بقلم :محمد بدوي

      تصدرت الأخبار السياسية في الأسبوع المنصرم إعلان نائب رئيس الجمهورية الأستاذ حسبو محمد عبدالرحمن عن عزم الحكومة على جمع السلاح بإقليم دارفو ر،  قبل الخوض في الخبر ومضمونه لابد من الإشارة إلي أن إختيار ولاية شمال دارفور لإطلاق ذاك التصريح  في تقديري ذات دلالة سياسية هامة فهي أولي مدن دارفور التي شهدت التدشين العسكري للصراع المسلح  بين الحركات المسلحة والحكومة السودانية وحلفائها (2003-2004 م )، ضمت القاعدة الرئيسية الأولي لعملية تجنيد المليشيات بمقر الإستخبارات العسكرية التابعة للفرقة السادسة مشاه – بالقوات المسلحة السودانية في العام 2002م ( مليشيات فيالق الجمال ) أو التائبين، في العام 2003م و تحت إشراف الإستخبارات العسكرية شهدت إنشاء قاعدة ( مستريحه) العسكرية التي شكلت المقر الأول لعمليات تجنيد مليشيات (الجنجويد) بقيادة الزعيم العشائري موسي هلال عبدالله، و مقر لبعثة مراقبة وقف إطلاق النار في العام 2004م والتي تطور في العام 2007م إلي مقر لرئاسة بعثة حفظ السلام المشتركة بين الأمم المتحدة و الإتحاد الأفريقي (اليونامد )، بها حقل منجم جبل عامر الغني بالذهب، تضم  حدودها الجغرافية  بوابة المالحة التي تعبر عبرها السيارات القادمة من ليبيا التي اشتهرت على نطاق شعبي  واسع (بالبوكو حرام)  و تُعتبر المالحة  معبراً خارج خارطة محطات الجمارك السودانية الرسمية، كما  تضم  حقل مربع 12 النفطي، بالإضافة إلي أنها  تاريخياً شكلت مقر لعاصمة سلطنة الفور ولإقليم دارفور قبل أن يطاله التقسيم في العام 1994م إلى ثلاث ولايات لاحقاً إلي خمسة ولايات في 2013م.

 (2)

طريقة الإعلان عن حملة جمع السلاح من قبل نائب الرئيس تُثير الإستغراب في كون أنها من الناحية الفنية تتطلب خطة متكاملة وواضحة تنتهي بإعادة تأهيل المستهدفين من حملة السلاح ومعالجة الأسباب التي قادت إلي ذلك، بالنظر إلى سجل علاقة التسليح خارج نطاق القوات النظامية بالإقليم فقد تعاقبت ثلاث حكومات مركزية في ذلك بداً مليشيات المراحيل في العهد الإنتقالي 1985، 1988 التجمع العربي ثم 1991 مليشيات الفرسان التي استخدمت لمواجهت الحملة العسكرية للحركة الشعبية لتحرير السودان و التي عُرفت شعبياً ب( حملة بولاد)، ثم مليشات (التائبين ) في 2002م، ثم المليشيات المتحالفة تاريخياً مع الحكومة  (الدفاع الشعبي، مليشيات القبائل،  قوات حرس الحدود، الدعم السريع، وبعض مجموعات الإحتياطي المركزي الشرطية  و التي تم تسلحيها في فترات مختلفة بين 2003 الي الراهن .

من جانبٍ اَخر فهنالك مجموعات تحمل السلاح من الحركات المسلحة سواء تلك التي وصلت إلي صيغ تسويةٍ سياسية مع الحكومة المركزية أو الولائية  عبر أتفاقية أبوجا 2006 ، ثم وثيقة الدوحة التي وُقعت في 2011 و لا تزال بعض المجموعات الصغيرة تنضم إليها من وقتٍ لآخر، بالإضافة إلي الحركات المسلحة الرئيسية أو تلك المنقسمة منها والتي بلغت في مجملها 75 فصيلا مسلحا وهي خارج نطاق سيطرة وسلطة الحكومة .

 من ناحية أخري  لم يعد خافياً على أحد السلاح المتداول في الصراعات القبلية بالأقليم  لا سيما الصراع المتجدد بين المعاليا و الرزيقات منذ العام 2002  وإلي اليوم الراهن، على ضوء ما أشرنا إليه، فالمهم من الناحية الأمنية على الحكومة الكشف عن هل هنالك أسواق للسلاح في دارفور؟ و من المسئول عنها لأن ما يترتب على الاجابة يكمن فيه جدوي عملية نزع السلاح من عدمه !

 

 (3)

لتتبع دلالات التوقيت في تقديري  عملية جمع السلاح ترتبط بعدة دوائر، تُعبر في مجملها عن مصلحة النظام الحاكم أكثر من حرص حكومي على حالة الأمن بالإقليم، لنُدلل علي ذلك نذكر رفض السودان في العام 2004 قراراً أمميا بنزع أسلحة المليشيات، إذاً المغزي في تقديري ذا إرتباط وثيق بما عرف ب( قضية الفريق طه عثمان) المدير السابق لمكاتب رئيس الجمهورية  فبالنظر إلي خلفية تكوين المليشيات الرئيسة يمكن إرجاعها إلي نواتها الأولي ( التائبين في العام 2002م تطورت إلي مليشيات الجنجويد في 2003 ) في العام 2004م تم إلحاقها بالقوات المسلحة السودانية تحت مسمي قوات إستخبارات الحدود، في العام 2005م تم تغير تسميتها إلي قوات حرس الحدود، في ذات العام شملها منشور رئاسي بالحصانة من الملاحقة القضائية أسوةً بأفراد القوات المسلحة السودانية، في العام 2014  وفي ظل صعود و هبوط العلاقة بين موسى هلال والخرطوم تم تغيير مسمي قوات حرس الحدود تحت قيادة محمد حمدان دلقو”حميدتي” إلى قوات الدعم السريع وسحبها من مظلة القوات المسلحة إلى جهاز الأمن والمخابرات الوطني، في العام 2017م تمكن الفريق طه عثمان في ظل نفوذه من سحبها من سيطرة جهاز الأمن وتتبيعها إلي القوات المسلحة وحمل البرلمان على إجازة قانون خاص بها لتأتي تلك الخطوة في ظل إشرافه على ملف المقاتلين السودانيين في حرب الخليج، إقالة طه كشفت عن علاقته بحميدتي وأشارت إلى طموح الرجل السياسي الذي ظل خافياً، فتم إجلاء قوات الدعم السريع من العاصمة إلى ولاية جنوب دارفور، و تأمين العاصمة ب18000 شرطي خلال عطلة عيدالفطر في خطوةٍ غير مسبوقة .

(4)

نزع سلاح المليشيات يجب أن تسبقه قرارات واضحة توضح هل تم حل المليشيات؟ إذا كانت الإجابة نعم فإن هنالك ترتيبات إدارية وفنيه يجب اتخاذها في ذات الشأن فالمجموعات الرئيسية من هذه المليشيات ( حرس الحدود، الدعم السريع ) يحميها قانون القوات المسلحة السوداني لعام 2007م وكذلك الدفاع الشعبي يُعد قانون يحكمها من الناحية الإجرائية، العرض العسكري الذي قامت به قوات الجو العسكرية السودانية قرب قاعده مليشيات مستريحة جاءت كرد فعلٍ بعد أن  بادر  هلال إلى طابور عرضٍ وحشدٍ بمستريحة في رسالة سياسية كأنه المعني بالأمر ، لكن يجب ألا ننسي أن ذاك العرض يُعيد لضحايا أزمة دارفور الذين أستهدفهم ذات سلاح الجو (الصدمة) بعد أن بلغوا مرحلة التعافي .

في تطور مرتبط بالأحداث بادر (حميدتي) بإعلان رغبة قوات الدعم السريع بتسليم أسلحتها، لعمري إنه تصريح يكشف عن تفكك الدولة السودانية، فهذا الأمر من المفترض أن يُبادر به وزير الدفاع الذي يرأس حميدتي من الناحية العسكرية، وهو ما يُكذِّبه الواقع، ففي 14 اغسطس الجاري سيطرت مليشيات الدعم السريع على مواقع بعثة اليونامد التي تم إغلاقها و في 15 اغسطس سيطرت على الموقع الثاني بمدينة مليط ومعلوم أنه لا يجوز استخدام المواقع و معدات الأمم المتحدة من قبل قوات عسكرية من الدولة المضيفة وذلك خرق للإتفاق بين حكومة السودان والأمم المتحدة وقد يكون للأمر ما بعده،  لكن يبدو أن تحت الرماد وميض نار لأنه في ذات التوقيت رشح ما كشف عن أن الحكومة قد تُعيد النظر في أمر نزع السلاح إذا قبل هلال بوضع القوات التي تحت سيطرته تحت مظلة الدعم السريع! الأمر الذي يُشير إلي تخبط الحكومة في التخلص من المليشيات بعد أن إرتفع الطموح السياسي إلى أعلى سقفٍ له مسنوداً بثروات إقتصادية من عائدات الذهب بالإقليم، إذاً إزاء هذا المشهد هل تنجح الحكومة في دفع قادة المليشيات إلى صدام ينجم عنه توازن قوة يصب في تغليب الدفة لصالح الحكومة؟ بالطبع لا لأنه قبل 15 عاماً من استخدام المليشيات في القتال إلى جانب الحكومة كانت قد وعدتهم بالسيطرة على الأرض لكنهم اليوم وضعوا يدهم على الأرض وما في باطنها .

لتظل تداعيات الخطوة التي أقدمت عليها الحكومة بإعلان نزع السلاح لها ما بعدها، فالذي يجعل حميدتي ينضم إلى جانب الحكومة ذات الذي يجعله يفكر في التحالف مع هلال بل ربما اكثر إرتباطاً إذا نظرنا للروابط الإثنية التي توطدت نتيجة لسياسات الحكومة على مدي ال28 عاماً الماضية .

(5)

كل المؤشرات تشير إلى أن الحكومة تتخذ من جمع السلاح ذريعةً للسيطرة على الموارد فهو سيناريو تأخر منذ العام 2015م، لكن طريقة إستخدام القوة و التهديد و تصريحات ( حفظ هيبة الدولة ) قد تخلق واقعاً أسوأ على الأرض إذا ما بدأ تنفيذ ذلك بقوة السلاح (الصدام المسلح) لأنه يعني مشارفة إقليم دارفور على الحرب الثانية، أطرافها الحكومة و المليشيات من المجموعة الرعوية بعد كانت الحرب الأولى (2003 -2017) بين الحكومة والحركات المسلحة الذين إنحدر غالبهم من المجموعة الزراعية، لكن هذه المرة قد تتسع الكارثة لتشمل دول الجوار فقد رسخَّت فكرة المليشيات لمفهوم (التضامن بين المجموعات الإثنية داخل السودان و من دول الجوار) ليشهد الواقع مقاتلين من تشاد و النيجر.

السيناريو الآخر أن تتحالف هذه المليشيات أو على الأقل التي تحت سيطرة هلال مع بعض الحركات المسلحة حيث الواقع يُشير إلى علاقات جيدة بينه وبين بعض فصائلها منذ وقت طويل، فحينها من الراجح أن يتسع التحالف بإنضمام ( حميدتي)  و قوات الدعم السريع فقد خاض تجربة مماثلة في العالم 2007م مع الحركة الثورية السودانية قبل عودته إلي التحالف الحكومي مرةً أخري .

الخلاصة بأن الحكومة تتعامل مع الواقع في الإقليم تكتيكياً متناسيةً أن لغة المصالح أصبح صداها هو الأعلي فلم يتوان كل من هلال وحميدتي عن تكذيب تصريح وزير الداخلية السابق الفريق عصمت عبدالرحمن بوجدود 3000 أجنبي بينقبون عن الذهب بجبل عامر بل إنتهي الأمر بإقاله عصمت من منصبه وترقية حميدتي إلى رتبة الفريق .

(6)

إذا حاولت الحكومة التعامل مع المليشيات بذات عقلية تجنيدها في2003 م  لهلال و 2006 لحمدتي فقد ترتكب أخطاء كبيرة، فالواقع لا يخلو من تحالفات غير معلنة سواء داخلياً أو خارجياً على ذات نسق حركة خروج الذهب من جبل عامر مروراً بتشاد ثم إلي أسواق دبي بالأمارات أو إلى منطقة جبال التبستي السوق الذي يؤمه متعاملون من دول ( تشاد، النيجر، بنين)، كما أن ( قضية الفريق طه) كشفت أنه رغم القبضة الأمنية و الإستخبارتية للحكومة داخلياً إلا أن هنالك الكثير من الملفات التي تسربت خارجياً أضف إلى أن تصريح وزير الإعلام السوداني الدكتور أحمد بلال في القاهرة حول قناة الجزيرة رغم إعتذاره عنها تُشير هي الأخري إلي أن إدارة العلاقات الخارجية تتم كجزرٍ معزولة، ربما ظل التأثير من آثارها خافياً إلا الحالات التي وجدت طريقها صدفةً للإعلام، على ذات النسق فقد مضي الأمر دون تحليل فيما يخص مؤتمرات أم جرس التي رعاها الرئيس التشادي إدريس دبي في 2014م لإقناع الحركات المسلحة بالسلام و قد حضرها موسي هلال وسهَّل إنعقادها وزير العدل السابق محمد بشارة دوسة وليس وزير الخارجية في ذات الوقت .

 

(7)

جمع السلاح ليس عملية سياسية بقدر ماهي عملية فنية لها أدواتها وطرقها، فقد سبق وأن قام العقيد آنذاك الطيب إبراهيم محمد خير ( سيخة) في العام 1991م بعمليةٍ سياسية لجمع السلاح إستهدفت بعض المجموعات بمنطقة جبل مره، في تقديري يعد هذا أحد الأسباب التي سارعت بتحقق الشرط الذاتي لتدشين نشاط الحركات المسلحة بإقليم دارفور بل في تجارب مشابهة لدولة جنوب السودان فقد تم جمع 6000 ألف قطعة سلاح في العام 2011م  من منطقة جونقلي حين ثار الصراع الإثني بين النوير واللاونوير  لتكتشف السلطات في العام 2012م أن هنالك 6012 قطعة سلاح جديدة وجدت طريقها إلي أيادي المدنيين، فمثل هذه الحملات تتم بشكلٍ عام وليس إنتقائي ويجب الإعلان والكشف عن عمليات إعادة التأهيل وجبر الضرر للذين تأثرت حيواتهم بذلك، و طالما أن الإستهداف سيطال المليشيات التي تم تسكينها بالقوات النظامية ومنحها حصانات من المحاسبة وفقاً للمراسيم الدستورية التي صدرت في العام 2005م فإن مهمة جمع السلاح تخضع لتفويض وزارة الدفاع والداخلية معاً وليس لرئاسة الجمهورية فالخطب السياسية ستظل تُشير إلي الأهداف غير المعلنة وبالطبع ستقود إلي نتائج كارثية فلا زال التاريخ القريب يذكر كيف بدأت الحرب الثانية بين الحركة الشعبية لتحرير السودان –قطاع الشمال والخرطوم حينما صرحت الأخيرة بعملية تجريد الجيش الشعبي من سلاحه، فلعمري إنه ذات الخطاب السياسي الذي أشعل ما يدور الآن، تكاثر أطراف الصراع في دارفور ليس من مصلحة أحد بل سيُعقد من الأزمة التي تسعي الحكومة لإحتوائها سياسياً  وحمل المجتمع الدولي على التصديق بأن الإقليم آمن، الركون لمنطق القوة ليس سوى (درب وعر) خبرته الحكومة ولا تزال تتعنت في السير فيه فقد يفضي الأمر إلي أن ينتهي بتمديد تفويض اليونامد لحماية المدنيين في كل أصقاع دارفور!.