تحقيق:”التغيير الإلكترونية”

بدأ نظام الإنقاذ رقابته المباشرة، والمتلازمة مع تطبيق مشروعه الحضاري بمذيعات تلفزيون السودان، حيث تم الزامهن بتغطية أجسادهن ورؤوسهن فيما اصطلح عليه وقتها بـ”الزي الاسلامي”، إبان تولي “الطيب مصطفى” لإدارة التلفزيون في تسعينات القرن الماضي، وكانت تلك هي الفترة الأسوأ في التشدد والتعنت تجاه ملابس المذيعات والعاملات هناك بشهادة أعداد كبيرة ممن عملن في الفضائية السودانية في ذلك الوقت، بل وشمل هذا التشدد حتى ضيفات القناة، اللائي كن يلزمن بالزي الاسلامي، وتثبيت الثوب بإحكام على الرأس أثناء التصوير.

 

لجنة النعامة وأحمر الشفاه:

 

ووصل التشدد والتعنت  لدرجة منع “المكياج”، وكان الأمر  تحت رقابة المدير – الطيب مصطفى – المباشرة، حتى انه كان يعاقب المذيعة التي  تظهر منها خصلة شعر دون قصد. ووصل به الأمر إلى أنه رأى حجب ارجل النعامة في الشاشة، بدعوى أنها “مثيرة”، وكون لجنة خصيصاً  لذلك الغرض سُميت بـ”لجنة النعامة”، والتي توصلت إلى أن أرجل النعامة تستحق الحجب درءا للفتنة. فكانت تلك هي الحقبة  الاسوأ في التزمت بلا منافس.

وفي بادرة “غريبة” تحكي الاعلامية “مروة الحاج”، المذيعة السابقة في “تلفزيون السودان” عن تجربتها لـ”التغييرالإلكترونية” قائلة: “كنت في إدارة الأخبار والشؤون السياسية في اواخر العام “1998”، عندما كان “الطيب”  مديراً للتلفزيون، وكنت حينها أُعد وأُقدم عدداً من البرامج السياسية، وبعد بث إحدى الحلقات، أوقفني “الطيب” عن العمل، بحجة استخدامي لأحمر الشفاه “عاملة روج”، وتم تكوين لجنة للنظر في مقدار أحمر الشفاه الذي وضعته، مكونة   من الأساتذة جابر الزين مردس، ويس ابراهيم، وانس العاقب. وأوصت اللجنة بإيقافي عن العمل، وخصم مرتب شهر، لأن الروج “لم يكن كثيفاً”، لكنه قال لهم بالحرف الواحد (يجب أن تُفصل من التلفزيون، حتى تكون عظة وعبرة لغيرها من المذيعات، حتى  لا  يستخدمن  “روج” نهائياً)، وفعلا تم فصلي، على الرغم من أنني لم أكن أضع أحمر الشفاه نهائياً في ذلك اليوم .

 

الطيب مصطفى “نيو لوك”:

 

وبعد قُرابة العقدين من الزمان، يقف المدير الذي حرم “الروج” وفصل المذيعة بسببه، على النقيض من موقفه، حين تقوم شركته الإعلانية الخاصة  (كاتيا)، والتي يديرها ابناؤه، بالتعاقد مع المذيعة الموديل “جدية عثمان”، مراسلة قناة (ام بي سي) من لندن، لتقديم برنامج اعلاني  خفيف عن الطبخ، يدر اموالاً طائلة عبر الاعلان، اسمه (أطبخ لزوجتك)، تظهر فيه المذيعة والضيفات في قناة النيل الازرق- (60%) من اسهمها حكومية، وهي  التي اشترت البرنامج – بكامل المكياج  وتسريحات الشعر في برنامج الطيب “االتجاري”، بينما يتشدق بحُرمة كل ذلك في مشروعه “الرسالي”، وهو المشروع الذي برر به سياساته القمعية في تلفزيون السودان  .

أما قناة الشروق المملوكة لرجل الأعمال المنتمي لحزب المؤتمر الوطني  جمال الوالي فقد وظفت مذيعات من جنسيات عربية وسمحت لهن بالظهور بدون غطاء رأس  وهو ما لم تسمح به للمذيعات السودانيات.

إلا أن هذه القناة رغم ارتباطها الوثيق بحزب المؤتمر الوطني الحاكم تبدي تساهلا كبيرا في أزياء النساء مقارنة بتلفزيون السودان القومي ويفسر مراقبون ذلك بأن مصلحة الفضائية ممثلة في جذب الجمهور ومن ثم النجاح في جذب الإعلانات  يتطلب ذلك فهنا يغلب منطق  “البزنس” وهذه مفارقة كبيرة إذ يطبق البرنامج الحزبي على تلفزيون الدولة ويستثنى منه تلفزيون الحزب الحاكم صاحب البرنامج!

وسبق ان ظهرت الفنانة نانسي عجاج في سهرة كاملة من انتاج قناة الشروق دون اي غطاء رأس وذلك من المشاهد النادرة في الفضائيات السودانية منذ عام 1989

 انهيار المشروع الحضاري :

المخرج الإذاعي السر السيد يحلل ذلك لـ”التغييرالإلكترونية” قائلاً بأن الانقاذ – كعادة المشاريع الاسلامية – وضعت كل قيمها في زي النساء، وليس المذيعات فقط. حتى الممثلات مورس عليهن تشدد في الزي، وكن  في السنوات الأولى يرتدين الحجاب، ولو كان المشهد داخل غرفة النوم، لانهن ملزمات بتغطية الرأس والعنق، ولكن “كل ذلك تغير الآن” .

ويرى “السر” أن ما حدث من ارتخاء تجاه الزي، هو نتيجة لانهيار المشروع، وليس لموقف إيجابي تجاه الحريات الشخصية. فالأيدولوجيا الدينية ضعفت، وتفككت في كل مفاصل الدولة، وجزء من هذا التراجع يعود إلى أن الفكرة نفسها كانت مصادمة لثقافة المجتمع ووسطيته، لذلك رفضها المجتمع، وانتصر عليها، ولم يتبق منها شيء، من المرتكزات الاساسية. ووجوب تغطية اجساد النساء ما زال موجوداً في قانون النظام العام، وفي مؤسسات الدولة كذلك، فمثلاً تلفزيون السودان “الحكومي”، مازالت مذيعاته يرتدين الحجاب، لكن بدرجة أخف. بينما تحررت الفضائيات الخاصة من ذلك لحد كبير، وابقت على “الثوب السوداني” أو “الطرحة التقليدية”، بدون أي قيود في طريقة ارتداءها.وتغير الأمر حتى بالنسبة للمغنيات، فـالمغنية “نانسي عجاج” التي كانت تغطي شعرها بالقبعة في حفلات الفضائيات السودانية، باتت تظهر سافرة دون أي غطاء للشعر .

فضائيات تمارس القمع:

 الناشطة النسوية “يسرا فؤاد” ترى أن قناة مثل “النيل الازرق”، لازالت تمارس “القمع”، بسبب الزي، على الضيوف. ومن واقع تجربتها الشخصية التي حكتها لـ”التغيير الالكترونية”، خلال مرافتها لزوجها الناشط الحقوقي ومحارب السرطان “وليد النقر”، والذي كان ضيفاً على أحد البرامج،  تقول يسرا : (انتظرنا في الاستقبال لحين حضور منتجة البرنامج، لأننا لم نجد اسماءنا في الاستقبال، وحين حضرت أخبرني موظف الاستقبال أنني لا استطيع الدخول مالم أُغطي رأسي “حسب النظام”، فرفضت ورفض هو دخولي . في النهاية قلت للمنتجة “إذهبي أنت و”وليد”، وانتظرت حتى نهاية الحلقة، وحضرت المنتجة والمذيع واعتذروا لي، . لكني اعتبر أن هذه ليست مشكلتهم، بل مشكلة القناة التي لازالت تقمع الحريات الشخصية للنساء، ولا تحترم التنوع. علماً بأن هناك نساء في بعض مناطق السودان لا يضعن غطاء رأس نهائياً بحسب ثقافاتهن) .

ويبدو أن القبضة الحديدية على أزياء النساء ارتخت، بفضل “تضعضع” المشروع الاسلامي الحاكم نفسه، ولم يعد جزءاً أصيلاً من برمجة الفضائيات الحكومية، والخاصة. إلا أن السياق العام مازال يُحكم بفرض زي معين. وحتى الآن لم تظهر مذيعة “سافرة تماماً” باستثناء  مذيعة فضائية سودانية 24 “ناتاليا”،  وهي المرة الأولى التي تظهر فيها مذيعة من جبال النوبة، دون تغيير لونها، وسحنتها، وزيها “غير الاسلامي”.