التغيير : شمال دارفور 

 

مرت قرابة الثلاثة أسابيع منذ ان أعلنت الحكومة السودانية ممثلة في نائب رئيس الجمهورية حسبو محمد عبد الرحمن حملة لنزع  السلاح في اقليم دارفور المضطرب  ، ولكن استجابة المعنيين بالأمر مازالت ضعيفة بالرغم من استخدام نائب الرئيس  العديد من الوسائل من الاغراء إلى التخويف بالسجن وغيرها من الأساليب. 

 

وطبقا لمتابعات ” التغيير الالكترونية” ميدانيا فإن الحملة التي انطلقت مطلع شهر اغسطس الجاري لم تجد سوى استجابة قليلة جدا من بعض الأفراد الذين سلموا أسلحتهم في عدد من المراكز التي خصصت لجمع السلاح  والتي تشرف عليها القوات المسلحة في الفاشر ونيالا وزالنجي والضعين والجنينة وبقية المدن.  

 

وابدى كثير من لافراد والجماعات تحفظات على تسليم أسلحتهم اولا قبل ان يقوم الآخرون بفعل ذلك. ومن بين هؤلاء احد القيادات الأهلية في شمال دارفور والذي رفض تسليم عشيرته لأسلحتها قبل الآخرين. وقال بعد ان فضل حجب اسمه ” نحن مع مبدأ تجريد السلاح من الجميع في دارفور ولكننا ايضا لن نقوم بتسليم أسلحتنا قبل ان يسلم الآخرون .. السلاح في دارفور هو الوسيلة الوحيدة لحماية القبيلة وأي قبيلة ليس لها سلاح سيتم سحقها واحتقارها”. 

 

واضاف ” اذا ارادت الحكومة فعلا ان تنزع السلاح من الجميع فعليها اولا عن التراجع عن قرار تسليم السلاح لقوات الدعم السريع لانه وبالنسبة لنا فان قوات الدعم السريع هي جزء من مليشيا قبلية فكيف لنا ان نسلم سلاحنا لقبيلة اخرى يمكن ان تهاجمنا في اي وقت.. ونحن على أتم الاستعداد لتسليم السلاح اذا كانت الجهة هي الجيش فقط وان يكون التسليم في وقت واحد وعبر وسيلة معروفة”. 

 

كما ان كثيرا من الأفراد والجماعات بدات في تخزين وتكديس الأسلحة في أماكن مختلفة ولجأت مجموعات اخرى  الى إرسال الأسلحة الى قراها البعيدة والنائيه في خطوة منها لمناهضة القرار والتحسب للاحتمالات الاسوأ. 

 

وليس المخاوف القبلية وحدها التي تقف عائقا امام الخطط الحكومية لجمع السلاح من الاقليم الذي يشهد حربا أهلية منذ العام 2003 ، بل هنالك عقبات اخري تبدو اكثر صعوبة وتعقيدا.  فعلي سبيل المثال فان قائد حرس الحدود موسى هلال  وهي ايضا من المليشيات العسكرية التابعة للحكومة رفضت تسليم اسلحتها. بل انه ذهب الى اكثر من ذلك عندما تحدى نائب الرئيس بشكل شخصي خلال استعراض عسكري وقبلي نظمه في معقله بمنطقة مستريحة بولاية شمال دارفور قائلا انه مستعد لأسوأ السيناريوهات الممكنة. كما رفض دمج قواته مع قوات الدعم السريع الذي يقودها محمد حمدان ” حميدتي” والذي ينحدر ايضا من نفس القبيلة ويعتبر بمثابة ابن عم لهلال. 

 

ورد حميدتي علي رفض قائد حرس الحدود الامتثال لاوامر الدمج ونزع السلاح بانه يتملك تفويضا من رئاسة الجمهورية وانه سيتعامل بحزم شديد مع هلال وقواته. قائلا خلال حوار نشرته اكثر من صحيفة تصدر في الخرطرم انه سيجبر قوات حرس الحدود على تسليم سلاحها حتى لو استخدم القوة.  

 

وإزاء ذلك، تصاعدت المخاوف وسط السكان في الاقليم الذي لم يشهد استقرارا منذ اكثر من 14 عاما من ان يتحول الخلاف بين هلال وحميدتي إلى حرب شاملة في ظل امتلاك الطرفين للاسلحة الخفيفة والثقيلة والآلاف من الجنود المدربين وهو ما يشير الى ان الحرب – في حال اندلاعها هذه المرة – ستكون اكثر شراسة من سابقاتها باعتبار ان الطرفين هما الأكثر تسليحا وسيطرة على مقاليد الامور في دارفور في الوقت الحالي. 

 

ويتجاوز عدد افراد قوات الدعم السريع وحرس الحدود مائة الف شخص تم تدريبهم في معسكرات مختلفة على معظم أساليب القتال وتسليحهم باسلحة خفيفة وثقيلة تشمل المدافع الرشاشة وقاذفات اللهب. 

 

 

وفي خطوة منها لإظهار القوة، اجرت القوات المسلحة السودانية مناورات بالذخيرة الحية في شمال دارفور  اطلقت عليها اسم ” المريم تاجا” وبالقرب من معقل موسي هلال ، واستخدمت فيها كل آلياتها العسكرية وعددا ضخما من الجنود، وحرص قادة القوات خلال مخاطبتهم للمناورات على التركيز على قضية نزع السلاح والتأكيد على استخدام القوة لاي شخص يعترض هذه الحملة. 

وعمدت الحكومة السودانية عند بدء الازمة في الاقليم  الى تسليح بعض  القبائل  المنحدرة من أصول عربية  لمواجهة الحركات  المتمردة  والتي ينحدر اغلب قادتها وعناصرها من قبائل منحدرة من أصول أفريقية  بعد ان عجزت الاجهزة الامنية من جيش وشرطة وأمن من مواجهة التمرد ما جعل السلاح متاحا لدي أفراد هذه القبائل.

 

 كما أغرت الانتصارات العسكرية التي حققتها قوات الدعم السريع علي الحركات المسلحة خلال السنوات الاخيرة  السلطات المحلية في دارفور في زيادة تسليح أفراد هذه القبائل ومنح رتب عسكرية لقادتها وجعلهم جزء من المنظومة الامنية في ولايات دارفور. 

ولا توجد احصائية دقيقة لعدد قطع السلاح في دافور ، غير ان تقريرا لمنظمة ” الأسلحة الصغيرة” البريطانية نشر قبل سنوات أشار الى ان منطقة دارفور تعتبر من اكثر المناطق انتشارا للسلاح في افريقيا شمال الصحراء بعد ان قدرته بعشرات الالاف من قطع السلاح الصغيرة .

 واوضح التقرير ان السلاح يباع بأسعار زهيدة جدا خاصة الأسلحة الروسية الشهيرة ” كلاشنكوف”  مقارنة بمناطق اخري في العالم بسبب سهولة الوصول الى الاقليم عن طريق دول الجوار مثل ليبيا وتشاد وإفريقيا الوسطي، بالاضافة الى تسليح السلطات الحكومية العدد الاكبر من الناس.  

كما وجدت حملة جمع السلاح تحفظات من احزاب سياسية ومنظمات مجتمع مدني معنية بحقوق الانسان والتي اعتبرت الحملة وسيلة “لتصفية حسابات واعادة هيكلة الوضع في دارفور لصالح قوى وجماعات بعينها”.   

وفي هذا الصدد ، اكد حزب الأمة القومي المعارض خلال بيان له  ان  الحكومة كانت سببا في انتشار السلاح في دارفور ، مشيرة الى انه أسهم في هتك النسيج الاجتماعي وتسبب في الدمار والخراب والموت على حد تعبير البيان .

واعتبر الحزب الذي يقوده  الصادق المهدي ان عملية جمع السلاح “تستوجب الجدية اللازمة من سياسات وإجراءات تحقق السلام والاستقرار وتوفر الأمن حتى تنتفي الحاجة لامتلاك السلاح بواسطة المواطنيين”.

وأضاف البيان  ” الحديث عن جمع السلاح اعلاميا يجعلنا نتساءل عن أهلية النظام للقيام بهذه المهمة ولماذا في هذا التوقيت؟ وهل يستطيع تفكيك ترسانة المؤسسات  القبلية المتحالفة معه؟”.

والتساؤلات حول توقيت بدء حملة نزاع السلاح لم يثيرها حزب الامه فقط في بيانه أعلاه ، بل ان هنالك كثيرا من المراقبين للاوضاع السياسية والامنية في البلاد استفسروا حول لماذا بدأت الحكومة هذه الحملة الان مع ان الرئيس عمر البشير قد اعلن العام الماضي عن نية حكومته جمع السلاح بل وشكل لجنة عليا بقيادة نائبه الاول بكري حسن صالح ، قبل ان يعود ويعطي هذا الملف الحساس لنائبه حسبو والذي ينحدر اصلا من دارفور. 

ويري ادريس الدومة وهو أكاديمي وخبير في شئون دارفور ان الحملة الحكومية ماهي الا استجابة للشروط التي وضعتها الادارة الامريكية من اجل رفع العقوبات التي تفرضها على الخرطوم. واوضح ان واشنطن لديها تحفظات على المليشيات القبلية التي كونتها الحكومة والتي لديها سمعة سيئة في مجال حقوق الانسان” وتريد انها هذا الوضع”. 

واضاف ” الحملة وبالطريقة التي اعلنتها الحكومة تريد ان تنهي سيطرة المليشيات القبلية التي كونتها خلال السنوات الماضية مثل حرس الحدود وحتى الدعم السريع.. ستبدأ بموسي هلال وتنتهي بحميدتي والذي يدرك هذه المعادلة جيدا ولذا فانه قال ان قواته ليست مليشيا وهي جزء من القوات المسلحة.. ولا اعتقد ان الحكومة ستصطدم بقائد الدعم السريع وانما ستعمل على تحجيم نفوذه بعد ان تستخدمه لنزع سلاح موسى هلال ولو استخدمت القوة”.   

ويشهد اقليم دارفور حربا أهلية منذ العام 2003 بين القوات الحكومية مسنودة بمليشيات الجنجويد (الدعم السريع وحرس الحدود حاليا)والحركات المسلحة المتمردة وتحولت بعدها الى نزاعات قبلية عنيفة  غذاها انتشار السلاح.

 واتخذ الصراع في بدايته طابعا ثنائيا الحكومة وحلفاءها من القبائل العربية في مواجهة الحركات المسلحة التي ينحدر قادتها من القبائل الأفريقية التي نزح منها أكثر من مليونين إلى معسكرات النزوح في نيالا والفاشر والجنينة ومعسكرات اللجوء في تشاد.

وفي السنوات الأخيرة تصاعد قتال القبائل العربية فيما بينها، والصراع العنيف بين “السلطة المركزية” ومليشيات الجنجويد بتسمياتها الجديدة(الدعم السريع وحرس الحدود). ومحور الصراع بين الحكومة ومليشيا حرس الحدود بقيادة موسى هلال هو مطالبة الأخير بنصيب في السلطة المركزية وفي ولاية شمال دارفور يتناسب مع نفوذه العسكري الكبير.

أما مليشيا “الدعم السريع” المقربة من الرئيس البشير فسبق ان تحدت السلطة المركزية بحصارها لمدينة نيالا ومدينة الأبيض في أوقات مختلفة بسبب تأخر صرف الاستحقاقات المالية لعناصرها.

 وكانت الحادثة الأبرز والتي أثارت جدلا واسعا حول استقواء المليشيات على الدولة هي تحدي قائد مليشيا الدعم السريع حميدتي لوزير الداخلية الفريق أول عصمت عبد الرحمن  في “قضية جبل عامر” التي تسيطر عليها قوات موسى هلال إذ أكد الوزير أمام البرلمان وجود أكثر من ثلاثة آلاف أجنبي يحتلون المنطقة الغنية بالذهب واستنجد بالجيش والامن لتحريرها إلا ان حميدتي أكد ان القوات الموجودة في جبل عامر سودانية وانتهى الأمر باستقالة الوزير.