنشودة مُتخطِّياً رِقاب الوسائل مهما تطاولتْ .. إذْ يتبدَّى ذلك من تصوُّر انضمامه إلى الجيش لا لحماية تراب الوطن طبعاً، إنَّما توطئةً لتنفيذ المخطَّط الانقلابي، مروراً بفكرة امتشاق السلاح والانضمام إلى الحركات المسلَّحة المُقاتلة للحكومة .. لا لقضيَّة يؤمن بها طبعاً ولا لأجل سواد عيون “المهمَّشين في الأرض”، ولكن للقيام بانقلاب على قائد الحركة ومن ثمَّ استلام الحكومة، أي الولوج إلى القصر الجمهوري من أوسع أبوابه عبر حمل السلاح، بل تجاوز أمر “منصور” ومشورات “أصدقاءه السُّكارى” إلى أبعد من ذلك إلى حيث مقترح العمل في تجارة السلاح وذلك لتوفير العملة الحُرَّة من جانبٍ وامتلاك الأسلحة المتطورة لتنفيذ الانقلاب! إذا كانت هذه طريق القعقعات والرزيم والذخائر الحاصدة للأرواح وشهيق اللهب الحارق؛ فإنَّها لا تصبُّ – قطعاً – إلاَّ في مصلحة الشيطان وإراقة الدماء الأخويَّة وكوالح الضغائن و عبثيَّة الفناء، حيث لا صوت إلاَّ صوت الرصاص ولا رائحة إلاَّ رائحة الموت الكريهة).
ويرجع “شقاق” للحديث عن قصَّة “قايتانو” فيقول:(لو تأملنا مجتزأ القصة “أنا أو بالأحرى جُثَّتي مُلقاة وسْط كومة من جثث أُخرى .أقول جثث أخرى كأني لا أعرفهم! طبعاً أعرفهم واحداً واحداً، هؤلاء إخوتي .. هذه أختي وفي حضنها صغير لم يكمل رضاعته ، وهذا أبي الضرير المزعج ، وذاك جارنا المتديِّن راكع في صلوات أبديَّة وفي يده إنجيل تلطلَّخ بالدماء . وذاك صديقي الذي تشاجرت معه بالأمس على كأس خمر فاسد. وهذا التاجر الإثيوبي صاحب الحانة المُرتجَلة بنهاية الشارع ، نشتري منه الخمر الرخيصة كـ “التاسكر” و”نايل سبيشل” و “سفن نايتس” ونمرح! انظروا كيف هو مرمي بإهمال والرعب مرتسم على قسماته التي بدأتْ تتورَّم الآن وتنتفخ.ويبدو أنَّه كان سيكون أكثر وسامة لو كان ممتلئاً كما الآن. كلنا مستلقون منذ عدَّة أيام أو أسابيع بطريقة مضحكة لا تراعي هيبة الموت”، نلاحظ أن انشطارُ “شنْقر” بدأ نتيجة صراعٍ داخل النفس البشرية الواحدة، في حين أنَّ تشظِّي “سْتيلا” هو نتاج صراع دمويِّ قاسٍ بين إرادتين بشريَّتين تنتميان إلى ذاتيْهما!).
(انظر إليها وهي تقول:” لقد رأيتُ نفسي أقتل نفسي دون رحمة ..كنتُ أنظر إلى أنا الآخر ، كان متخندقاً في بزِّته العسكرية القاسية ، مدجَّجاً بالسلاح وحزام من الرصاص المصطف كصليبٍ حول صدره . نظرتُ عميقاً في عيْنيه عساه يتعرَّف علىَّ ، وكنتُ اتوسَّل إليه ألاَّ يقتلني ..كنت خائفاً فجاءت ابتسامتي بلهاء وذليلة ..سألته : ألا تعرفني ؟ أنا …آآآه …أنا …آآآه. أنا أنت .!! قبل أن أكمل جملتي المبتورة حصدني بكم هائل من الرصاص بدم بارد واحتفى ، نعم لقد رأيتني أقتل نفسي واحتفي!”. وإنْ ضجَّتْ “أنا” إستيلا و”آخرها” حدَّ الصراخ و التوجُّع والتفجُّع والاستغاثة بلا مُغيث والترجِّي والتوسُّل أمام جبروت الموت وفظاظة انتزاعه للحياة لدرجة أنَّ القاتل والمقتول شئٌ واحد :” رأيتُ نفسي أقود جيشاً” و “كنَّا نحن الجيش والضحايا في آنٍ” و “يبدو أنَّهم أوأنَّنا أشعلنا ناراً في القرى المجاورة” و “كلَّما أطلقنا مجموعة من الرصاصات، أصبنا بنشوة فننتفخ إلى أن أتينا وهاجمنا أنفسنا وقتَل كلٌّ منا نفسه دون رحمة).
ومضى شقاق للقول:(غير أنَّ الحالَ أو المآل أكثرُ سوءٍ وبشاعة، ويتمثل في تحليقٍ تراجيديٍّ وفنتازيٍّ شاهقٍ لدى إستيلا حين تقول:”حلَّق النَّسر بعيني الواحدة التي رأتْ كلَّ شئٍ كنتُ احملق من عليائي على المشهد وأصبتُ بالأسى، نسور تحوم في السماء لهب يحرق كلَّ شئ الأشجار تبتلعها الأرض كما تفعل السلاحف بأعناقها ..وأراني .. بأمِّ عيني التي يأكلها النسر الآن أقتل إخوتي دون رحمة وأسرق أبي دون رهبة ، وأبيد عشيرتي دون رجفة واغتصب أختي بنشوة واقتل نفسي واحتفي!”).
واختتم شقاق حديثه بالقول:(أخيراً وإنْ كان عنوانا النَّصَّين ناجزين، أي مُوحِييْن بما في جُعْبتيْهما من أوٍّل وهلةٍ للقراءة فإن ذلك لم ينقص شيئاً من مُتعة انقيادك خلْف الفكرة، يحدوك إسلوبٌ شيِّقٌ ومقدرة فائقة على القص الذي يشفُّ عمَّا تحته من أورام القهْر الخبيثة ويكشف عن عورات التسلُّط البذيئة ومخلَّفاتها، وينحسر عن منابت السُّحْت المترهِّلة والجراح المتقيِّحة، ولكن كلَّ ذلك في ثوبٍ سرْديٍّ شفيفٍ، يجعلكَ تكتب بخطٍّ مُبين .. خذوا – يا هؤلاء – الحكمةَ من أفواهِ الهذيان والثَّمَل وسكرات الموت الزُّؤام!!)