خالد فضل
ظلت ممارسة الانقاذيين في السلطة تتسم بطابع إظهار التشدد في المواقف السياسية و الامنية , و لكن سرعان ما يتضح ان ذلك التشدد ينطوي على مساومة .
هذا السلوك ليس غريباَ على الاسلاميين ففي التكوين النفسي لمعظم كوادرهم ثمة ما يدل على سلوك تعويضي , و لا داعي لذكر التفاصيل , إذ نجد ان الابتزاز الاعلامي مثلاً يعتبر من الادبيات السائدة في اوساطهم و هذا يدل على غلبة روح المساومة في سلوكهم .
إبتدى عهدهم بإظهار التشدد و الغلو في تعصبهم الاسلامي , و محاولة مناطحة كل العالم , و لكن انطوى ذلك التشدد على روح المساومة فبعد ان كانت حكومتهم قبلة المتطرفين الاسلاميين من كل انحاء العالم , و تم إيواء اسامة بن لادن و إفساح المجال له و إجلاسه في الصفوف الامامية في احتفالاتهم العسكرية , و تقديم كل التسهيلات لامواله التي انداحت في شكل مزارع و شركات و اموال طائلة و تحت رعاية مباشرة من القيادة السياسية و الامنية , تمت المساومة مع اجهزة الاستخبارات الامريكية و السعودية , و كانت النتيجة طرد بن لادن ليعيش حزيناً و يموت وحيداً في جبال افغانستان و باكستان مخلفاً و راءه الدولارات و الريالات و الاليات و المعدات ليحوزها بعضهم و يسطع اسمهم كرجال اعمال يمتلكون الشركات و يبتنون الفلل الفارهة المطلة على ضفاف الانهار في قلب الخرطوم .لقد كان وراء التشدد و بلوغه تلك المراتب العليا مساومة فكلما تم إظهار مزيد من التشدد إرتفع ثمن الصفقة المقابلة .
في اعقاب صدور مذكرة التوقيف ضد الرئيس عمر البشير و اتهامه من جانب المحكمة الجنائية الدولية بالمسؤولية عن جرائم الحرب و التطهير العرقي و الابادة الجماعية و اغتصاب النساء في دارفور , كان الموقف المتشدد من جانب البشير هو طرد عشرات المنظمات الدولية التي كانت تعمل في تقديم الخدمات الانسانية و إغاثة ضحاياه من النازحين في دارفور , لقد بدا ذلك الموقف كتأكيد على ان السلطة الاسلامية في السودان لا تأبه اساساً بمصالح او ما يمكن ان يحيق من اضرار بشعبها , و قد لحظ ذلك السلوك كثير من الموظفين الدوليين الذين يعملون بالخرطوم في منظمات دولية كبيرة , إذ تجدهم يضطرون في مواقف كثيرة لغض الطرف عن الممارسات الفاسدة التي ترتكبها الحكومة بحجة ان هذه الحكومة غير معنية بمصالح و هموم شعبها و يمكنها ببساطة منع تلك المنظمات من تقديم الخدمات التي يحتاجها ملايين السودانيين فقط كمظهر من مظاهر التشدد الذي تعقبه مساومة من نوع ما . و لذلك تقبل بعض الجهات الدولية التعايش مع الفساد بنظرية (المال تلتو و لا كتلتو) . و قد ادمنت السلطة تلك الممارسة بحيث اصبحت كسياسة معتمدة باستمرار , إذ كل ما حدث موقف يتطلب منها تقديم حلول ناجزة لقضايا الوطن و ما يتبع ذلك من اجراءات تحد من سطوتها و تضر بمصالح بعض منتسبيها اظهرت من التشدد و الاجراءات التعسفية ما يجعل الطرف الآخر منهمكاً في محاولات إعادتها للنقطة الاولى , من ذلك الموقف المتشدد للرئيس البشير ضد الوساطة الافريقية الخاصة بالتفاوض لوقف المأساة الانسانية الناجمة عن استمرار الحرب في دارفور و جبال النوبة و النيل الازرق من ما نسف عملياً دور لجنة امبيكي و جعلها تبحث عن طريقة ترضي بها حكومة البشير لتعود إلى طالة التفاض .
ظلت السلطة و جهاز الامن تضيق الخناق على الصحافة في الخرطوم حتى تم تدجين معظم الصحف بل تم إحتواء بعضها تماماً و تتبيعها لجهاز الامن و تعيين بعض الكوادر الامنية في قيادتها , مع مواصلة التضييق على الصحفيين و الكتاب الذين لم يخضعوا لسلطانهم , و تفيض تقارير الجهات و المنظمات الوطنية و الاقليمية و الدولية برصد وقائع تلك الممارسات و إدانتها بما في ذلك التوصيات المتكررة الصادرة عن آلية المراقبة الدورية الشاملة التابعة لمجلس حقوق الانسان في الجريف بشأن اوضاع حرية التعبير و الصحافة في السودان , تواجه السلطة تلك الادانات بمزيد من التضييق على حرية الصحافة و النشر في الخرطوم بل تتمادى في تشددها ضد صحافة الانترنت و وسائط الاعلام السودانية التي تبث برامجها من خارج السودان مثل راديو دبنقا و محاولة ملاحقة احد مؤسسي موقع صحيفة الراكوبة الوليد حسين , و بمحاولة التشويش على المواقع السودانية الاخرى و مواقع التواصل الاجتماعي و تطبيق التراسل الفوري (واتساب) و محاكمة رئيس حزب المؤتمر السوداني بام روابة بناء على تداوله لبعض الرسائل التي تناهض سياسات الحكومة , و ما اذيع مؤخراً عن تسليم السلطات السعودية لثلاثة من المواطنيين السودانيين المقيمين على اراضيها للسلطات الامنية في الخرطوم لانهم من النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي .كما ان السلطات السودانية و في إطار سياسة المساومة بإظهار التشدد تمارس التضييق على المسيحيين في السودان و تتعدد الممارسات التعسفية ضدهم من اعتقال القساوسة و اقتياد بعض الشابات إلى مخفر الشرطة في ضاحية العزبة شمال الخرطوم بحري لحظة خروجهن من الكنيسة بحجة (النظام العام) , و هدم بعض الكنائس و منع قيام كنائس جديدة بحجة عدم الحاجة لها , و كذلك ما لحق بمدارس الكنائس السودانية و على رأسها مدارس كمبوني بالخرطوم و التي ظلت إجازتها الاسبوعية في يومي الجمعة و الاحد منذ تأسيسها قبل نحو 80 سنة حيث تم منعها مؤخراً من العمل في يوم السبت الذي يعتبر يوم عطلة رسمية في الدوائر الحكومية علماً بان الكثير من مؤسسات القطاع الخاص لم تلتزم بعطلة يوم السبت منذ إقرارها قبل سنوات , يمكن النظر إلى هذا القرار كمظهر من مظاهر التشدد الذي تمارسه الحكومة وهي تقدم على ابرام صفقات مساومة مع اطراف خارجية تقلقها كثيراً مثل هذه الممارسات .
إن استمرار إيواء العناصر المتطرفة , كما يظهر في حوادث التفجيرات في الشقق السكنية في احياء الخرطوم المتفرقة يتضمن رسائل واضحة لاجهزة الاستخبارات الدولية بان الحاجة لعقد صفقات مع الحكومة السودانية حاجة لا تنقضي , ففي بعض الاحيان يتم التعاون مع العصابات لدرء شرورها , و النظام السوداني الانقاذي اثبت دوماً انه من سلالة العصابات .