بقلم : محمد بدوي

(قالدتني) للمره الثانية في صباح اليوم الثاني ببهو الفندق مدينة أسمرا ، سألتني عن أمي وخالاتي ، لم يسبق لي لقائها ، قبل  إستقبالي لها ضمن وفد التجمع الوطني الديمقراطي بمطار أسمرا  الإرترية ، كان العام  ذلك في العام 2001م حيث  كنت ضمن الطاقم المنوط به إستقبال و تهئية أقامة القادمين من قادة التجمع لحضور إجتماعات الهيئة القيادية ، هكذا جاء رد (الحسن) بعد الترحم الذي رددناه معاً حين حمل نبأ رحيل فاطمة أحمد إبراهيم ،  الصديق (سرالختم) ، فلم تبادر (فاطمة) لمعرفة إنتمائه بل حملته إنتماءاً للسودان الكبير  ، فمدت نحوه المودة في مقام الإبن ، فحينها كان (الحسن ) في بداية العقد الثالث من العمر  و مضي علي أنضمامه الي صفوف التجمع الوطني الديمقراطي أنذاك  سبع سنوات ، بداً من  محطتها الأولي القاهرة قبل أن يلتحق بالدفعة الأولي من قوات التجمع  ضمن قوات (الفتح) التي كان قوامها عضوية الإتحادي الديمقراطي و الختمية .

المنافي التي عمدتنا بالأمان جمعتنا كذلك بكثير من شِعوب العالم لكن ظل (الحِن ) يمد حبال وصله دون مواربة مع بعض  المنحدرة أصولهم من القرن الأفريقي و لا سيما دولتي إرتيريا و الصومال مأخوذاً في غالب الأحيان بمبادراتهم للتعارف المحمولة علي علاقة ود و إحترام  ل(لسودان السمح )و شعبه  ،فسرعان تفتح  لحظات التحايا الأولي  طاقتها نحو مزاج ود أحمدي  ، (بشير) الذي تخطي النصف الأول من العقد التاني ، طالب أكمل دراسته الجامعية ، إنحدرت أصوله من  دولة الصومال الفدرالية  ظل يبادر كلما سنح مسار الحديث (لعرض حال) من التقدير للسودان علي  منح أبناء جلدته فرص للتعليم الجامعي ، عرف عن شغفي في متابعة القضايا السياسية لدول القرن الإفريقي ، فتهللت أساريره حين دفعت بسؤال مستكشفاً  كيف قابل الشعب الصومالي  إعلان فوز الرئيس المنتخب الحالي محمد عبدالله فرماجو ، في غبطة عبرت عنه قبل أن يضيف  الجميع مسرور في مقديشو ، المقيمين بدول القرن الإفريقي بل في كل المهاجر ، صمت لبرهه ثم هز رأسه ثم ضرب كفيه مدلالاً علي إستيائه كان الوقت قد قارب الخامسة من مساء الجمعة ثم واصل  هل تصدق أن إمام وخطيب مسجد التوحيد علق علي فوز (فرماجو) في خطبة الجمعة قائلاً  ( لا تفرحوا لفوزه كثيراً و لا تحزنوا كثيراً) فقلت متسائلاً  ما  المغزي ؟ رد  ساخراً إنها شهوة السيطرة  علي مسار الأحساس العام ! سألته عن عدد المرشحين الذين خاضوا المنافسة ، جاء رده بأن (فرماجو) تغلب علي( 25 )مرشح ، هل  بينهم أمراة ؟ كشف عن ضحكة خفيفة ثم أردفها بلا حملت نفياً صريحاً تبعها  بإبتسامة قائلاً  لم نبلغ بعد ما وصل إليه السودانيون  . تذكرت هذا الحديث  و أنا أحاول الكتابة عن رحيل ( فاطمة السمحة )  وعن إي تاريخ سطرنه  هي و رفيقاتها  في درب التحرر و الوعي و الحقوق  في سجل دفاتر التاريخ الإفريقي الذي يتزين السطر الأول من  صفحة تاريخ  البرلمانيات الإفريقيات بإسم فاطمة أحمد إبراهيم

حياه في عطائها  ( غرس أخضر ) ففاطمة المعلمة عرفتها  في وقت  مبكر المدارس الأهلية  حيث كانت تدفع بالتنوير  في تزامن مع  مسيرة  نضال العديد من الشعوب الإفريقية لنيل الإستقلال و التحرر ، وضوح الرؤية  و البصيرة  حملها  في وعي سباق علي تأسيس مجلة صوت المرأة  في العام 1955م ، لتمضي مسيرتها بأن تقف علي رئاسة الإتحاد النسائي السوداني لتشير إلي( علو كعب ) نضال المرأة السودانية فذاك الزمان كانت الساحة السياسية في  فرغت من  ( معركة) تنازع الوحدة مع مصر أو سودان مستقل بسيادة تخصه ،  (من سار علي الدرب وصل) ففي العام 1991م دفعتها التجربة والسيرة  في (اقتدار) رئيسة للإتحاد النسائي الديمقراطي العالمي لتتوج نضال السودانيات بذاك (الشرف ) .

في رحيل فاطمة شكلت مساحات التواصل الإجتماعي  (حيز تأبين  ) جماعي ، الكل يعزي نفسه والأخر و الوطن ، نظرت  متأملاً كيف صعدت ذكري فاطمة في شموخ ليزين كفاحها تلك المساحات  بما لامس الخاطر بالفخر رغم (الحزن الكبير) ، ستظل لحظات خالدات تقاصر فيها الإختلاف المحمول علي العنصر و العمر  و أرتفعت  رايات إنتماء (سوداني ) و شعب عظيم الوفاء فللتاريخ المجيد  (صلصاله)  .

التشيع الذي بدأت مراسمه من لندن الي الخرطوم لينتهي بمقابر أحمد شرفي بامدرمان مروراً أمام المركز العام للحزب الشيوعي السوداني ثم  حي العباسية منزل أسرة الراحلة حدث تداعي له أطياف السودانيين من كل حدب وصوب تزيأوا بإنسانيتهم فسقط عند أناقتها ما عدا ذلك ، فكشفت الصور ومقاطع الفيديو التي أتسع نطاق تداولها عن لوحة (إحتضنت) تنوعاً سودانياً الملامح و الهوي هزمت دلالة سطوته  ( بعض) خوفنا  من  التغيرات التي إعترت حين (غفلة) مسام شعبنا الذي داهمه (مغلول ) الاسلام السياسي ،فكانت (نقطة ضوء) بعثت كثيراً من الطمأنينة بأن بأننا شعب طويل النفس ، حيوي الذاكرة و عامر الوجدان.

تشييع فاطمة سار صنو تاريخها العظيم فهي امتداد لجيل التحرر الافريقي ، فلا غرو أن قابلته وسائل الإعلام التي إنتمت الي مهنيتها و الاحترافية بما يستحق ، فأنجزت جزء من واجب علينا إكماله من سيرة (فاطمة) ثوثيقاً مهنياً محترف لكي يأخذ  مكانه جزء من تاريخنًا المدون و مناهجنا الدراسية فيكفي أن منحتها جامعة كليفورنيا الدكتوراة الفخرية في العام 1996م ،  ففاطمة التي إنتمت الي إنسانيتها اقتربت منها  الإنسانية منقادة فنحتت حروف إسمها في سجلات الأمم المتحدة  حين حازت علي  جائزة حقوق الأنسان في العام 1993م التي تمنح  لرموز رفع من شأنهم بصمات عطائهم .

 فاطمة البهاء  التي رافقتها نقاء السيرة في علو كعب جانب تشيعها  ( مزالق المفاضلة ) ، فمضت في رفقة موكب ( من ضمير الشعب )  الي مثواها الاخير   التحمت فيه المجايلة و التنوع و( الحزن النبيل)  .

فوداعاً  يليق بمقامك وسلام عليك مع الخالدات …