بقلم: خالد التيجاني النور

يثير الجدل المحموم الذي غشي فضاء الرأي العام السوداني على خلفية الإعلان الحكومي، شبة المباغت، بنزع السلاح المنتشر بكثافة في أيدي المواطنين، بما في ذلك الميلشيات المنظمة وحركات المعارضة، خارج ولاية القوات المسلحة النظامية، يثير تساؤلات أبعد مدى وأخطر أثراً بكثير مما يجري تداوله من أفعال وردود أفعال مثيرة متبادلة، ولعل السؤال الكبير ما الذي بقي من الدولة السودانية ومواطنوها يشاهدون فصول هذه المسرح العبثي، فالهيبة التي أريد لها أن تسود بنزع السلاح تضعضعت أكثر تحت تردي تلاسن غير مسبوق.

يا ترى هل كان الدكتور منصور خالد يقرأ بعيون زرقاء اليمامة وهو يخط كتابه “تكاثر الزعازع وتناقص الأوتاد” الذي صدر في العام 2010 بين يدي الاستفتاء على تقرير المصير للجنوب الذي دشن لعهد تقسيم البلد الموحد، برهان خاطئ فلا السلام والاستقرار تحقق، بل تمت إعادة إنتاج الأزمة وتدويرها في الشطرين المنقسمين، قال الدكتور منصور حينها إن دافعه لذلك الكتاب هو التذكير, أو التحذير بالأحرى من خطر الانهيار، انهيار (انهيار مكعبات الدومينو)، فالدومينو لا يتماسك إلا بتساند مكعباته، وإن وقع فلن يحدث اعتباطاً بل بفعل فاعل، وتلك من آيات الغفلة الكبرى للذين كانوا يظنون أن التفريط في الوحدة مجرد نزهة لن يلبث السودان أن يتجاوزها.

ولمن يسأل محقاً وما علاقة ذلك بما نحن فيه؟ حسناً تتأكد العلاقة من نمط التفكير في مواجهة الأسئلة الكبرى، أسئلة أن نكون أو لا نكون، حين ترتبط الأمور بمسائل مصيرية ترسم مستقبل الدولة ويجري التعامل معها بكثير من قصور الرؤية والتعجل لتحقيق مكاسب آنية على حساب تعقيدات مستقبلية جمّة، تنظر بعين ثاقبة للتبعات والتداعيات والمآلات البعيدة ليس بتقديرات اليوم ولا لسنين محدودة بل لأجيال قادمة. والأمثلة الشاخصة جراء سوء التقدير أو شح النفس أكثر مما تحصى في شأننا العام.

وللمفارقة فقط فلننظر كيف لعمل سليم ومطلوب بشدة مثل نزع السلاح وجمعه تحت مظلة شرعية وحيدة مأمونة تمثلها القوات المسلحة السودانية، وقد تحول تحت ضغط أجندة عجولة إلى مثال لما أشرنا إليه آنفاً من تداعيات تقود إلى العكس تماماً من الهدف الذي كانت تصبو إليه.

ولعله من الخفة بمكان أن تتم المسارعة إلى معالجة “سرطان السلاح غير الشرعي المنتشر” في جسد البلاد وكأنه هبط للتو من السماء على حين غفلة، أو تمكّن في أغلب أنحاء البلاد اعتباطاً أو من باب الصدفة المحضة، فهذا التعامل السطحي مع أعراض هذه الظاهرة المتمكّنة، دون النظر في جذورها وأسبابها ودواعيها، يسهم في تعميق خطرها بفعل عشوائة مواجهتها في غياب تشخيص دقيق وسليم لمسبباتها، وعلاج فعّال يكافح جرثومتها، وليس الاكتفاء بمظاهر التصدي لأعراضها الطارئة.

ومما يؤسف له أن الرغبة، او الحرص لأجندة معلومة، في تجاهل الأسباب الحقيقة التي أدت إلى فقدان الدولة السودانية لأهم مقومات سلطان وجدوى أية دولة حديثة باحتكار السلاح للقوات المسلحة النظامية، ربما يقف وراء القفز إلى محاولة معالجة انتشار السلاح دون استعداد كاف للعمل على تجفيف الينابيع المؤسسة لهذه الظاهرة المنفلتة من عقال الدولة. فانتشار السلاح غير الشرعي نتيجة لسياسة وسياسات متبعة وليس سبب في حد ذاته معزولاً من السياقات التي أدت لاستفحاله.

فتّش عن سياسة “التمكين”، فهي لم تكن مجرد أمر عارض في سياسة الحكم الإنقاذي، كما أنها لم تقتصر على مجالات محدودة بعينها بل امتد لتطال كل شئ في بناء الدولة بلا تحسب لتجاوز أية سقوفات أياً كانت، فقد كانت تهدف لأمرين استدامة السلطة، وإعادة هندسة الدولة والمجتمع لخدمة هدف احتكارها، كان انقلاب “الحركة” الإسلامية بدعاً، فهو فريد في نوعه من كونه مدني كامل الدسم بغطاء عسكري، وكان نتاج ذلك غلبة تكتيكات غريزة المحافظة على البقاء على عقلانية الحفاظ على مقومات الدولة الحديثة.

وتبعاً لذلك جرى نقض غزل كل المؤسسات التي تشكل، من واقع خبرة الممارسة السودانية في انتفاضتين، خطراً محتملاً أو أداة في تغيير موازين القوة لغير صالح السلطة الحاكمة، وتم جراء ذلك اللجوء إلى التجييش الشعبي في مقابل فك احتكار القوة النظامية للسلاح، تغيير طبيعة نظم العمل النقابي، وتجريف العمل السياسي، وبالطبع احتكار مصادر الثروة. وهي عملية بالغة التعقيد أثبتت نجاعتها في تحقيق هدف الحفاظ على السلطة، ولكن لم يكن ذلك مجانياً سواء على صعيد فقدان تماسك الحؤكة الإسلامية تحت وطأة صراع المصالح، بيد أن الأخطر من ذلك تفكيك ركائز الدولة السودانية الحديثة لصالح تركيبة أخرى.

وبما أننا نناقش هنا مسألة انتشار السلاح، حيث تأسس جذرها لتصبح ثقافة على وقع التجييش والعسكرة، خارج نطاق المؤسسة التقليدية للقوة النظامية التي ظلت تحتكر ذلك، وإن كان تحت عباءتها ظاهراً وراء لافتة الجهاد في الجنوب التي استغرقت جل عقد التسعينات، وامتد أثرها ليغلب على طابع الحياة العامة، غير أن التطورات اللاحقة بسبب الصراع داخل مكونات النظام التذي قاد لما يُعرف بالمفاصلة، مع تراجع البريق الأيدولوجي للشعارات الإسلامية تحت بروق الطمع في السلطة والثروة، أدى لتحلل تلك التجربة في التجييش الجهادي مع انصراف الأنصار عنها مع تراجع روح الفداء عن مشروع لم يعد ملبياً لتطلعاتها وأشواقها الدينية، وزاد الأمر التباساً أن الجنوب الذي قدمت كل تلك التضحيات من أجله جرى تسليمه في طبق من ذهب لخصوم الأمس في الجيش الشعبي على طاولة المفاوضات ما لم يحصل عليه بقوة السلاح.

غير أن الحاجة للتجييش غير النظامي ظلت باقية بعد انحسار “الروح الجهادية” مع استمرار التحديات التي تواجه النظام بطبيعته الخاصة التي تشكل فيها، في ظل انفجار أزمة دارفور، وفي إعادة إنتاج الحرب في جنوب كردفان والنيل الأزرق، وتحت ضغط الحاجة في مواجهة هذه التطورات حلّت البندقية المستندة على اعتبارات قبلية محل البندقية الجهادية، بكل ما يعنيه ذلك من تبعات، ليس أقلها خروج الدولة من المكانة التي تظلل بها جميع مواطنيها إلى أن تصبح في نظر بعضهم ليس خصماً فحسب، بل وحليفاً لخصوم في صراعات محلية مما أفقدها طابعها الحيادي، وهو ما يغزي الآن مقاومة جميع السلاح تحت دعوى أنه الوسيلة الوحيدة للحماية الذاتية في ظل عدم الثقة في حياد السلطة .

ودون الحاجة للخوض في مزيد من التفاصيل فإن نزع السلاح المنتشر خارج المظلة الشرعية وإن كان قرار صائب تأخر كثيراً، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة أنه يمكن أن يتحقق هكذا خبط عشواء دون النظر في جذور مسبباته، وهي كما أسلفنا نتيجة لسياسة وسياسات الدولة، وهو ما يعني أن تنفيذه يجب أن يسبقه مراجعة للإطار السياسي المؤسس لهذه الحالة، وهو ما يقتضي توفر إرادة سياسية تحقق تسوية شاملة للأزمة الوطنية بلا مزايدات ولا مناورات وفق خريطة طريقة تقود لتحول ديمقراطي حقيقي، وإنهاء حالة التجريف السياسي التي أقعدت بالعمل السياسي المدني المعارض في ظل التضييق الحكومي، وللمفارقة في ظل اعتبارها فقط للمعارضة التي تحمل السلاح، وضرورة استعادة القوات المسلحة لدورها الشرعي كمحتكر وحيد للسلاح وإنهاء أية مظاهر لتعدد القوى المسلحة خارجها.

عن صحيفة إيلاف