منذ لحظة الإطاحة بالرئيس المصري محمد مرسي في يوليو (تموز) 2013، أدرك قادة جماعة الإخوان المسلمين أنَّهم في صراع حياة أو موت مع الحكومة الجديدة المدعومة من الجيش، لكن قيادات الجماعة اعتقدوا أن منظمتهم الهيراركية العتيدة، التي ترفع شعار «الموت في سبيل الله أسمى أمانينا»، تمتلك من القوة البشرية ما يكفي لدحر أي عدوان.

من بين كل خطايا سوء التقدير الاستراتيجي التي قامت بها الجماعة في أثناء الربيع العربي قصير العُمر، كان هذا الاعتقاد هو الأعلى تكلفة. أسفرت مجزرة رابعة وما تلاها من اعتقال قادة الجماعة عن ضرب عُنقها على مستوى مصر وداخل محافظاتها، وشل حركتها على الأرض. وبعد أربعة أعوام، أصبحت جماعة الإخوان، التي كانت قد حققت عددًا من الانتصارات في الانتخابات التشريعية والرئاسية والاستفتاءات، منظمة منقسمة على نفسها، ظاهرة بالكاد في أغلب أنحاء البلاد.

في تقريره بمجلة «فورين أفيرز»، يحلل إيريك تريجر التقدير الخاطئ الذي مزق جماعة الإخوان نصفين، أو على حد تعبيره «خطأ الجماعة الفادح».

100 ألف شهيد

قبل أسبوعين من المجزرة، في حوارٍ مع الصحافي ماجد عاطف بجريدة السفير، قال جهاد الحداد المتحدث باسم جماعة الإخوان: إن السلطات لا تستطيع فض اعتصام الجامعة في القاهرة؛ لأن هذا سيتطلب قتل 100 ألف متظاهر. وهم «مستعدون لتقديم 100 ألف شهيد»، على حد تعبيره.

ثمَّ كانت المجزرة. اقتحمت قوات الأمن الاعتصمات التي نظمتها الجماعة في ميادين الجيزة والقاهرة، وقتلت عددًا من المتظاهرين قدرته منظمة «هيومان رايتس ووتش» بثمانمائة مدني من المحتاجين على الإطاحة بمحمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب.

يقول تريجر: إن نقطة خلافٍ رئيسة بين أعضاء الجماعة الشباب وقادتها الكبار كانت في اختيار السلمية بدلًا عن المواجهة العنيفة. بالرغم من حشد الجماعة أنصارها وتوجيههم إلى العنف عدة مراتٍ في عهد مُرسي، جنح قادتها إلى السلمية عقب الإطاحة به، ووقف المُرشد الأعلى محمد بديع أمام المتظاهرين قائلًا عبارته الشهيرة «سلميتنا أقوى من الرصاص».

رأى شباب الإخوان هذه الاستراتيجية ساذجة وبالغة الخطورة، تتركهم وإخوانهم بلا دفاع في مواجهة عدوان السلطة العسكرية. في منشورٍ على موقع فيسبوك بعد محاولة الانقلاب على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، تهكَّم عمرو فراج، أحد أعضاء الجماعة البارزين في اسطنبول، قائلًا «يوم 4 يوليو بعد صبيحة الانقلاب، المبنى بتاع الجيش اللي في قلب ميدان رابعة، الظباط والعساكر خارجين داخلين، وإخواننا الأفاضل بيقولك احنا سلميين محدش يكلمهم (…) سلميتنا أقوى من الرصاص.. طيب خد على قفاك».

وأكَّد أحمد المغير، عضوٌ آخر بالجماعة، أن الاعتصام – حسب روايته – كان مسلحًا بما يكفي لأن «يصد الداخلية ويمكن الجيش كمان. إلا إن قبل يوم الفض بيومين كان 90% من السلاح ده خارج رابعة، وخرج بخيانة من أحد المسؤولين»، على حد تعبيره.

اتجاهٌ نحو العنف

في الأشهر التالية، بدأ شباب الجماعة في حمل السلاح. كوَّن الشباب وحدات مسلحة لحماية الاحتجاجات الواهنة المستمرة من بطش قوات الأمن، وفقًا لدراسة نشرها صامويل تاضروس الأكاديمي المصري بمعهد هادسون، لكن هذه الوحدات ما لبثت أن اتخذت وضع الهجوم، وبرزت على الساحة فصائل مسلحة تستهدف أقسام الشرطة والعسكريين وأبراج الطاقة ومنشآت البنية التحتية الأخرى.

أبرز داعمي هذا التوجه إلى العنف كان محمد كمال، عضو المكتب التنفيذي بالجماعة، الذي بقي مختبئًا داخل مصر وشكَّل لجان عملياتٍ نوعية بهدف زعزعة استقرار النظام، لكن الحرس القديم بالجماعة انتابه القلق من تشكيل اللجان النوعية، دون موافقة القادة، ما يُضعف سيطرتهم على المنظمة، وحذروا من شرعنة عُنف الدولة ضد الجماعة حال تبنيها العنف.

لكن هذه المجهودات فشلت في احتواء جناح محمد كمال داخل الجماعة، وفقًا لتريجر. انتصر الجناح «الثوري» في انتخابات الجماعة الداخلية في أوائل 2014، وخرج الصدع إلى العلن في منتصف 2015، حين أعلن عدد من شباب الجماعة البارزين وعدد من المكاتب الإقليمية الفراق بينهم وبين الحرس القديم.

في ذلك الوقت، كلَّف محمد كمال «لجنة الشريعة» بالإهوان المسلمين بصياغة ملامح دفاعٍ عن «النشاط الثوري» يستند إلى الشريعة الإسلامية. وكان منتجها النهائي هو «فقه المقاومة الشعبية للانقلاب»؛ دراسة تدعم ألوانًا من أعمال العنف تضمنت قتل ضباط الشرطة والجنود و«المتعاونين» مع الحكومة المصرية. واتهمت الدراسة أيضًا المسيحيين بمحاصرة الكنائس وقتل المصلين، واحتجاز النساء المسلمات».

مقتل محمد كمال.. واستمرار العُنف

بعد مقتل محمد كمال على يد قوات الأمن المصرية في غارة على شقة سكنية في أكتوبر (تشرين الثاني) 2016، استعاد الحرس القديم سيطرته على منابر الجماعة الرسمية، وموقعها إخوان أونلاين.

لكن هذا لم يوقف العُنف، بل استمرت الموجة «الثورية» عبر عددٍ من المبادرات والفصائل، ومنها المجلس الثوري المصري، الذي شارك في تأسيسه بعض كبار أعضاء الإخوان المسلمين ورموز معارضة أخرى في منفاهم باسطنبول. نشرت صفحة المجلس على موقع فيسبوك في يوليو (تموز) سلسلة من مقاطع «الاستعداد للثورة» القادمة التي ستُعيد الرئيس مُرسي إلى السطة. تُوجِّه المقاطع الثوار إلى تحديد مواقع تمركز الوحدات العسكرية وتعطيل تقدمها، معرفة موردي الأغذية لقوات الجيش وأماكن المخازن و«نشوف هنتصرف معاه إزاي»، إضافةً إلى السيطرة على مطارات الجيش عن طريق محاصرتها وقطع الطرق المؤدية إليها.

أيضًا انضم عدد كبير على الأرجح من أعضاء الجناح الثوري بالجماعة إلى جماعاتٍ مسلحة نشأت بعد الإطاحة بمرسي، منها «لواء الثورة» و«حسم». نفذَّت هذه الجماعات هجمات دموية على أفراد الأمن والمنشآت منذ منتصف 2016، بتحركات وأفكار مشابهة لجناح كمال الثوري، وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي تنشر بين الحين والآخر شعارات الإخوان وتحتفي برموزهم التاريخية.

رؤية 28

ما زال الصراع بين جناحي الجماعة في تصاعد. نشر الجناح الثوري «رؤية 28»؛ سلسلة من المنشورات توبخ قادة الإخوان في عهد مرسي على إخفاقاتهم المتكررة، التي تضمنت مزج السياسة بالدعوة، وعدم القدرة على بناء أرض مشتركة مع القوى السياسية الأخرى، وغياب الجاهزية السياسية لإدارة الدولة في المرحلة الانتقالية، وقبولهم بدورٍ رئيس للجيش في إدارة المرحلة الانتقالية بعد ثورة يناير.

يُبين هذا إلى أي مدى يرى جناح الإخوان الثوري الحرس القديم وزنًا زائدًا يجب التخلص منه من أجل المضي قدمًا. نشر مجدي شلش، القيادي بالجناح الثوري وأحد مُساعدي محمد كمال، منشورًا على فيسبوك يذكر الإخوان بأن هدف الجماعة هو استعادة الخلافة، وحذر من أن هذا الهدف بعيد المنال في حال استمرار التشرذم الداخلي. وأشار بلا مواربة إلى أن «مدة القيادة السابقة قد انتهت بيقين، ولا حل للإشكال القائم إلا بانتخابات كلية شاملة تأتي بقيادة مختارة من عموم الصف الإخواني».

على الأرجح، لن تنجح جهود رأب الصدع بين جناحي الجماعة قريبًا، مع إصرار الحرس القديم على رفض سلطة الجناح الثوري، وإصرار الجناح الثوري على التشجيع على أعمال العنف داخل مصر. ينتهي تريجر إلى أن هذا يضمن بقاء الجماعة ضعيفة سياسيًا. فعلى حد تعبيره «منظمة تحارب نفسها وحكومتها لن تمضي خطوة إلى الأمام».

(نقلا عن ساسة بوست)