خالد فضل

الاسبوع الماضي تم اطلاعي على مقطعي فيديو عبر تطبيق (الواتساب) , قدما صورتين مختلفتين حول الاسلام من جانب شخصين مسلمين , الاول منهما سوداني يبدوا انه يحمل صفة إمام مسجد او داعية اسلامي وضع امامه المايكروفون ثم طفق يحدث مستمعيه حول الجهاد في الاسلام مستشهداً بحديث نسبه للنبي (ص) مفاده ان رزقه تحت ظلال روحه , معتبراً ان الجهاد و الغزو و الغنائم تشكل احد ركائز الاقتصاد الاسلامي , لقد صرح ذلك الداعية بما تحاول الحركات السياسية الاسلامية إخفاءه بإدعاء مسايرتها لروح العصر و مفاهيمه حول قبول الآخر و الاعتراف بحقوقه كاملة كآخر بما في ذلك حقه في الاعتقاد في ما يشاء ,و قد نسب للرئيس البشير مثلاً عند لقائه باسقف كانتبري إبان زيارته الاخيرة للسودان قبل نحو اسبوعين حيث اكد الرئيس البشير على حرص حكومته على التعايش و الاحترام بين الاديان المختلفة في السودان , في حين كانت وزارة التربية و التعليم في ولاية الخرطوم تصدر قرارات لمدارس الكنائس السودانية بالعمل في يوم الاحد و هو كما معروف يوم اداء الصلوات و إقامة القداس في كل الكنائس و عادة ما يذهب اتباع الكنيسة إلى كنائسهم المختلفة منذ الصباح الباكر , فاي حرص و اي احترام يتحدث عنه الرئيس البشير امام اسقف زائر ؟.

لقد اوضح ذلك الداعية السوداني بكل صراحة ان غزوة واحدة يقوم بها المسلم لبلاد الكفر في امريكا او اوربا او استراليا يعود منها بالدولارات الكثيرة , و ربما عاد و في معيته 70 (عب) و 70 (جارية) خواجيات بيض يسررن الناظرين , واحدة لتدليك الظهر و اخرى لطقطقة المفاصل و واحدة لتفليل شعر الرأس … إلخ و لم ينس ان يحفز مستمعيه بان الجواري إيطاليات و فرنسيات و امريكيات , ثم اضاف (إذا فلست تبيع ليك عب عبين كمصاريف) .

الغريب ان ذلك الداعية الجهادي الذي يحرض على الغزو كمورد اقتصادي للمسلمين لم يضرب مثلاً بالكفار (في زعمه) الذين يقطنون في مجاهل افريقيا او جنوب شرق اسيا او الصين , علماً بان عدد الكفار بهذه المناطق اكثر منهم بامريكا و اوربا , و لكن يبدو ان النساء الزنجيات او الاسياويات اقل اغراء لشهوة الرجل المسلم المجاهد ! و قد استدرك ذلك الداعية الجهادي بان ميزان القوة لا يسمح لهم الان بنيل بركات الغزو بل حتى الجهاد بالكلام تحرسه اجهزة الاستخبارات و تمنعه الحكومات في البلدان الاسلامية التي لا تتوانا في القبض على الدعاة و تسليمهم لامريكا , و الطريف انه استدرك حديثه ذلك بالقول (ليس حكومة السودان) و هنا تبين عورات من يوصفون بالدعاة الاسلاميين حيث تاريخهم الطويل في الارتباط الوثيق بالحاكم في اي زمان و اي مكان .

اما المقطع الثاني فلشخص عربي يمني (من خلال لهجته) مقيم في بريطانيا , و هو مسلم و لا ادري تصنيفه  عكس الداعية السوداني الذي يبدو انه من السلفيين حيث ورد في كلمته ان العالم يضج بالاديان الضالة على حسب وصفه كالمسيحية و اليهودية و الشيعة و الصوفية , قال ذلك الرجل العربي انه يعيش في بلد لا تربطه باهلها صلة الدم او الجوار او العقيدة او اللغة و لكنه مكفول الحقوق على قدم المساواة مع سكان البلد الاصليين , و انه يمكن ان يتزوج مثنى و ثلاث و رباع و ينجب عشرات الابناء دون ان يحمل هماً لمعيشتهم و صحتهم و علاجهم و تعليمهم بينما في بلد اسلامي عريق تضم اراضيه الكعبة المشرفة و قبر النبي محمد (ص) يتم التضييق على الوافدين لدرجة فرض ضريبة على افراد الاسرة دون ان يمنحوا الحقوق المتساوية مع المواطنين و استطرد الرجل متهكماً (و يقولون لك بلاد الكفر) انهم يطبقون القيم الاسلامية على اصولها و ليس ادعاء .

يقول اهلنا في المثل الدارج (البجيب كتالك بجيب حجازك) لقد بدا لي ان ذلك الداعية السوداني الذي يتحدث عن الاسلام كدين استرقاق يعبر بالفعل عن آوان الانحطاط الذي تعيشه بلادنا و كثير من بلدان المسلمين و لكن مقطع ذلك الرجل العربي جعلني احمد الله ان المسلمين لم ينحطوا كلهم كما انحط دعاتهم و ان عامة الناس يمتلكون من الوعي ما يفرقون به بين اصحاب المصالح و تجار الدين الذين هم على شاكلة الدعاة و زعماء الحركات الاسلامية و بين الواقع و العصر الذي يعيشون فيه فالتجربة خير برهان , و لم يعد تنطلي على الناس تلك الادبيات البائرة حول تقسيم الناس إلى كفار و مؤمنيين , لقد بات المقياس الحقيقي هو كفالة و صون حقوق الانسان عبر التشريعات و الدساتير الوطنية و التنفيذ الفعلى لنصوص الدستور و القانون , فهذا هو المحك .