د. فيصل عوض حسن

 

كتبتُ كثيراً عن عَمَالَةِ المُتأسلمين وتَنَازُلِهِم عن مُقدَّراتنا واستقلالنا الوطني، لصالح العالم الخارجي خاصَّةً للموصوفين بالأشقَّاء، ومن ذلك مقالتي السابقة المُعَنْوَنَة (أَمَا آَنَ اَلْأَوَاْنُ لِإِيْقَافِ اَلْصَلَفِ اَلْإِثْيُوْبِيّ)، بعدما بلغت التجاوُزات الإثيوبيَّة حَدَّ السَفَه والصَلَفْ الفاضح، مُستغلِّين ضعف البشير وعصابته وأخطاؤُهم، واستعدادهم العالي للتضحية بأيِّ شيء لينجوا بذواتهم. وأُخصِّص هذه المقالة لتجاوُزات مصر التي تُشكِّل، هي الأُخرى، مُهدِّداً حقيقياً لسيادتنا الوطنية ومُستقبل أجيالنا القادمة.

قبل التعمُّق في موضوعنا هذا، أودُّ الإشارة للرسائل الإلكترونية التي وردتني بشأن مقالي السابق المُشار إليه أعلاه، ومُناداةِ البعض بالتقارُب مع مصر لدرء شرور إثيوبيا، أو العكس. وفي هذا أقول، بأنَّ لكلٍ منهما (إثيوبيا ومصر) أطماعٌ قديمةٌ في السُّودان، ومن السذاجةِ الاحتماء بإحداهنَّ لمُواجهة شرور الثانية، كما لا يستقيم تناوُل تعدِّيات إحداهُنَّ بِمَعْزَلٍ عن الأُخرى. فهما تَتَرَبَّصانٍ بنا دائماً، وليس كما يعتقد البعض أنَّهما دولتين شقيقتين، ولنتأمَّل في توغُّلاتهما المُتواصلة ببلادنا والتهامهما لأراضينا. ونظراً لضخامة تجاوُزات كلٍ من إثيوبيا ومصر ضد السُّودان وتعدُّدها، واتِّساع وتفاوُت حدودها وصعوبة عرضها في مقالٍ واحد، فإنِّي أُضطر لتناوُلها في مقالاتٍ (تفصيليةٍ) مُنفصلة، مع الحرص بأن تكون مُتتالية/مُتعاقبة لربط القارئ بمضامينها، وإعطاء صورة واقعية/موضوعية عن تجاوُزات وأخطار هاتين الدَّولتين، على نحو مقالتي السابقة والحالية.

في هذا الإطار، شَهِدَت الفترة الماضية تصاعُداً ملحوظاً ومُتنوِّعاً للتجاوُزات المصريَّة ضد السُّودان، حيث أوضحت الشروق في 4 أغسطس 2017 وصحيفة الجريدة 5 أغسطس 2017، اعتقال المصريِّيين لـ(222) سُّودانياً، من العبابدة والبشاريين بحلايب وشلاتين وأبو رماد، لعدم حَمْلِهِم البطاقات المصريَّة، في ما أكَّدت القيادات الأهلية أنَّ الاعتقالات تستهدف إخلاء المنطقة من سُّكَّانها الأصليين! وفي سِياقٍ قريب، ووفق الشروق 10 أغسطس 2017، اتَّهم مُعتمد حلايب المصريين بتغيير التركيبة السُكَّانيَّة، ومَنْعِ السُّودانيين من التنقيب داخل أراضيهم، وأكَّد عِلْمَ المركز ووزارة الخارجيَّة خصوصاً بكافَّة تفاصيل الانتهاكات المصريَّة! ووفقاً للمجهر السياسي بتاريخ 11 أغسطس 2017، رفضت القنصليات السُّودانيَّة بمصر استلام (142) سُّودانياً، وامتنعت عن ترحيلهم لحلايب وشلاتين وأبو رماد، باعتبارها مسئوليَّة مصر لأنَّها احتجزتهم من داخل أراضيهم، وهذه ليست المرة الأولى، فقد سبق ورفضت القنصليات استلام دفعتين من السُّودانيين، نحو (91) و(51) على التوالي بذات الحِجَّة!

بعيداً عن قُصور السفارة السُّودانيَّة وقنصلياتها بمصر، في أداء أكبر واجباتهم ومهامهم الأصيلة، وتخاذُلهم عن حماية ورعاية المُواطنين السُّودانيين سواء بحلايب أو غيرها، فإنَّ الخيبة الأساسية سببها البشير شخصياً الذي استجاب لابتزازات المصريين، عقب تَوَرُّط المُتأسلمين في مُحاولة اغتيال حسني مُبارك بأديس أبابا سنة 1995، ووجدت مصر فرصتها التي انتظرتها طويلاً للنَيْلِ من السُّودان، وبدأت باحتلال مُثلَّث حلايب منذ تلك السنة، وواصلت تَوغُّلاتها بجهة وادي حلفا، والتهمت جميع العُمُوديات الواقعة شمالها، إلى أن أصبحت أرقين ميناءً بَرِّياً لمصر، بعدما كانت حدودنا معها في قسطل! والأدهى، أنَّ التوغُّلات المصريَّة شَمَلَت شمال دارفور،ويتَحَاشي البشير وإعلامه المأجور هذه التوغُّلات، ولا يُشيرون إليها أو تناوُلها من قريبٍ أو بعيد، وكأنَّها تحدث في دولةٍ أُخرى غير السُّودان!

ولنتأمَّل تضخيم الإعلام الإسلامَوِي لاتِّهامات البشير (شخصياً) للمصريين بدعم حركة مناوي، وادِّعائه امتلاك (أدِلَّة) قاطعة على ذلك، ثُمَّ مُرَاوَغات غندور وتَحاشيه لتفاصيل ونتائج زيارته المسبوقة بتلك الاتِّهامات الخطيرة و(التفصيلية)، ونَفيِه القاطع مُناقشة احتلال حلايب، وهو نفس مُسلسل التضليل المألوف عنهم، والذي يبدأ بتصريحاتٍ جَوْفَاء وعنترياتٍ إعلاميةٍ زائفة، ثم تخبوا أصواتهم وكأنَّ شيئاً لم يكن! والخطير هذه المَرَّة، تنسيق المُتأسلمين مع المصريين للقضاء على حركة مناوي، وإخلاء الأراضي النُوبيَّة وشمال دارفور من السُّودانيين، ليسهُل على مصر التهام احتياطينا الضخم من المياه الجوفيَّة، ودعم ذلك بعددٍ من الإلهاءات، كالمُدرَّعات المصريَّة المزعومة التي اِدَّعوا اغتنامها، وصور  “الدعم السريع” في الصحراء للإيحاء باتِّخاذهم خطوات جادَّة لحفظ السُّودان ومُقدَّراته، بينما هدف هذه المليشيات إخلاء مناطقنا النُوبيَّة وشمال دارفور من السُّودانيين، لتمكين مصر من مياهنا الجوفيَّة وإقامة مشروعاتها الرَّاغبة فيها. ولمزيد من الحَبْكَة، أضافوا فِرْيَةً أخرى، وهي مُحاربة الإرهاب وتجارة وتهريب البشر، وللأسف انطلت (الخِدْعَة) على قطاعٍ واسعٍ من السُّودانيين!

ولو تأمَّلنا بعُمقٍ أيضاً، سنتأكَّد أكثر من انحطاط البشير وعصابته، وتَسَبُّبِهِمْ في تعميق التجاوُزات المصريَّة، سواء بمُثلَّث حلايب أو أراضينا النُّوبيَّة أو شمال دارفور. فبجانب الاحتلال المصري السَّافر لأراضينا، مَنَحَهم البشير مليون فدان بالشمالية (مشروع الكنانة)، وآلاف من الماشية والأغنام/الضأن والإبل بأسعارٍ تفضيلية، وأتاح مياهنا الإقليمية بالبحر الأحمر لجَرَّافاتهم المُدمِّرة! كما سَمَح بدخول المُنتجات المصريَّة المُلوَّثة، التي رفضتها الدول المُحترمة، وفتح الباب أمام تدفُّقها رغم ثبوت أضرارها الجسيمة! وها هي ذي إدارة الحج والعمرة تُكمِل الانحطاط الإسلامَوِي، حيث نَشَرَت الصيحة يوم 10 أغسطس 2017، خبراً عن (استبعاد) الإدارة لجميع الشركات السُّودانية من نقل حُجَّاجِنا عبر البحر، ومَنَحَت ذلك الامتياز لشركاتٍ مِصريَّة، رغم استيفاء الشركات السُّودانيَّة لكافَّة شروط العطاء، وانخفاض التكلفة مُقارنةً بالشركات المصرية!

المُعطيات والأحداث أعلاه، رغم تعدُّدها وتمدُّدها، فهي نَذرٌ يسيرٌ من الضَيْم والخيانة والغدر، وفي ذات الوقت تفضح أكاذيب المُتأسلمين بشأن المُحافظة على السُّودان، وتُثبت غدر وأطماع الموصوفين بـ(الأشِقَّاء) المُتجذِّرة في بلادنا. ولعلَّ ما ساعد في ذلك، ليس فقط انهزامية البشير وانكساره الفِطري، وإنَّما أيضاً رغبته المحمومة في تمزيق السُّودان وتفتيته، وهي رغبةٌ إسلامَوِيَّةٌ أعلنوها عام 2005 وعُرِفَت بمُثلَّث حمدي، وسعُوا لتحقيقها اعتماداً على الإدارة بالأزمات/صناعة الأزمات. وللتذكير، فإنَّ هذا المُثلَّث، حَصَرَ السُّودان في مِحْوَر (دنقلا وسِنَّار والأبيض)، واستبعد كل المناطق خارج هذا المِحْوَر (الشرق والمنطقتين ودارفور وأقصى الشمال). حيث بدأ المُتأسلمون بفصل الجنوب، ثُمَّ رفعوا وتيرة إجرامهم بدارفور والمنطقتين، وتركوا الشرق وأقصى الشمال للاحتلالين المصري والإثيوبي، وباعوا ورَهَنوا بعض أجزائهما للمُغامرين، بما في ذلك ميناء السُّودان الرئيسي. وستجدون مع هذه المقالة مقطعين، أحدهما لمُستشار الرئيس المصري الأسبق، يُؤكِّد فيه سعي البشير لتقسيم السُّودان لخمس دول، ويحوي المقطع الثاني إفادات مُسْتَوْزِرْ خارجية المُتأسلمين السابق، يدعو فيه المصريين (صراحةً) لالتهام مناطقنا النوبيَّة!

وعلى هذا، فإنَّ ما يشهده أهلنا بحلايب من تضييقٍ ومُلاحقاتٍ مصريَّةٍ مُتعاقبةٍ ومُتزايدة، وما يحدث من احتلالٍ لأراضينا النُّوبية وأراضي شمال دارفور، والتخلُّص من مُقدَّراتنا بالشرق وأقصى الشمال عموماً، يتم بِعِلْمِ ودعم البشير وعصابته المأفونة! وهنا أُكَرِّر نفس دعوتي للقانونيين السُّودانيين في مقالي السابق (عن إثيوبيا)، للإسراع بإعداد (عرائض/مُذكِّرات) قانونية دولية وإقليمية ضد مصر، وتثبيت انتهاكاتها المُتواصلة وأحقِّيَّة السُّودان بالمناطق التي تحتلَّها. وعلى كياناتنا السُّودانية عموماً، وكيانات الشرق ودارفور والكيانات النوبيَّة خصوصاً، تبنِّي وتقديم هذه العرائض والمُذكِّرات وتسمية مُمثِّليهم القانونيين بأسرع وقت، على نحو (حَمْلَة مين بيحب مصر) التي نَادَى بها بعض المصريين، والقاضية بإرسال وفد قانوني لمحكمة العدل الدولية، للمُطالبة بتبعية السُّودان لمصر والعودة لحدود 1882، عقب إنكارهم للسُّودان كدولة من أساسه!

وأخيراً وليس آخراً، لا يليق أبداً مُناداة البعض باللجوء لمصر في مُواجهة إثيوبيا أو العكس، ففي ذلك تأكيدٌ لضعفنا وتقليلٌ لشأننا كشعب، بخلاف أنَّ كلتا الدَّولتين طامعتان فينا، وكلتاهما تُشكِّل خطراً كبيراً علينا، كما أنَّ الاستقلال الحقيقي، تصنعه الشعوب الثائرة والأبيَّة بأيدي وقدرات أبنائها، وليس عبر الاستعانة بالأغراب. والأهم من ذلك أنَّ أسرع طريقة لحَسْم التعدِّيات المصريَّة والإثيوبيَّة وغيرهما، تتمثَّل في اقتلاع البشير وعصابته، لأنَّهما المَدْخَل والسبب الرئيسي لكل ما جرى وسيجري لنا من تعدِّيات، وأمر اقتلاعهم مسئوليتنا نحن السُّودانيُّون بالمقام الأوَّل، وهي لا تتحقَّق إلا باتحادنا الحقيقي وبأسرع وقت.. وللحديث بقية.