لؤي قور

حوارات (1975- 2001):
صدر مؤخراً عن مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي كتاب (حوارات “1975 – 2001″) للتشكيلي السوداني الدكتور ” عبدالله بولا ” من جمع وإعداد زوجته السيدة “نجاة محمد علي” ويقع الكتاب في (180) صفحة من القطع الكبير.
ضم الكتاب مجموعة حوارات كانت قد أجريت مع “بولا” خلال تلك الفترة ووضعت في الجزء الأول منه، بالإضافة لحوارات أجراها “بولا” نفسه مع عدد من التشكيليين والمبدعين وضعت في جزءه الثاني، وكان أبرز الحوارات هو ذلك الذي أجراه الصحفي الراحل “سامي سالم” مع “بولا” وهو يعمل مبضع النقد في فكر مدرسة الخرطوم للتشكيل فقدم “بولا” لحديثه عنها بقوله:
(كانت قضية رد الإعتبار الثقافي التي داسها الإستعمار، في مقدمة القضايا المعروفة في جدول أعمال حركة التحرر، ولقد تولدت عن ذلك حركات كبرى كحركة “الزنوجة” في منتصف الثلاثينيات، وحركة القومية العربية، و”الفينيقية”، و”الفرعونية”، وحركة “الإنكا” في أمريكا الجنوبية. وأنكر الإستعمار على شعوب العالم الثالث أي تاريخ ثقافي أو حضاري وتعلل بنعتها بالشعوب المتوحشة حيناً، والبدائية حيناً آخر، وادعى الإطلاع بمهمة تمدينها، فدعوة إعادة الإعتبار للثقافات الوطنية مشروعة بالنسبة لبلدان العالم الثالث، بل وضرورية كيما تخطو شعوب العالم الثالث خطوة في اتجاه بناء نهضتها الإجتماعية والثقافية لتخرج مساهماتها الخاصة الخلاقة إلى دائرة الضوء والتي إفترى عليها المحتل وأخمد شعاعها بالمدفع والمكيدة، بالطرق الخشنة، والناعمة).

أيدلوجيا السودنة:
وبحسب “بولا”، فقد ولدت مدرسة الخرطوم في هذا الشرط، وورثت منه مرض ولادتها، فجاءت متناقضة، ومرتجلة، تنتقي من هنا، وتستعيد من هناك دونما اتساق ولا منهجية. فهي بنت المؤسسة الأم، مؤسسة أيدلوجيا “السودنة”، ويفرق بولا بين مفهومي السودنة والإستقلال فيقول:(السودنة في حقيقة الأمر ليست الإستقلال، إنما هي صيغة أخرى من صيغ الحكم غير المباشر الذي ابتدعه الإنجليز، وطبقوه قبل خروجهم حين منحوا بعض السلطات لزعماء العشائر الموالين لهم، وواصلوه بعد خروجهم في شكل دولة “البرجوازية الوكيلة” ذات الإقتصاد المرتبط بصورة كاملة بإقتصاد الإستعمار).

أصالة زائفة:
ويعتقد “بولا” أن إهتمام “غرينلو” و”دينيس ويليامز” و”أولي باير” بمدرسة الخرطوم وخلق فن ذي ملامح سودانية أصيلة يأتي من هذا الباب. وقد استلمت مدرسة الخرطوم هذه الدعوة لـ”الأصالة” دون فحصها، هذا إذا كان من الممكن التسامح مع هذه البراءة في بداية الأمر باعتبار أن مؤسسيها كانوا في بداية عهدهم بنشأة مؤسسة أكاديمية، وبقضايا المنهج، والبحث. وفيما بعد، عندما طرحت مسألتها للحوار، وكشف النقد عن أنها ليست بريئة تماماً، أمكن القول أن رواد مدرسة الخرطوم شاركوا في التشويش والتضليل الأيدلوجي الذي مكر بحركتنا الثقافية والإجتماعية، وما زال يمكر بها حتى اليوم باسم “الذاتية” و”الأصالة السودانية”، وأن هذه المؤسسة محركة بوعي وبغير وعي من الأيدلوجيا الإستعمارية الجديدة “النيوكولونيالية”، بمعنى أنها استندت على تعريفات الأيدلوجيا “الكولونيالية” ومنهجها وتوصياتها في طرحها المجرد واللا تاريخي لقضية الإحياء الثقافي للذاتية السودانية، كونها تطرح ذلك دون دراسة للواقع الثقافي، ودون أن تربط كل هذا بقضية التغير الإجتماعي.

صفقة أيدلوجية:
وبحسب “بولا” فإن رسومات مدرسة الخرطوم الأولى تصدر مباشرة من متاحف “الإثنوغرافيا”، ومن عقليتها وبواعثها ومن حركة الإستشراق الأفريقية مروراً بالسياحة ونهاية بتجارة الرقيق والإحتلال. يقول “بولا”:
“أجدني هنا مهتماً بفكر مدرسة الخرطوم، وبتبيان صفقة الأيدلوجيا فيها. نحاول أولاً أن نجد النسق، حتى لا ننزلق إلى الإدانات الشخصية المجردة من الشروط، فقد كانت الصفوة اليمينية – بنت “الإنثلوجيا” – هي الأخرى تطرح قضية الإستقلال باعتبارها مرادفاً لخروج المحتل “الفيزيائي” فقط، كأن الجلاء يكفيها ليكون استقلالنا قد تحقق. ولم تتضمن برامجها أي إشارة للتصفية الإقتصادية للإستعمار، ولا إلى طبيعته الصحيحة، كونه في الأساس نتاج لمنهج إقتصادي وبنية إجتماعية شاءت الشروط التاريخية أن تكون أوروبا مسرحها الجغرافي، ولم تكن أمامها قضية مطروحة للمعالجة” قبل أن يستطرد “بولا” ساخراً:”خرج المحتل .. فيا للسعادة ويا للأصالة”

صيرورة تاريخية:
وتبدأ ساعة الإقتسامات الكبيرة “يقول بولا عن مرحلة ما بعد الخروج الفيزيائي – كما سماه – للإستعمار”، إقتسامات الغنيمة الفضلى، التي توجد بها مراكز الإنتاج الصناعي الأوروبي، حتى يتسنى لسكان “العالم الثالث” شرط البقاء الضروري لإنتاج المواد الخام، وتنشأ مدارس فلسفية وأدبية لتمجيد “البراءة الأولى”. ويبدو من ظاهر الأمر أن “مدرسة الخرطوم” اهتمت بالصيرورة التاريخية للثقافة السودانية بأبعادها الثلاث: الماضي، والحاضر، والمستقبل. وهو ما وصفه “بولا” بالتظاهر الكاذب والإنتقائية النابعة من طبيعة تركيب مدرسة الخرطوم، وشرطها، وموقفها التاريخي من مجمل القضايا والمهام والواجبات التي تطرحها قضية الإستقلال الحقيقي والنهضة الثقافية الحقيقية التي هي في ما يلي الإستقلال “قطع” الجذور التي تربطنا بالإستعمار، وتصفية وجوده الإقتصادي، وانعكاساته ونتائجه. وهي في ما يلي النهضة الثقافية التأسيس الدستوري للتطور الحر لثقافات المجموعات العرقية المختلفة، ولحرية البحث والنشر والحوار، والمساءلة التي تقوم على ضوابط الرقابة الشعبية، وأن تكون الجماهير المنتجة للثقافة هي صاحبة القرار. والحال إن “الصفوة اليمينية” مكرت بكل ذلك، فالحكم النيابي كان نوعاً من “الفهلوة”، يصادر باسم الشعب كل حق للشعب في اتخاذ القرارات. وتحاصر حرية البحث والفكر باللازمة الشهيرة “هذا لا يتماشى مع عاداتنا وتقاليدنا”، وتفرض بموجب الدستور لغة واحدة كلغة رسمية للبلاد.
أصول التشكيل السوداني:
وفي ثنايا حواره مع “سامي سالم” يلفت “بولا” النظر إلى أنه لم يُنجز ولا بحث واحد يتقصى أصول الظواهر التشكيلية في السودان، ولم يُدون ولو جزء يسير منها. كونهم كانوا يقررون بعشوائية “سودانية” الموجودات التشكيلية أو عدم سودانيتها دون بحث مقارن، ودون تحقق أو تحقيق.
يقول بولا:(بهذا الأفق اُعتبر “اللوح” مثلاً، أحد الملامح الخاصة والمميزة للثقافة السودانية. ولو أن أحدهم ألقى نظرة خاطفة خارج الحدود، لتبين له أن “اللوح” جاءنا من المغرب، وأن الإعتداد والإستعلاء بالخصوصية لو كانت مسألة سبق تاريخي، فقد سبقنا المغاربة إلى هذه الصناعة بزمن طويل. ونفس الشئ يمكن أن يقال عن الثوب، والجبة المرقوعة، و”المتروزة” و”الشرافة” و”قباب الأولياء”، وغيرها. وكل هذا يمكن التثبت منه في المتحف الأفريقي، والمكتبة الوطنية بباريس، أو المتحف البريطاني بلندن، التي درسوا فيها، مجموعة مخطوطات من المغرب، والعراق، “تتطابق حرفياً مع مجموعة مخطوطات إطلعت عليها في زيارتي الأخيرة للسودان، وهذه بالطبع حركة تبادل ثقافي طبيعية، ومشروعة. فالممارسة التشكيلية في السودان تحولت في منظور “مدرسة الخرطوم” إلى حفنة وحدات لا تني تتكرر، وتستهلك ذاتها).