رشا عوض

يبدو أن  السيد مبارك الفاضل نائب رئيس الوزراء ووزير الاستثمار فيما يسمى بحكومة “الوفاق الوطني” بحديثه لبرنامج حال البلد بفضائية السودانية 24 عن عدم ممانعته في تطبيع العلاقات بين السودان وإسرائيل  قد وقع في شرك(بفتح الشين والراء) نصبه له بدهاء خصومه في “حارة السقايين” التي ذهب إليها لبيع الماء للمرة الثانية على التوالي!

فردود الأفعال التي تلت هذا البرنامج ودخول هيئة علماء السودان على الخط تدل على أن هناك  مؤامرة ما  داخل النظام لطرد مبارك من الحكومة كما حدث له في بدايات الألفية.. والسبب ليس رفض  النظام السوداني للتطبيع مع إسرائيل من باب التعبد والتبتل في محراب القضية الفلسطينية، فقد تحدث إبراهيم غندور وزير الخارجية أن مسألة التطبيع ستكون قيد البحث في مداولات ما يسمى “بالحوار الوطني” وقبل ذلك دعا رئيس حزب الوسط الإسلامي ورجل الدين المقرب من السعودية يوسف الكودة للتطبيع مع إسرائيل، وقبل هذا وذاك كشفت صحف إسرائيلية عن علاقات خفية وزيارات لمسؤولين سودانيين إلى تل أبيب وعن استنكار نواب في الكنيست الإسرائيلي لتوسط الحكومة الإسرائيلية لصالح النظام السوداني لدى الولايات المتحدة الأمريكية كي ترفع عنه العقوبات مكافأة له على خدماته الجليلة لإسرائيل في مجال “مكافحة الإرهاب”، والمقصود هنا إرهاب “حركة المقاومة الإسلامية(حماس)” و”حزب الله” المدعوم من إيران إذ حدث تحول في سياسة النظام بموجبه قطع العلاقات مع ايران ورفع يده عن دعم حماس وتسهيل تهريب الصواريخ والأسلحة الايرانية إلى غزة عبر الأراضي السودانية، بعض نواب الكنيست اعترضوا على تعاون حكومتهم مع السودان متحججين بان النظام ينتهك حقوق الإنسان ويمارس القتل والإبادات الجماعية! وطبعا في الدولة العبرية مساحة من حرية التعبير أكبر بما لا يقاس من دولة”المشروع الحضاري” ولذلك رغم ان هناك مصلحة استراتيجية لتلك الدولة في التعاون مع النظام السوداني عبر جهاز مخابراتها(الموساد) الذي يجيد البيع والشراء في هذا النوع من الأنظمة، رشح إلى الصحف الإسرائيلية الرأي الآخر في القضية وهذا بدوره فضح الملعوب فلا أسرار تظل طي الكتمان إلى الأبد في هذا الزمن المدهش.

والسبب الذي جعل هذا النظام يلهث وراء إسرائيل ويلتقي عناصر الموساد سرا في الدول العربية التي سبقته إلى التطبيع بعقود معلوم وهو أن أقصر طريق إلى قلب واشنطن بالنسبة للأنظمة الفاشلة في”التطبيع مع شعوبها” وتريد رغم ذلك تأمين استمرارها في الحكم هو “التطبيع مع إسرائيل” ذات التأثير السحري على السياسة الأمريكية.

تأسيسا على ذلك فإن علاقة نظام البشير بإسرائيل تحكمها المصالح الدنيوية المحضة وحسابات معادلات القوة رغم أنف المزايدات الدينية ومهرجانات التهييج العاطفي والتهريج الخطابي في ساحات الخرطوم ضد الصهيونية وعملائها، فكل هذه المسرحيات مصممة للاستهلاك المحلي لتحقيق أهداف سياسية داخلية سواء في تصفية الحسابات مع المعارضة او مع الأجنحة المتصارعة داخل النظام نفسه.

وهنا يبرز السؤال لماذا يتآمر البعض من داخل النظام على مبارك؟

ربما لأن السيد مبارك  يريد ان يتمدد في مساحات سياسية خارج الحيز المرسوم لأمثاله من الذين يلتحقون بالإنقاذ عبر المسرحيات إياها وآخرها “الحوار الوطني” ! هؤلاء في عرف الإنقاذ يجب ان يقنعوا من الغنيمة بمرتباتهم فقط! واي محاولات “فهلوة” للتمدد في المساحات المحتكرة للإنقاذيين الأصلاء حتما ستهزم لأن الفهلوة و”شغل الثلاثة ورقات” صناعة انقاذية بامتياز! الشيء الوحيد الذي يمكن ان يهزم مخرجات هذه الصنعة اللئيمة هو “مكر الشعب السوداني” ولكن مبارك من العاجزين عن فك شفرة الوصول إلى الشعب ! ولذلك يستعيض عن سواعد الشعب السوداني بسواعد من عجوة أول من يتداعى إلى أكلها في الملمات هم رفاقه في هذا الدرب البائس! أي درب الانقسامات الحزبية ليس في سبيل إقامة الفريضة الغائبة عن الأحزاب السياسية في البلاد ممثلة في “الإصلاح الحزبي” في اتجاه تأهيل الأحزاب لخدمة جماهيرها وانتزاع حقوقها ، بل في سبيل تحقيق غايات وأطماع ذاتية في السلطة والثروة متشابكة مع أجندات إقليمية ودولية لا علاقة لها من بعيد أو قريب بالمصالح الاستراتيجية للشعب السوداني.

أما في موضوع علاقة السودان مع إسرائيل بعيدا عن حكاية مبارك والحكومة، فهو من صميم موضوعات علاقات السودان الخارجية التي يجب ان تكون محكومة برؤية وطنية شاملة قوامها التشخيص الدقيق لمصلحة الشعب السوداني بحسابات عقلانية  انطلاقا من معطيات الواقع ولا شك ان أحد هذه المعطيات الموقف الإنساني والأخلاقي من قضية الشعب الفلسطيني الذي يتفق الأحرار والمنحازون للديمقراطية وحقوق الإنسان على حقه في تقرير مصيره واقامة دولته المستقلة والتسوية العادلة لأزماته المتطاولة.

 ولكن السؤال المباشر لمن يصمم سياسة السودان الخارجية هو ما  دور السودان من الناحية العملية في هذه القضية؟ ما المطلوب منه تحديدا من الأفعال والأقوال؟

وفي هذا السياق يحضرني رأي  صاحب القلم الرصين الأستاذ بابكر فيصل وخلاصته أن “صدفة التاريخ والجغرافيا” أعفت السودان من قيادة المواجهة والتصدي لتحمل مسؤولية الصراع العربي الإسرائيلي لأن السودان ليس مركزا من مراكز “الثقل العربي الإسلامي” فتاريخيا، الخرطوم ليست دمشق الأمويين ولا بغداد العباسيين ولا قاهرة الفاطميين ولا استانبول العثمانيين. وفي الراهن المعاصر يعيش السودان هامشية ثلاثية الأبعاد فهو هامش العالم العربي وهامش العالم الإسلامي وهامش العالم الإفريقي، وهذه الهامشية لا تؤهله للقيادة من الصفوف الأمامية.

أجد نفسي متفقة تماما مع رأي بابكر فيصل، وتأسيسا على هذا الرأي يجب ان يبتعد السودان عن اي تورط في مواجهة عسكرية مباشرة أو غير مباشرة مع إسرائيل، لانه ببساطة لا يمتلك القدرة على ذلك ولا يستطيع تحمل تبعات مواجهة كهذه، وقد رأينا نتائج اندفاع النظام الحالي في مساندة حماس وحزب الله انطلاقا من هوس ايدولوجي لم يلبث ان انهزم هزيمة ماحقة أمام إكراهات الواقع السياسي.

ولكن سبب الهزيمة لا ينحصر في ان السودان غير مؤهل سياسيا واقتصاديا وعمليا وتكنولوجيا وعسكريا للدخول  في مواجهة مع اسرائيل ومن ثم التورط في صراع معقد متعدد الأبعاد، بل هناك سبب يسبق كل ذلك وهو انعدام  التأهيل الاخلاقي لهذه المواجهة، فهذا النظام قتل من السودانيين أضعاف من قتلتهم إسرائيل من العرب منذ عام 1948 هذا فضلا عن صنوف القهر والفساد الغليظ والممارسات الهمجية له في حق السودانيين قرابة الثلاثة عقود، فمن سلب الحرية والعدالة من شعبه غير مؤهل لإهدائها للفلسطينيين، بل هو مؤهل فقط للمساومة والمزايدة بالقضايا العادلة في أسواق النخاسة السياسية داخليا وخارجيا.

القضية الفلسطينية أكبر نموذج للقضايا العادلة التي هزمها المحامون الفاشلون.

وأن كانت هناك خطيئة ارتكبها مبارك الفاضل فهي التطبيع مع هذا النظام وليس الدعوة إلى التطبيع مع إسرائيل.