“The Post American World”
المؤلف: فريد زكريا
الناشر: دبليو دبليو نورتون وشركاؤه _ نيويورك، الولايات المتحدة.
الطبعة الثانية 2012
عرض: صديق عبد الهادي
(1)
يقع الكتاب في 314 صفحة من الحجم المتوسط. حظي الكتاب بعرض وباشاراتٍ من كبرى الصحف الامريكية، مثل، الانكويرير بفلادلفيا، نيويورك تايمز، جريدة وول إستريت بنيويورك، بوسطن سنداي قللوب، الواشنطن بوست، الفورين آفيرز، سياتل تايم، البوست غازييت بستبيرج، جريدة الاندبيندت وكذلك القاردين اللندنيتين، هذا بالاضافة إلى تناول عدد من الاقلام المشهورة لمثقفين واقتصاديين من اولئك المهتمين بالإنتاج الفكري على وجه الخصوص.
جاء الكتاب منطوياً على كثير من المعلومات، ثم ان عرضها وتحليلها كانا شيقين. وبرغمه غلب على الكتاب النفس الصحفي في بعض أجزائه، وقد يكون ذلك بحكم طبيعة عمل وخبرة المؤلف. وبالطبع، مما هو معلوم أن لفريد زكريا برنامج ناجح ومحضور عبر قناة الـ CNN، يقدمه في يوم الاحد من كل اسبوع. وهو البرنامج المعروف باسم GPS.
إن الملاحظة الاولى تجئ حول عنوان الكتاب، لا اقول ان لا علاقة له بمحتوى الكتاب، وإنما قد لم يكن دقيقاً. فالاثارة التي تتبدى من بين كلماته قد يكون لها منحى او مرمى تسويقي!، (وقد يكون ذلك مرتبط أيضاً بطبيعة عمل المؤلف)!. فمن الوهلة الاولى، وبالنظر للعنوان، يعتقد القارئ بان هناك تنبوءاً ما بانهيار امريكا!، ولكن المؤلف وكأنه يعلم، ومن ثم يستدرك، بانه بالفعل اعطى القارئ ذلك الانطباع، نجده ومن السطر الاول في مقدمة الكتاب يقول بان هناك حوار جاري بين الناس حول تراجع وانهيار امريكا الا ان ذلك امر إعتقاده صعب. فليس ذلك وحسب وانما يؤكد الكاتب في مطلع الفصل الاول وبالحرف الواحد قائلاً، “هذا الكتاب ليس عن إنهيار أمريكا وإنما عن نهوض الآخرين”. وعبارة “نهوض الآخرين”، هي عنوان الفصل نفسه!، كما وانها هي الفكرة الاساس التي تمثل مرتكز الكتاب. فلذلك لا يطول انطباع القارئ كثيراً، بل وقد يكون اقصر انطباعٍ لقارئ عن كتابٍ قط!.
(2)
إنه، وكمدخل لطرح فكرته الاساس يشير المؤلف الى ان هناك ثلاث تحولات جذرية في القوى تمت خلال الخمسمائة سنة الماضية، وكان ان اعادت تلك التحولات صياغة وتشكيل الحياة الاقتصادية والسياسية والثقافية في العالم. وهي، اولاً، نهوض العالم الغربي، والذي انتج الحداثة، متمثلة في العلوم والتكنولوجيا والتجارة، و”الرسمالية”. ثانياً، التحول الذي تم على نهايات القرن التاسع عشر، وهو نهوض وبروز الولايات المتحدة الامريكية كاعظم قوى منذ عصر روما، وكاقوى امه في التاريخ المعاصر، واما ثالثاً، فهو ما نشهده الآن من “نهوضٍ للآخرين”.
إن التحول الاول والثاني مفهومان، ولكن مايحتاج للوقوف هو التحول الثالث، “نهوض الآخرين”.
اشار زكريا الى حقيقة الاقتصادات الناهضة والمتسارعة في تطورها، وهي البرازيل، روسيا، الهند، الصين وجنوب افريقيا، والمعروفة إختصاراً بـ “بريكس”، “BRICS” . وحسب اطروحته فهو يرشح دولتين لمواكبة امريكا في نهوضها الحادث. والدولتان هما الهند والصين. وفي سبيل الاقتراب من فرضيته يشير الكاتب الى ثلاثةٍ من حقائق الاقتصاد السياسي الكبرى، الاولى هي التحرك التاريخي الاول لراس المال من اوربا الى الاراضي الجديدة، حيث تمت “مصنعة” الولايات المتحدة أو تصنيعها، وبالمثل المانيا في اوربا. الحقيقة الثانية، التحرك العكسي لرأس المال من الولايات المتحدة إلى اوروبا وشرق آسيا، حيث تم إستنهاض اوروبا من تحت رماد الحرب العالمية الثانية. ونهضت كذلك اليابان كدولة صناعية غير غربية، حققت نسبة نمو 9% سنوياً ولمدة 23 عاماً على التوالي!. واما الحقيقة الثالثة، فهي تحرك وتنقل رأس المال الغربي عموماً عبر العالم وخاصة تجاه آسيا، حيث انه وبالنتيجة نما إقتصاد العالم في ما بين 1990 و2010 من 22,1 تريليون دولار إلى 62 ترليون دولار، وزادت التجارة العالمية بنسبة 267%. وأن الاقتصادات الناهضة المشار اليها سلفاً اسهمت بما يقارب النصف في ذلك النمو، وهي الان تساهم بما يعادل 47% منه. وهي مساهمة فعلية وليست ظاهرة عابرة، وكما صاغها الكاتب: “Which means that this is not an ephemeral phenomenon”P21.
وفي تلميحة ذكية إلى ان الحراك هو صنو التطور وبان العلاقة جدلية بينهما قال، بانه بقدوم السفن في القرن الخامس عشر اصبحت البضائع والسلع في حراك، وبظهور البنوك الحديثة والمصارف في القرن السابع عشر اضحى راس المال متحركاً ايضاً، واما في عصرنا الراهن فقد اصبح العمل هو المتحرك. وفي ذلك اشار الى ظاهرة “تهجير” أو “نقل” الاعمال التجارية بمصانعها وخدماتها حيت توجد العمالة الرخيصة، وهو مما يعرف بــــــ “Outsourcing of work opportunities” ، اي هجرة او نقل فرص العمل من البلدان الصناعية إلى البلدان الفقيرة!. بالطبع في هذا المقام تبرز الكثير من قضايا الاقتصاد السياسي المتعلقة بالاستغلال والتي تحتاج التشريح والفحص والتقويم. ولكن مما يلاحظه القارئ ان تلك القضايا بالتحديد لم تكن جزءاً من اهتمام الكاتب، او على الاقل لم يعبأ بالوقوف الواجب عندها!.
(3)
يرى الكاتب ان دولة الهند، وبإعتبارها احدى الدول الناهضة، تمثل الدولة الاقرب لامريكا وذلك لاعتبار مشتركات عدة، منها رسوخ النظام الديمقراطي والتنوع العرقي والثقافي الذي يسم الدولتين، الهند وامريكا. وفي معرض التقارب بين البلدين اشار الكاتب الى مسحٍ لقياس الانطباع تجاه امريكا تم إجراؤه في ستة عشر دولة في العام 2005، فكانت النتيجة ان 71% من المشاركين في الهند ابدوا انطباعاً ايجابياً تجاه امريكا.
وعلى الجانب الاخر ياتي نهوض الصين، وهو نهوض مقلق. إذ تمددت الصين وخاصة في الجانب الاقتصادي عبر العالم، وكادت ان تاخذ الريادة في اختراقها بعض المناطق في العالم، كافريقيا مثلاً. وفي سبيل ذلك فهي لا ترعى اي قيود، وذلك هو ما يجعل نهوضها “مقلقاً”. ويشير زكريا إلى ما كتبه “موسيير ناييم” المحرر السابق في مجلة “السياسة الخارجية”، وذلك حول التفاوض الذي كان يجري بين الحكومة النيجيرية والبنك الدولي، في عام 2007، بخصوص قرض قيمته 5 مليون دولار لاجل تطوير مرفق السكك الحديدية. إشترط البنك الدولي ان تقوم الحكومة النيجيرية بخطوات لاجل القضاء على الفساد البيروقراطي في هذا المرفق قبل إجازة القرض. وكاد ان يتم التوقيع على الاتفاق غير ان تدخل الصين حال دون توقيعه، بل واوقفه، حيث انها اعطت، أي الصين، الحكومة النيجيرية قرضاً بمبلغ 9 بليون دولار لاعادة بناء كافة مرافق السكك الحديدية وبدون اي شروط مسبقة، او إجراء اي اصلاحٍ فيما يخص الفساد البيروقراطي المشار اليه!.
للكاتب زكريا قناعة كبيرة بانه ليس هناك ما يهدد سيادة امريكا على العالم. ولو وُجِدَ، فانه ليس بكبير. وتمثله، على اية حال، ثلاثة دول، وهي ايران في منطقة الخليج والشرق الاوسط، فنزويلا في امريكا اللاتينية وروسيا في في منطقة اوروبا واسيا. اشار الى السودان والى ما يخلقه من مشاكل في دارفور ولكنه اسقط اهميته في ان يكون مهدداً، وذلك بسبب فقدان السودان لعائدات البترول. وفي حقيقة الامر وفيما يخص السودان فقد اصبح الامر على العكس تماماً حيث انه قد تمَّ تدجين السودان الان، واضحى ملحقاً بالمشروع الامريكي وبهيمنته!.
من اكثر النقاط المثيرة للانتباه هي ان اجرى فريد زكريا مقارنة تاريخية ذكية بين حالتين مهمتين في التاريخ المعاصر، وهما وضع بريطانيا حينما كانت تسود العالم كامبراطورية لا تغيب عنها الشمس وبين حالة امريكا الان كاكبر قوى اقتصادية وسياسية وعسكرية في هذا العصر. عاشت بريطانيا عظمتها إلى ما قبل نهايات القرن التاسع عشر، حيث كانت تنتج 30% من اجمالي الانتاج المحلي العالمي وتقوم بــإدارة 20% من تجارة العالم، و بتصنيع 40% من البضائع التجارية وتستهلك من الطاقة ما يعادل 5 مرات مما تستهلكه امريكا وبروسيا وقتها!. أنجزت بريطانيا كل ذلك بعدد سكان يساوي 2% من سكان العالم حينها!. بدأ تدهور الامبراطورية البريطانية مع خوضها لحرب البوير في جنوب افريقيا والتي انتهت في العام 1902، والتي لم تستطع بريطانيا ان تحقق فيها نصراً حاسماً كما فعلت في معركة كرري بامدرمان، وكما كانت تتوقع!. كان ذلك هو الوقت الذي بدأت فيه امريكا تخطو عملياً نحو ان تكون قوى مؤثره.
(4)
يقول المؤلف بان المصير الذي واجه الامبراطورية البريطانية والذى انعكس في انكماشها وزوالها كامبراطورية، ولان تصبح بعد ذلك مجرد دولة كبرى من ضمن عدد من الدول الكبرى الأخرى، إن هذا المصير، حسب رأيه، لا ينتظر امريكا. وذلك لجملة اسباب، منها ان الريادة الاقتصادية لامريكا استمرت اكثر من البريطانية، فامريكا تقود العالم اقتصادياً لاكثر من 130 عام حتى الآن، فقد كان نصيبها من إجمالي الإنتاج المحلي للعالم يكاد ان يكون كما هو وظل الأعلى في العالم، 32% في عام 1913، 26% في عام 1960، 22% في 1988، 27% في عام 2000،و 26% في العام 2007 (ص198).هذا اولاً، ثم ثانياً ان امريكا تنفق 50% من انفاق العالم في مجال الدفاع، وخاصة في مجال البحث. وثالثاً، قيادتها للعالم في مجال العلم والتقدم التكنولوجي، مثلاً ظلت امريكا تتحصل على براءات إختراع في مجال النانوتكنولوجي بقدرٍ يفوق ما تتحصل عليه بقية الامم مجتمعةً!. وذلك مما اعطاها القدرة في تحويل المعرفة المجردة إلى منتجات مادية. وعند هذا المقام اقتطف زكريا قول البروفسير “بياترا ريفولي”استاذ التجارة الدولية في جامعة جورج تاون حيث قال للنيويورك تايمز، “تذهب القيمة إلى حيث توجد المعرفة”. ولهذا السبب افرد الكاتب في الفصل السادس جزءاً خاصاً بالتعليم باعتبار انه اهم قطاع بالنسبة لامريكا، وفي هذا الصدد جاء بمعلومات وإحصائيات مذهلة وفي غاية الاهمية. وفي حقيقة الامر يعرض الفصل السادس لمكامن قوة امريكا. وهو من اهم فصول الكتاب. ولكن وبرغمه، يظل الجزء الذي كتبه تحت العنوان الجانبي، “الغربنة” ، “Westernization”، من اجمل ما كتب من إضاءات تاريخية ضرورية.
بالرغم من ثراء ما عرضه فريد زكريا في كتابه الا ان القارئ قد يلاحظ بانه لم يتوقف وبحس نقدي عند حقيقة إستخدام امريكا لهذا التفوق لاجل تسبيب كثير من الكوارث والألام للبشرية جمعاء. إذ انها وبقدر ما تقف جمعياتها الشعبية والأهلية على رأس العالم في مجال العون الانساني إلا ان إداراتها الحاكمة لا تُنافس في مجال إدارة الشر وقيادته، ونشر الخراب، وإحالة حياة شعوب باكملها إلى جحيم.
في معرض كتابته عن ظاهرة وجود القطب الاحادي على مستوى العالم، والذي تكرر في التاريخ المعاصر، إذا كان في حالة الامبراطورية البريطانية او حالة “العالم الامريكي” الآن، كاد ان ينزلق الكاتب للدعوة المبطنة بــ”ضرورة” وجود “دكتاتورية ما” على مستوى العالم، وهو ما اراد ان يبرر له بقوله:
“Although both made many mistakes, the stability of the system and the success of the world economy and the open societies it created are an extraordinary legacy of Anglo American hegemony”(P267).
(5)
ومما قد يستوقف القارئ ايضاً قولٌ عابرٌ للكاتب، صاغه وبجرأة غير مسنودة، حول المفكر كارل ماركس، إذ وصفه بانه “إقتصادي ضبابي” او “مفكر آيديولوجي غير دقيق” مع الإقرار له بانه، اي ماركس، عالم إجتماع موهوب!.
إنه، ومن الإنصاف المعرفي، لا يستقيم الذج برأي مقتضب كهذا في حق مفكرين كبار من امثال ماركس. الذي جاءت جل مساهماته، وكما هو معلوم، لاجل اجلاء الضباب عن الفكر، وخاصة على صعيد الإقتصاد!. يعتبر كارل ماركس، إذا كان من باب الاتفاق او الإختلاف معه، واحداً من مفكرين قلائل يصعب القول بضبابية ما انجزوه في مجال الفكر عموماً، هذا إن لم يكن من الإستحالة بدءاً.
وفي الختام، اعتقد ان فريد زكريا كتب كتاباً مهماً وذا قيمة، يستحق الاطلاع عليه. جاء فيه بكثير من المعلومات، التي تمكن من توظيفها وبشكل موفق في ان تجعل افكاره واطروحاته اكثر تماسكاً.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ.
(*) كنت اود ترجمة عنوان الكتاب بـ “ما بعد العصر الامريكي”، ولكني تراجعت الى ما هو حرفي، حتى لا يكون هناك تجني على العنوان وعلى ما اراده المؤلف. ورأى الاخ عبد الله ميرغني، الذي إطلع على المقال، بامكانية ترجمة العنوان بـ”ما بعد الحقبة الامريكية”، وهي في إعتقادي ترجمة اكثر جذباً من غيرها.