د. الشفيع خضر سعيد

في السودان تتعدد الأشكال والمعاناة واحدة! فالمعاناة الحياتية والمعيشية تواصل اختراق لحم المواطن السوداني ونخر عظمه، في كارثة حقيقية، لا ينكرها إلا المتسببون فيها من الحكام وسدنتهم، صغار العقول وعُميان البصيرة، الذين لا يرون في الشعب السوداني إلا مجموعة من الشحاذين والمتعطلين، ويجهرون بذلك في جهل وجهالة مقيتة، ومنهم علماء السلطان الذين ما فتئوا يزينون الباطل، و«يدغمسون» الحق، ويفتون حسب أهواء الحاكم، ابتغاء مرضاة السلطان وابتعادا عن الله وهم يعلمون! ومتزامنا مع معاناة الحياة والمعيشة في السودان، تتفاقم معاناة من نوع آخر، عنوانها سفه القول وساقطه في المساجلات والمشاحنات السياسية بين المتشاكسين الذين جاءوا من رحم النظام الحاكم في السودان ذاته. ويا ليت المسألة توقفت عند القول وحده، ساقطه أو سفيهه، ولكن، وللأسف الشديد، تسير الأمور بعجلة تسارعية، من محطة سيئة إلى أخرى أسوأ وأشد وعورة. فها هي نذر حرب أهلية أخرى، أطرافها، وللمفارقة العجيبة، ثلاث جهات مسلحة تتبع للحكومة، نعم الحكومة السودانية وليس أي حكومات أخرى، وهي قوات حرس الحدود من جانب، في مواجهة قوات الدعم السريع وقوات الجيش السوداني من الجانب الآخر.

وعذرا للقارئ الذي سيصاب بالدهشة والتعجب، وربما الذهول، عندما نخبره بأن قوات حرس الحدود وقوات الدعم السريع هي في الأصل ميليشيات قبلية، تنحدر من قبيلة بعينها، نظّمتها وموّنتها وشوّنتها الحكومة، وأسبغت عليها هذه الأسماء العسكرية النظامية، قبل أن تدخلها في الهيكل العسكري النظامي للدولة، ولكن، الكل يعلم تمتع هذه القوات باستقلال ذاتي يجعلها تتحدى قواعد الضبط والربط المعمول بها في الخدمة العسكرية النظامية في الدولة.

أما نذر الحرب الأهلية الجديدة، أو المتجددة، فتزيد من احمرار خضاب الأجواء المشبعة أصلا بروائح الدم السوداني المسفوح، بغض النظر عن سياسات الاسترضاء التي تجريها الحكومة الآن، ونجاحها في التصالح مع هذا اللورد أو ذاك من لوردات الحرب، ماركة إنتاج مصانع الحكومة. فمارد حرب المصالح الخاصة، لا المصالح الوطنية، قد خرج من قمقمه ولن يعود إلا بتغيير الوضع برمته. وفي الحقيقة، وكنتيجة مباشرة لممارسات النظام الراهن، يشهد السودان تفاقم العصبية القبلية، حد التصارع بالسلاح، حتى أصبح من الممكن جدا وصم هذا النظام كمهدد للوجود القومي السوداني. وهذه كارثة في بلد يقوم أصلا على التعايش السلمي بين القبائل والإثنيات المختلفة، ويعتمد بشكل كبير على عملية، تتجدد كل ثانية، من أجل تمتين العلاقة بين مكوناته القومية المختلفة لصالح دعم وجود الأمة السودانية. واليوم، ما يفرق المدن أضحى أكثر مما يربط، وما يحرك الناس لاقتلاع الحقوق هو عامل الجهة والقبيلة، والحس القبلي الضيق طغى على كل العوامل الأخرى، وهو بطبعه حس أناني يجد القبول ويلف العقول، ولكنه يبهت بسرعة لأنه ضد الحياة. وهكذا، عاد بنا النظام إلى صراعات بدائية ظننا أننا بصدد تجاوزها عندما رفعنا علم السودان المستقل في العام 1956 وغنينا، بمختلف اللغات السودانية، «أنا سوداني وسوداني أنا».

ومعاناة ثالثة، لن يئن من جرائها المواطن السوداني وحده، بل حتما سينتقل الأنين إلى القارئ العزيز في المنطقة العربية، متخطيا حد الدهشة والتعجب والذهول، عندما نخبره بأن المعاناة هذه المرة، سببها تصريح نائب رئيس الوزراء السوداني، الذي، حسب الوسائط الإعلامية، لا يرى أي مانع في تطبيع علاقات السودان مع إسرائيل، وأن الأمر قد يكون مفيدا لمصالح السودان.

ويُنسب إلى السيد نائب رئيس الوزراء قوله، في إحدى القنوات التلفزيونية السودانية، إنه «لا يوجد أي مشكلة في التطبيع مع إسرائيل…، وإن الفلسطينيين قاموا بتطبيع العلاقات معها، وهم يتحصلون على أموال الضرائب والكهرباء منها، كما أن حركة حماس تجري حوارا معها»…. ونحن هنا، لا نود مناقشة السيد نائب رئيس الوزراء في آرائه أو وجهة نظره، فهذه مسألة أخرى يمكننا مناقشتها دون أي تشنج ودون البدء بإطلاق التهم والنعوت الجاهزة على سيادته. ولكنا نود القول بأننا نرى صعوبة جدية في تقبل فكرة أن التصريح هو مجرد رأي وموقف شخصي، لأنه لم يأت من رئيس حزب يتحدث في ندوة سياسية أو جلسة عصف ذهني، وإنما من شخص مسؤول في الحكومة ويتبوأ موقع نائب رئيسها، ناهيك عن أن القضية استراتيجية ومرتبطة بأمن البلاد وبالأمن القومي العربي. فأما أن المسألة نوقشت في بعض الدوائر في السلطة وأوكل للسيد نائب رئيس الوزراء إطلاق هذا التصريح، أو أن حكومة السودان تسمح لمسؤوليها التحدث في مثل هذه القضايا الاستراتيجية الحساسة وفق رؤاهم الخاصة، فنتوقع غدا أن نسمع من مسؤول كبير آخر دعوة لأن يستضيف السودان أفراد قوات تنظيم «الدولة» (داعش) الهاربين من معارك الموصل!! أليس هي الكارثة وابتذال السياسة وإدارة شؤون الوطن؟!

أما الغلابة في السودان، فلا يتوقفون، صباح مساء، عن ترديد «الله يستر، والله يحفظ الوطن ومواطنيه»، وفي الوقت نفسه لا يكلون ولا يملون منالبحث عن المخرج وعن كيفية هزيمة المخططات الإجرامية، وليس السياسية، التي تسعى لاختطاف الوطن، محتكرة السلطة والثروة ومتحكمة في إدارة المجتمع، وهزيمة أي محاولة لإغراق البلاد في مستنقع التعصب الإثني والنعرات القبلية، وهزيمة أي محاولة لزعزعة الثقة في الحلول التي تضمن التعايش السلمي وثقافة المشاركة والتفاعل في أمور الحياة.

وعلى الرغم من صُفرة الموت البائنة على وجه النظام منذ فترة، فإنه لا يزال يحكم، وهنا المفارقة!!، لكنا في هذا الحيز المحدد، لسنا معنيين بتشريح هذه المفارقة ومناقشتها، فقط نقول إن هذا النوع من المفارقات، إذ يتعارض مع طبيعة الأشياء ويخلخل الناموس الذي يربط ببعضها البعض، يحتم حدوث فعل معاكس يلغي ذلك التعارض، ويعيد ذلك الناموس إلى وضعه الطبيعي. وقطعا سيأتي هذا الفعل المتوقع، وستكتمل دائرته، عندما يتوحد الناس، ويضعون نصب أعينهم هدف تحقيقه.