أحمد حسين آدم

تراجعت أزمة السودان في دارفور في الدوائر إلإعلامية ، والمنابر السياسية والدبلوماسية الإقليمية والدولية، أمام أزمات إقليمية ودولية أخرى، لكن النزاع لم ينته، أو يحل على أساس تسوية سياسية شاملة وعادلة.

لقد دخل النزاع مرحلة جديدة تعد أكثر تعقيداً وخطورة على مستقبل الإقليم، وما تبقى من السودان، فدارفور قد تحولت إلى ما يشبه مستعمرة للمليشيات  القبلية و المرتزقة ، غالبيتها جُلبت من بعض دول الجوار، مثل تشاد والنيجر وموريتانيا.

المرحلة الجديدة لأزمة دارفور،من المؤكد، ستطال تداعياتها المدمرة السودان بأسره. فواهم من يظن أن نيران الأزمة في تجلييها  الجديد – المتمثل في الصراع بين المليشيات من جهة، وبينها والنظام من جهة أخرى ـ سوف ينحصر لظاها وشررها في دارفور وحدها، خصوصاً في ظل هشاشة وفشل الدولة وتفسخ مؤسساتها القومية.

في هذه السطور نحاول قراءة تطورات ومغازي الحرب الكلامية والاستقطاب الحاد بين الشيخ موسي هلال، القائد الشهير لمليشيات “الجنجويد” وبين نظام الرئيس عمر البشير، كما نحاول استشراف السيناريوهات المُحتملة لهذا التصعيد والاستقطاب السياسي والأمني المتصاعد.

-1-

لا شك إن الأزمة الحالية بين موسى هلال والنظام تمثل نتيجة حتمية وطبيعية لسياسات النظام الذي إعتمد  الحلول الأمنية والعسكرية، للتعامل مع الأزمة السياسية في دارفور. فهو قد صنع واستقدم مليشيات “الجنجويد”، لمواجهة الحركات المسلحة في دارفور، منذ العام 2003، لكن النتيجة المدمرة أن هذه المليشيات العرقية وبتخطيط وقيادة النظام ارتكبت حرب إبادة جماعية ضد بعض القبائل الموصوفة  بذات الجذور الافريقية الأصلية، والتي ما زالت مستمرة . وقد اعتمد النظام على الأيديولوجية العرقية، والإغراءات المتمثّلة في تمليك الأراضي والممتلكات والأموال والسلطة لتجييش واستقدام هذه المليشيات . بكلمة أخرى، إن علاقة النظام بالمليشيات هي علاقة أساسها الغنائم والمصالح، وقد كان هدف البشير – وما  يزال -هو الحفاظ علي مصالحه الضيقة  للبقاء في السلطة، و ليس مصالح الوطن الاستراتيجية الحيوية.

لذلك، لم يكن أمراً مستغربا لكل عليم، أو مراقب  لنزاع دارفور، أن تضطرب و تتفسخ  عرى التحالف “غير المقدس” بين النظام في الخرطوم والمليشيات القبلية والمرتزقة في دارفور، إذ إنه تحالف دموي مصلحي، منبت عن أرض، ومصالح وإرث سكان الإقليم العريق، الذي كان سلطنة مستقلة عريقة  إمتد نفوذها  الي عمق السودان الواسع. وكما نعلم فقد تأسست   سلطنة دارفور على تحالف للتعايش السلمي بين كل مكونات السلطنة، ولا غرو أن كانت سلطنة دارفور آخر كيانات وممالك السودان  التي سقطت أمام غزاة الاستعمار البريطاني في العام 1916.

-2-

إن من دواعي عدم دهشتنا لتصدع  تحالف موسي هلال مع النظام هو أن استراتيجيي النظام كانوا يفكرون منذ الأيام الأولى لتجييش واستقدام مليشيات “الجنجويد” في مواجهة الحركات المسلحة ثم التخلص منها عندما تنتهي مهمتها بدحر الحركات المسلحة. فاستراتيجيو النظام، من أعضاء الدائرة الأمنية الضيقة  ينظرون إلى هذه المليشيات كمهدد وخطر أمني و استراتيجي على حكمهم،، حتي إن أحد صانعي استراتيجية وسياسة النظام في دارفور (والذي توفي قبل سنوات عدة) قال وفقا لمصدرنا في إحدى الاجتماعات السرية في بدايات الحرب في دارفور: “سنشعل حرباً ضارية بين أهل دارفور كحرب البسوس، فنحن في نهاية الامر ليست لنا مصلحة أو يربطنا عهد معهم، سواء كانوا عرباً أو غير عرب”.

إذن، تلك هي محددات  الرؤية الاستراتيجية لصناع القرار في الخرطوم إزاء دارفور. ومن الغريب أنها رؤية وسياسة موروثة من الاستعمار البريطاني الذي كان يتعامل مع دارفور بكل مكوناتها الاجتماعية  كمهدد وخطر أمني آنذاك. لكن للأسف لم يستوعب بعض قصيري النظر من متعهدي هذه المليشيات من  أبناء  دارفور الدروس والنوايا الحقيقية، والأبعاد الخفية لاستراتيجية النظام! لذلك وفي إطار سيناريوهات التعامل مع هذه المليشيات  درس النظام عدة خيارات، منها: افتعال الفتن والصراعات الداخلية بينها، أو زجها في حروب ضد الرئيس إدريس دبي في تشاد، لذلك علينا قراءة ظاهرة الفتن والاقتتال القبلي المستمر في دارفور، الذي حصد الآلاف من الأرواح واستقدام هذه المليشيات في حرب اليمن ضمن سياق استراتيجية النظام الأصلية في هذا المضمار.

-3-

لا شك، إن التصعيد والحرب الكلامية التي يشنها هلال ضد بعض رموز النظام ناتجة عن خلاف حقيقي، وتصدع في تحالفه مع النظام. لكن السؤال هنا: هل تصعيد موسي هلال هو نتيجة صحوة ضمير وانعتاق كامل عن ماضيه الإجرامي؟ أم أن الأمر لا يعدوا أن يكون صدعاً بالغبن وإظهاراً للمرارات في سياق الصراع حول الغنائم والسلطة؟

صحيح أنه أمر مرحب به أن يبتعد هلال عن تحالفه مع النظام حقنا لدماء الأبرياء، لكنه حتى الآن لم يعلن تمرده الكامل عليه، حيث أن سقف هجومه الكلامي لا يطال  الرئيس البشير  أو الجيش. فهجومه واستهدافه دائما يوجهه ضد غرمائه من أبناء دارفور في السلطة، هلال كان يهاجم عثمان كبر، والي شمال دارفور السابق. والآن فإنه يهاجم أبناء عمومته من المنتمين لقبيلة الرزيقات التي ينتمي إليها – تحديداً حسبو عبد الرحمن نائب رئيس الجمهورية والفريق حمدان حميدتي القائد الحالي لمليشيات الجنجويد أو  الدعم السريع.

صحيح أن سقف الحرب الكلامية من قبل موسي هلال ضد حسبو عبد الرحمن نائب الرئيس كان عالياً، حيث اتهمه بالفساد وشكك في انتمائه إلي  قبيلة الرزيقات  ذات الجذور العربية، بل تحداه بالمنازلة العسكرية ، كما سخر من الفريق حمدان حميدتي الذي في رأيه لا يستحق رتبة الفريق التي منحها له البشير، كما اتهمه بالفساد والخيانة. لكن في رسائله المتكررة التي ضجت بها وسائل التواصل الاجتماعي، فإن موسي هلال يعبر فقط عن غبن ومرارات ولا يطرح أو يتبني  رؤية جديدة، أو مسار  مغاير في دارفور، حيث لا تجد في خطبه موقفاً يعبر عن ندم أو اعتذار لأهل دارفور في شأن الجرائم الجسيمة التي ارتكبها، بل يردد هلال باستمرار أنه كان يدافع عن الوطن وعن النظام وأنه خدم البشير بإخلاص، ووفاء ، حيث قدم التضحيات الجسام  في سبيل ذلك.

لكن حسب هلال، فإن البشير ظلمه، بل واستبدله بآخرين أقل قيمة وتضحية منه، كما أوضحنا، هلال يختار عباراته بدقة حينما يتحدث عن البشير والجيش، فهو لا يهاجم البشير أو الجيش صراحة. بل يعتبر نفسه وميليشياته (حرس الحدود) جزءا أصيلا مِن الجيش السوداني.

-4-

لا جدال، فإن  الفراغ العسكري و السياسي الذي تركته الحركات المسلحة في دارفور، قد أعطي انطباعاً بانتصار النظام  ومليشياته هناك، ما أغرى موسي هلال بتصعيد موقفه، والضغط  لنيل نصيبه  من السلطة و المال.

و في ذات السياق ، الفراغ  السياسي و الأمني و العسكري  للحركات  و القوي السياسية المعارضة  الآخري ، نقل الوضع في دارفور الي فصل جديد و خطير، أي أنه نقل الصراع إلي داخل المليشيات وحواضنها القبلية، فالصراع الآن ينخر في  كيان قبيلة الرزيقات و أفخاذها، أي أنه صراع بين الشيخ موسي هلال ومن شايعه وهو ينتمي إلي فخذ المحاميد وهم من  الرزيقات الشمالية من مربي ومستقدمي الإبل، من جانب ، و  حسبو عبد الرحمن نائب الرئيس وحمدان حميدتي قائد مليشيا الدعم السريع  و هما ينتميان  إلي فخذ المهرية مِن الرزيقات الجنوبية، في الجانب الآخر للصراع.

-5-

كما قلنا في البدء، لا جدال في أن الوضع في دارفور يشهد تصعيداً خطيراً ومستمراً، ما ينذر بانفجار عظيم، ليس في دارفور وحدها، لكن في السودان بأسره و جواره الإقليمي. ويبدو واضحاً أن بعض المتنفذين في النظام يريدون تصفية وجود  موسي هلال، الذي أصبح عبئاً سياسياً وأمنياً ،  و عسكريا ، بل وحتى قضائياً – فهلال  يملك الكثير من الأسرار والمعلومات عن حرب الإبادة في دارفور، والتي يمكن ان تدعم ملف دارفور لدي المحكمة الجنائية الدولية. كما أن حسبو عبد الرحمن نائب الرئيس وحمدان حميدتي (قائد مليشيا الدعم السريع) كذلك يدفعان النظام لتصفية وجود هلال، تحت غطاء خطة جمع السلاح ليتحقق لهما ولفرعهما القبلي السيطرة على دارفور، ورفع سقف نفوذهما وحصتهما في السلطة في الخرطوم، بيد أن النظام ليس في وضع يمكنه من المواجهة  العسكرية مع هلال، إذ ليست لديه القوات الكافية لتنفيذ تلك المواجهة، فمليشياته مستنزفة في حرب اليمن، ومنتشرة حول الخرطوم لتأمينها.

صحيح،  إن موسي هلال نفسه الذي تحيط بمواقعه  قواعد عسكرية  عدة ليس حريصاً على المواجهة العسكرية مع النظام، لكن ربما يتغير موقفه بتغيير ديناميات و مفاعيل  الوضع الإقليمي في ليبيا وتشاد، فإذا استطاع موسي هلال “تشبيك” العلاقات مع محور الجنرال  الليبي خليفة حفتر وحلفائه الإقليميين، أو تطور تقارب الرئيس إدريس دبي تجاه التحالف الإقليمي الذي يمثله خليفة حفتر، فإن موسي هلال ربما يطور موقفه تجاه الحركات المسلحة والمحور الإقليمي الذي يمثله حفتر ، الذين يتخذون من الحرب على الاٍرهاب مهمة خالصة لهم.

في السياق، ربما يقدم النظام تنازلات في السلطة والنفوذ لهلال فيحتويه، كما احتواه من قبل، فهلال لا يمل مِن الصدع برغبته في السلطة والنفوذ، فربما  يريد  هلال الظفر بموقع نائب الرئيس ومواقع أخري في السلطة. ، أو أن يكون صانعا للذين يمارسونها نيابة عنه، وربما يريد الضغط على النظام، لغض الطرف عنه ليستثمر في تنقيب الذهب في جبل عامر في دارفور. لم لا، فهو يزعم أنه الأكثر قوة وعدداً، والقوة هي العامل  الأوحد لتولي السلطة في عهد البشير الذي يبذل الإغراءات للمليشيات لحمايته ونظامه.

لكن قطعا، الأجدى لهلال الإعراض عن مساومات وتكتيكات لعبة السلطة مع النظام الذي هو إلى زوال قريب! مهما احتمى بالقوة، هكذا يقول منطق التاريخ والعصر. ومع هذا لا نستبعد أن يتم احتواء هلال، ولو على نحو مؤقت، لكن الوضع في دارفور لا مناص سينفجر، إذ أن القضية لم تحل حلا شاملاً وعادلاً. وانفجار الوضع في دارفور سيفجر أوضاع السودان ومحيطه الإقليمي، كما أن أوضاع المليشيات في دارفور هي أيضاً ذاهبة إلى انفجار وحرب “بسوسية” لا محالة.

هذا ما تعلمناه من دروس التاريخ، عندما يعتمد نظام أقلية ديكتاتورية على مليشيات عرقية أو دينية لحمايته. إنها لعنة المليشيات، تطارده اليوم، وستساهم في إسقاطه.

لكن على السودانيين أن لا يتركوا مصير وطنهم للنظام ومليشياته، عليهم المبادرة بالتصدي لخلاص الوطن قبل ان يتفكك و ينهار ، كما أن على القبائل كافة  في دارفور أن لا تقع في أفخاخ الفتنة والاحتراب.