د. الواثق كمير

مُقدِّمة:

انفجرت الخلافات الكامنة والمتراكمة وسط القيادة “الثلاثية” الانتقالية للحركة الشعبية شمال، فور الإعلان عن استقالة نائب الرئيس، الفريق عبد العزيز آدم الحلو، التي قدّمها إلى مجلس تحرير إقليم جبال النوبة في 6 مارس 2017. تجلّت هذه الخلافات في شكل صراعٍ سافرٍ على مقاليد الأمور في الحركة، وانقسام بائن على مُستوى القيادة، تنزل بدوره إلى القواعد التي انشقت إلى فريقيْن، أحدهما يقف مع هذه القرارات بوصفها “خطوات إصلاحية” مطلوبة، بينما يرفضها الفريق الآخر لمفارقتها “الشّرعية الدستورية”، بل ومشروع السُّودان الجديد برمته. فقد تضمّنت قرارات المجلس هذه، الصادرة عن اجتماعه المطول 6 – 25 مارس 2017، رفض الاستقالة بالإجماع، وعزل الأمين العام وتجريده من كل سلطاته التنفيذية وصلاحياته التفاوضية، وحل وفد التفاوض الذي كان تحت إداراته لست سنواتٍ خلت 2011 – 2017، والمُطالبة بحق تقرير المصير، والدعوة إلى مؤتمر عام استثنائي في غضون شهرين، الذي لم تسعفه الأحداث ليرى النور بعد، يتم خلالها إعداد مسودتي المانيفستو والدستور.

الخلافات التي عصفت بوحدة القيادة “الثلاثية” الانتقالية تبدو مُفسّرة لنفسها بنفسها

 

وإلحاقا للإساءة بالأذى، جاء اعتماد مجلس تحرير إقليم جبال النوبة لقرارات رَصيفه بالنيل الأزرق بإعفاء رئيس الحركة من موقعه، وكأنّه سقط سهواً من قرارات مارس، بل ومنع رئيس الحركة وأمينها العام المُقاليْن من دخول الأراضي المُحرّرة، بما يعده العديد من المراقبين بمثابة إهانةٍ بالغةٍ وازدراء للزمالة وخفة برفقة النضال وعُشرة الأيام. وهكذا، توافق المجلسان على تنحية اثنين من القيادة “الثلاثية”، وتَعيين القائد عبد العزيز رئيساً وقائداً عاماً للحركة الشعبية والجيش الشعبي. واكتملت الصورة، تكريساً للانقسام بانحياز هيئة أركان الجيش الشعبي إلى قرارات مجلسي التحرير وتأييدها لتنصيب القائد الحلو في هذيْن الموقعيْن.

تهدف هذه المُساهمة المتواضعة إلى تحرير الخلاف الناشب في الحركة الشعبية شمال، وذلك باستعراض حُجج ودفوعات طرفي النزاع، ومُناصِري كل مُنهما، وإلى تحري الخيارات المُتوفّرة، ولو أنّها تبدو محدودة، لتجاوز الخلاف، واستشراف آفاق مستقبل الحركة ووحدتها. وتتبع الورقة نهجاً للتحليل يضع في الاعتبار بعض المُوجِّهات المنهجية، وبطرح فرضيات رئيسة، ويختبر نقدياً بعض المفاهيم السّائدة في خطاب الحركة الشعبية لتحرير السُّودان، منذ مرحلة التأسيس.

إن تحرير الخلاف وتحري خيارات الحلول، لن يستقيم ولن تُثمر نتائجه عن معرفة جديدة لفهم طبيعة وأبعاد الصراع الراهن إلاّ بدراستها في سياق التطور التاريخي والسياسي للحركة الشّعبية. خارج هذا السّياق، فإنّه من الصعب، إن لم يكن من المُستحيل، أن يُدرك طرفا الصراع ومؤازروهما تداعيات هذا الخلاف على مُستقبل الحركة ووحدة قواعدها، بما يضيق من خيارات الحُلول، ويعيد إنتاج تجارب الماضي.

تحرير الخلاف

لَعَلّ الخلافات التي عصفت بوحدة القيادة “الثلاثية” الانتقالية تبدو مُفسّرة لنفسها بنفسها، إذ لم تخلُ البيانات المتواترة من طرفي النزاع عن طَرق كُلٍّ منهما بشدة على رؤيته لأسباب الصراع، وتقديم كل منهما لدفوعاته وحُججه، وبذل تصوره للحل. فقد أضحى من المُسلّم به، أنّ كل قرارات مجلس تحرير جبال النوبة، شكّلت ترجمة عملية لأطروحات القائد عبد العزيز الحلو عن أزمة القيادة، وانتقاده بشدة لرفيقيه، رئيس الحركة وأمينها العام، لدرجة فقدان الثقة فيهما وعدم رغبته في العمل المشترك معهما.

في معرض تحريره لحيثيات الاستقالة، لخّص القائد عبد العزيز نقاط الخلاف في خمس قضايا رئيسة، تضمّنت: العجز عن مُراجعة المانيفستو والدستور، انعدام المؤسسية (المجلس القيادي، مجلس التحرير القومي، الأمانة العامة)، فشل إعلام الحركة في التعبير عن الرؤية، الخلل في العلاقات والمَكاتب الخارجية، وتخفيض سقف التفاوض بتقديم تنازلات جوهرية.

ومع ذلك، يكمن جوهر الخِلاف في ما صاغه الفريق عبد العزيز في مقدمة خطاب الاستقالة، قبل تحديده لهذه النقاط الخمس، حول موقفه من ثلاث قضايا رئيسة، أولها: الكِفاح المُسلح كخيار رئيس، إن لم يكن وحيداً، لتحقيق مطالب شعب إقليم جبال النوبة (فهُم المخاطبون بالاستقالة)، يترجم في موقف تفاوضي مفاده الإبقاء على الجيش الشعبي لمدة عشرين سنة. وثانيها: حق تقرير المصير لشعب الإقليم حال تعذر قيام سودان علماني ديمقراطي موحد على أسس العدالة والمساواة والحرية، وثالثها: إعادة النظر في خريطة تحالفات الحركة الشعبية شمال بما ينسجم مع تعريف الفريق عبد العزيز لطبيعة الصراع الدائر بالبلاد. حقاً، فإن “عدم استشارة المؤسسات القاعدية، بالذات في القضايا المصيرية، خاصة في ما يتعلق  بمطلب حق تقرير المصير والحكم الذاتي ومصير الجيش الشعبي”، هو ما دفع مجلس تحرير إقليم جبال النوبة لاتخاذ قرارات في القضايا القومية والمصيرية.

الخلاف حول القضيتين الاستراتيجيتين: مصير الجيش الشعبي وحق تقرير المصير  يعود إلى ست سنوات مضت

 

لن تتطرّق الورقة إلى الخلافات حول القضايا التنظيمية، المتصلة بالمانيفستو والدستور، غياب الهياكل التنظيمية، والخلل في العلاقات والمكاتب الخارجية. وذلك ليس لعدم أهميتها، بل لأنّ هذه القضايا ليس موضوع خلاف بين نائب رئيس الحركة ورئيس الحركة وأمينها العام، إذ يعترف بها الطرفان ويتفقان على أنّ مُخاطبتها ومعالجتها ينبغي أن تتم بعقد مؤتمر عام استثنائي، ولو لكل طرف تصوره لكيفية تنظيمه. ومن جهة أخرى، تسببت هذه القضايا في خلق حالة مُرتبكة ومُربكة لكوادر وقواعد الحركة الشعبية شمال منذ اندلاع الحرب وغياب القيادة، مما أفضى إلى انغلاق عملية صنع القرار حول القضايا الأساسية وتضييق مواعين التشاور. وعليه، اقتصرت العلاقة بين القيادة والعضوية فقط على اتجاه واحد يحكمه تدفق المعلومات من الأمين العام للحركة، كما ظلت هياكل الحركة الشعبية شمال، المقترحة من قبل القيادة الانتقالية، في فبراير 2011، إما معطلة أو لم يتم تشكيلها أصلاً، إلى أن تمّ حلها نهائياً، في فبراير 2012. هكذا، تعطّلت عملية صياغة الرؤية والبرنامج الإطاري، في حين أن غياب الهياكل التنظيمية أعاق مُناقشة واعتماد مُسودة المانيفستو المُنتجة، في حين لم تقترح أي آلية بديلة عملية لهذه العملية. وقد عرضت كل هذه القضايا على القيادة الانتقالية، في خطاب مطول إلى رئيس الحركة الشعبية في 26 أبريل 2012، تم نشرها على نطاقٍ واسعٍ في 2015 (رسالة تاريخية للفريق مالك عقار، سودانتربيون، 8 نوفمبر 2015).

 

 

في معرض تحريره للخلاف بين القادة الثلاثة في المجلس القيادي، نوه الفريق عبد العزيز إلى أنه “لدينا خلافات، والخلاف شئ طبيعي في العمل، ولكن عندما يتجاوز خلاف الرأي المسائل الثانوية إلى المبادئ والتوجهات، أي الحد المعقول، تبدأ المشكلة”. لكن، وللمفارقة، الخلاف حول القضيتين الاستراتيجيتين: مصير الجيش الشعبي وحق تقرير المصير، لم ينشأ بسبب تراكم مثل هذه الخلافات الثانوية، بل في حقيقة الأمر يعود إلى ست سنوات مضت، منذ التوقيع على اتفاقية مالك – نافع في 28 يونيو 2011. فعلى حد قول الفريق عبد العزيز، في خطاب الاستقالة “بعد 22 يوماً فقط من بداية الحرب الثانية في 6/6/2711، عرض عليّ الأمين العام ورئيس الحركة مسودة الاتفاق الإطاري، المسمى نافع – عقار أو 28 يونيو واعترضت عليه بسبب الفقرات الخاصة بالترتيبات الأمنية، لأنها كانت تهدف لاستيعاب الجيش الشعبي في جيش المؤتمر الوطني”. وهذا أيضاً ينطبق على حق تقرير المصير، إذ لم يتضمنه الاتفاق الذي مزّقه رئيس الجمهورية قبل أن يجف الحبر الذي كتبت به.

 

 

بالنسبة للقضية الأولى، فقد خاطب الفريق عبد العزيز، مجلس تحرير الإقليم، بأنه على حد كلماته، “سوف لن تكون هناك أجيال قادمة مع سياسة الإبادة الجارية حالياً إذا قمتم بتأجيل الحرب، خاصّةً وأن بيننا من يقول ويروج بأننا لن نستطيع أن نهزم النظام ونحقق السودان الجديد دفعة واحدة”. فبالنسبة له، فإن “جيش التحرير” هو “أحد وأهم آليات ووسائل النضال من أجل الحرية وتحقيق التحول الديموقراطي ولا يمكن حله في ظل ما يجري الآن من عنصرية مزدوجة وعنف الدولة المركزية، الذي قتل ملايين السودانيين العُزّل”. وفي إشارات، لا تخطئها عين، توجه هذه الإفادة أصابع الاتهام إلى الأمين العام للحركة المُقال، ورئيس وفدها المفاوض، بالسّعي للتوصل إلى تسوية ما مع النظام الحاكم تتضمن تنازلات في الترتيبات الأمنية. وذلك، يعني في نظر الفريق عبد العزيز “تجريد الجيش الشعبي من سلاحه عبر وسيلة استيعابه في جيش المؤتمر الوطني، وإنهاء دوره كضامن لتنفيذ أي اتفاق، أو كأداة ضغط لتحقيق التحول الديموقراطي والسلام العادل”. ولعله، يريد أن يرد مباشرة على حديث الأمين العام للحركة، في المؤتمر الصحفي الذي عقد قبل بدء جولة المفاوضات الأخيرة حول وقف العدائيات، التي نظمته الآلية الأفريقية رفيعة المستوى مع الحكومة، في أديس أبابا أغسطس 2016، والذي كشف فيه عن موقف الحركة حول هاتين القضيتين. ففي ما يتصل بمصير الجيش الشعبي والاتفاق النهائي للترتيبات الأمنية، أوضح الأمين العام (المُقال) أن الحركة “لن تقبل تجريد قواتها من سلاحها خلال الفترة الانتقالية وقبل التنفيذ الكامل للاتفاقيات الموقعة”، وذلك دون تحديد سقف زمني لفترة ما قبل الدمج هذه والتي حددها الفريق عبد العزيز بعشرين عاماً. صحيح أن الحركة الشعبية تدعو إلى جيش واحد، ولكن هذا الجيش الواحد يجب أن يكون جيشاً مهنياً ومتوازناً، ملكاً لكل السُّودانيين، ويعكس تركيبة السُّودان. وبذلك، وحينما نضع سلاحنا، على المؤتمر الوطني أن يفعل نفس الشئ، لأن المؤتمر الوطني لا يمكن أن يُصادر سلاح الآخرين ويحتفظ بسلاحه، وبعد ذلك ننفذ الاتفاقية، فجيشنا سيكون موجوداً أثناء تنفيذ الاتفاقية تحت قيادة موحدة مع الجيش السوداني، وبعد ذلك يتم تفكيك كل الجيوش والمليشيات ويتم بناء قوات مسلحة سودانية جديدة” (خطاب الأمين العام للحركة، صحيفة حريات الإلكترونية، 11 أغسطس 2015).

______________________________________

 

kameir@yahoo.com

تورونتو – 10 أغسطس 2017