محمد بدوي

في المقال السابق حاولت تتبع  وتحليل حملة جمع السلاح في ولايات دارفور و كردفان التي أعلن عنها نائب الرئيس السوداني الأستاذ حسبو محمد عبدالرحمن، تناولت الوضع في ولايات دارفور لكونها بحكم الواقع مثلت  الحاضنة الرئيسية للمليشيات في السودان، دون إغفال لوجودها تحت المسمي الدعم السريع بولاية بجنوب كردفان و في مرحلة متقدمة بولايات شرق السودان  في تطور  لوجودها السابق تحت مسميات أخري منذ العام 1994م  ، في هذا المقال سأعكف علي تتبع  تطورات  جمع السلاح في دارفور بالإضافة  الى تناول الجزء الثاني من ذات المرسوم الدستوري الذي حمل الرقم 419 لسنة 2007م الصادر من رئيس الجمهورية و الخاص( بحصر  ومعالجة أوضاع العربات غير المقننة و التي دخلت البلاد عبر  دول الجوار ) يجب أن نشير إلي أن هذه السيارات التي أشار إليها المنشور ب(العربات )  والتي عرفت علي نطاق واسع شعبياً ب( البوكو حرام ) و عبرت الحدود السودانية من ليبيا  تحت إشراف السلطات السودانية كما سيعكف المقال علي تناول توجيهات النائب العام السوداني بإنشاء نيابة معلوماتية بولاية جنوب دارفور و علاقة ذلك بالحد من دور وسائل التواصل الإجتماعي فيما يرتبط ببنود المرسوم الرئاسي ، لكن قبل الخوض في ذلك لابد من الإشارة إلي هدف المقال هو مواصلة لما سبق من مساهمات متواضعة لتحليل للأحداث و دور الأطراف المختلفة بعيداً عن الهتافية بإفتراض تحليلي ليس (تقريري) و السيناريوهات المحتملة في ظل تقاطعات المصالح السياسية و ما قد ينجم عنها من واقع علي الأرض قد تقود إلي  الحد من مساحات العيش الاَمن ليس في إقليم دارفور  فقط بل في كل السودان الذي يعاني من أزمات إقتصادية و وضع سياسي سياسي أكثر تعقيداً نتاج لغياب الحكم الراشد .

(1)

المتتبع للتطورات السياسية بعد الإعلان عن المرسوم الدستوري المرتبط بجمع السلاح و أوضاع السيارات التي عبرت إلي الحدود السودانية ، يمكن رصد تصريحات من طرفي الصراع نائب رئيس الجمهورية الأستاذ حسبو محمد عبدالله و الزعيم العشائري و قائد مليشيا (حرس الحدود) موسي هلال  عبدالله يمكن وصفها بالسجال اللغوي الذي لامس ما قاربه من الصراعات الشخصية وكشف عن تعدد مراكز القوه العسكرية داخل الدولة  ،  أشرنا في المقال السابق إلي أن عملية جمع السلاح فنية في طبيعتها و تفويضها ، لكن رغم ذلك جانب المرسوم الرئاسي ففي الظروف السلمية يتم أنشاء مفوضية متخصصة لنزع السلاح ، أما في حالة عدم الإستقرار  يصبح الأمر أكثر تعقيداً لا يمكن أن يتم إسناده إلي لجنة ضمن عضويتها قائد الدعم السريع !تطورات الأوضاع خلال  الاسبوع  الثالث من أغسطس 2017م تمثلت في تصريح نائب الرئيس (حسبو) الذي إتهم فيها (هلال) بالترتيب لإرسال ( 1000 ) مقاتل من أفراد مليشيا (حرس الحدود) إلي ليبيا للقتال إلي جانب جماعة خليفة حفتر  و حليفه  سيف الإسلام القذافي الذان سيطران مؤخراً علي مساحات واسعة من ليبيا كانت تحت قبضة تنظيم الدولة الإسلامية ، فرع ليبيا ، كشف التصريح عن غياب منهج إدارة الأزمات ، فبحكم الواقع  فالحكومة هي التي أنشات قاعدة (مستريحه) العسكرية وسلحتها، إذن إتهام ( هلال ) بالإرتزاق  تسأل عنه الحكومة بصورة أساسية

تطورات الأحداث علي الأرض تشير إلي أن ما بدأ جمعه من قطع السلاح رمزي  بادر بها بعض المدنيين  و أغلبهم من حملة الأسلحة المرخصة ، في تقديري أن سوء إدارة الحملة ستقود إلي نتائج عكسية قد تزيد من نسبة السلاح بالإقليم كماً ونوعاً محمولاً علي ( التعبئة ) التي شهدتها قاعدة مستريحة العسكرية ، ضعف إدارة الحملة تبدو  في غياب الإعلان عن الإهداف و الدعوة لتعاون الجمهور وإبراز حرص الحكومة علي حالة الأمن ، اضف إلي ذلك أن معسكرات النزوح المنتشرة بإقليم دارفور أحد مظاهر الصراع المسلح الذي أندلع في 2003م بالتالي فإن عملية جمع السلاح ستتحقق بشكل إتفاقي أو تلقائي بعد حل الأزمة ، في الحالات الإستثنائية التي تتدهور فيها الحالة الأمنية نتيجة لإنتشار السلاح وتكون الدول طرفاً في النزاعات فمنح تفويض جمع السلاح للأمم المتحدة قد يكون أمر  موضوعي و ذي جدوي .

(2)

تجارب جمع السلاح و دمج القوات  العسكرية و تحويل المليشيات إلي قوات نظامية منضبطة، لا يمكن التعامل معه سياسياً بقدر ما هي عملية علمية لها شروطها ، فبالنظر إلي التجربة التشادية  و التي ما أن وصلت إلي تفاهمات سياسية مع الخرطوم في العام 2010م عملت إلي إعادة ترتيب جيشها بما مكنها من المشاركة عسكرياً في دولة مالي ضد تنظيم الدولة الإسلامية التي خرجت منها أكثر ثقة في قدراتها العسكرية كما شاركت أيضاً عسكرياً في إفريقيا الوسطي ثم وظفت المجموعات التي شاركت  في صراع دارفور لتكوين قوة شرطية قوامها في 2016 م (2000) شرطي أوكل إليها  تفويض مكافحة جماعة  (البوكو حرام ) هذا الإنجاز لم يتم بمراسيم دستورية بل بخطط إستراتجية ساهمت في الإستقرار السياسي الأمر الذي رفع من سقف طموحها للتخطيط للعب دور مؤثر  و حجز  وضع متقدم داخل أروقة الإتحاد الإفريقي، والتخطيط لتصدير بترولها عبر ميناء بورتسودان الأمر الذي يتحقق بأن تنشئ  تشاد خط أنانبيب يمر عبر مدن (الطينة السودانية ، كتم ، الفاشر ثم الأُيض ) ليتم ربطها  من تلك النقطة (الابيض) بالخط السوداني  الذي ينتهي في ميناء بورتسودان ، بالطبع ذلك أقل  تكلفة من  خط الأنابيب عبر دولة الكميرون .

(3)

التصريحات التي أطلقها (هلال) عبر  وسائل التواصل الإجتماعي كمحطة بث إعلامية مجانية كشفت عن إنعدام المساحة الفاصلة بين الدولة والحزب الحاكم و المليشيات ، و تشبكات مصالح مرتبطة  بالموارد الجديدة مثل الذهب ، حصر  ومعالجة أوضاع السيارات التي أشار إليها المرسوم عرفت شعبياً (بالبوكو حرام) عبرت الحدود السودانية من ليبيا و مصدرها مقايضة النفط الليبي   عبر الموانئ من قبل الجماعات الإسلامية  في المناطق التي تحت سيطرتها  حيث يحصل عليه المضاربون  من تلك الموانئ ليتم ترحيلها إلي السودان لبيعها،  و تعتبر إجراءات عبور و جمارك سيارات البوكو حرام مخالفةً لقانون الجمارك خاصة المادة  118 من قانون الجمارك السوداني الذي يوضح كيفية إستيراد البضائع براً والتي توجب أخذ  المستوردة براً مباشرة إلى أقرب محطة جمركية إبتداءاً  وهو الامر الذي لم ينطبق عليها بعبور ما يقارب ال90% عبر الحدود إلي محلية المالحة ، أضف إلي ذلك ان الروافع والشاحنات التي حملتها تعتبر مخالفة للقانون لعبورها الحدود السودانية دون مسوغ و ليس عبر البوابات الجمركية الرسمية ، وهنا  تنطبق عليها مخالفة  المواد   198  و 190 الفقرة (ز)  من قانون الجمارك  التي تنص علي جواز  مصاردتها.

 (4)

يثور سؤال لماذا سمح بدخول تلك السيارات  للسودان و عن طريق معبر المالحة (ليست محطة جمركية وفقا لخارطة محطات الجمارك السودانية)؟ الإجابة  أنه في ظل الضائقة الاقتصادية  شكلت مصدر عائد إقتصادي  للحكومة السودانية ، دون إكتراث لمصدرها و لإنعكاس ذلك علي الحالة الأمنية في ليبيا ، السؤال الثاني لماذا شمل المرسوم تلك السيارات ؟ الإجابة أن إزدياد أعدادها و لا سيما ذات الدفع الرباعي نظرت إليه الحكومة كأحد الوسائل العسكرية المستخدمة في الصراعات المسلحة من جانب ، من جانب اخر التغيرات في المسرح الليبي بإنتقال السيطرة بشكل واسع من الجماعات الإسلامية الي مجموعة  خليفة حفتر و حليفه سيف الاسلام القذافي صار مهدد للحكومة السودانية الأمر الذي يكشف سبب إغلاق المعابر  التي كشسف عنها (حسبو) ، أخيراً تجدر الأشارة إلي أن الجانب الليبي ممثلاً  في  حفتر  وجه في يوليو  بمنع  عبور السيارات الي الجانب السوداني. المكاسب المالية التي تم حققتها  الحكومة السودانية  كرسوم جمركية وغيرها قد تعيق الجهود التي ظلت تبذلها منذ العام 2001م للإيفاء بشروط صندوق النقد الدولي لأنها تمثل مورد مرتبط بالنزاعات المسلحة ، من جانب اخر في اثر سالب علي مجمل الإقتصاد السوداني حيث مخالفة قواعد قانون الجمارك التي تنص علي ضوابط سنة الصنع في الإستيراد ترتبط بحماية البيئة  ، من ناحية إقتصادية السيارات المستعملة  ذات عمر قصير  مما سيعجل بأزمة قطع الغيار  في المستقبل القريب و التي قد تكلف أضعاف قيمة ما تم أنفاقه بالإضافة إلي أن الواقع السوداني تضيق فيه مساحة الطرق المعبدة مما سيزيد من تكلفة تشغيلها المرتبطة بالصيانة ، أضف إلي ذلك أن العديد من دول الجوار تسعي للتحول إلي نظم خدمية تقل فيها التكلفة ، فعلي سبيل المثال عملت إثوبيا علي إنشاء شبكة قطارات داخلية و أخري تربط بينها وبين دولة جيبوتي ، دولة كينيا إنتهت من تأهيل قطار سريع يربط بين ميناء ممبسا و العاصمة نيروبي بالطبع سيكون لذلك إنعكاسه الإقتصادي في الحركة بين ميناء ممبسا و الدول التي تعتمد عليه كجنوب السودان ، يوغندا و الكنغو و رواندا ، بل سيكون له تاثيره المباشر في المستقبل القريب علي علاقة ميناء بورتسودان بدولة جنوب السودان و كذلك بإفريقيا الوسطي .

(5)

 يصعب تقدير ما حصلت عليه الحكومة من عائدات السيارات البوكو حرام لكن يمكن تتبع ذلك  من خلال رصد  فئات الرسوم المختلفة التي فرضت بشكل قانوني أو مخالف ، حيث بلغت الرسوم الجمركية ( 160.000 )جنية سوداني للسيارة ماركة تايوتا هايلوكس موديل 2014 ، سيارات اللاندكروز بلغت قيمة جماركها (280.000) جنية سوداني، فيما بلغت جمارك السيارات كورية الصنع من ماركة أتوز( 22.000) جنية سوداني ، فرضت الولايات المعنية رسوم ضربيبة و أخري إدارية للمحليات الإدارية  تراوحت بين (9.000) إلي (13.000) جنية سوداني حسب موديل و قيمة جماركها ، في ظل هذه المعادلة منحت الحكومة السودانية وضعا للحركات الموقعة للإستفادة من المضاربة في سوق السيارات و الدفع بها مجموعة إقتصادية جديدة في تواز مع المليشيات التي تسيطر علي عائدات الذهب ، ما حمله المرسوم من توفيق لأوضاع السيارات غير المقننه في تقديري قد تعقبه غرامات كمصدر إضافي للموارد للمساهمة في حل ضائقة الحكومة و لا سيما أن عدد السيارات المستهدفة بلغت (6000) سيارة .

( 6)

المواجهة العسكرية التي تتعدد سيناريوتها نتاج طريقة ادارة الازمة و التي من المستبعد كما اشرنا ان تصبح مليشيات الدعم السريع قيادة حميدتي طرفا فيه  لكن قد تاخذ مسارا اخراً  بان يتم الدفع بالحركات المنشقة من حركة تحرير السودان  جناح مني مناوي  بقيادة (محمدين أسماعيل بشر ، عبدالله التجاني (شغب )،اَدم صالح ابكر ، إبراهيم الفكي ، أبكر (فلنكا) لمواجهة هلال  لماذا ؟ الاحداث المسلحة بين قوات مني مناوي و المليشيات الحكومية في 20 مايو 2017م  يبدو ان الحكومة لاحظت الاختلاف في الكفاءة القتالية بين هذه القوات المنشقة من مناوي  و قوات الدعم السريع التي تحت فصيل حميدتي التي قادت المواجهة الاولي فخسرت ما يقارب 137 بين قتيل وجريح بينما اسفر تدخل القوات المنشقة  من حركة تحرير السودان جناح مني  مني مناوي في اليوم التاني عن مقتل و اسر ما يقارب 160  من قوات حركة تحرير السودان و المجلس الإنتقالي لحركة تحرير السودان  ،  الي جانب ان هذه القوات قد تدربت تدريب عال حتي علي سلاح المدفعية  بينما ظلت الحكومة تحجب ذلك عن المليشيات من 2003 م ،الامر الثاني ان الحكومة اكتشفت ان تلك القوات اكثر اضباطا في اجراءات الدمج  حيث تم تسكينها جميعاً تحت مظلة القوات المسلحة بما في ذلك المجموعات التي تم وضعها تحت إشراف قوات الإحتياطي المركزي الشرطية  ، اضافة الي انها اثبتت انها فكت ارتباطها بحركة تحرير السودان جناح مناوي و اظهرت غبنا لا مثيل له تجاه رفقا الامس و هو ما يعتري علاقة هذه القوات و قوات هلال ، بالإضافة إلي أن  الفصائل علي دراية  علم بالدروب و المخابي التي تمثل ملاذات  تاريخية للحركات المسلحة و الطر ق المودية الي دول الجوار سواء عسكريا او تلك التي تستخدم في تهريب الأسلحة .

(7)

 .رافق مساعد الرئيس (حسبو ) في جولته التي استهدفت تنفيذ  الموسوم الرئاسي  النائب العام عمر أحمد محمد و الذي وجه بانشاء نيابة معلوماتية بولاية جنوب دارفور لمواجهة الحملات السالبة التي تحرض ضد تنفيذ المرسوم الرئاسي  ، في خطوة تالية  سارعت ولاية وسط غرب دارفور تكوين لجنة فنية لرصد تلك الحملات في المواقع الالكترونية ، الصحف و وسائط التواصل الاجتماعي في ذات السياق ورفعها للاجهزة المختصة للتحليل و المتابعة .

إستخدام القانون لأغراض التجريم السياسي سيكون له ما بعده من اثار سالبة تراكم من إنتهاك حرية التعبير و لاحقاً مجافاه معايير المحاكمات غير العادلة فبدلاً من النظر إلي هذه الوسائط بريبة و دور سالب أليس الأجدر التخطيط لإستخدامها  بشكل إيجابي في حملات التوعية بالحملات المختلفة .

أخيراً تغير خارطة التحالفات  باقليم دارفور  محمولة علي السباق حول الموارد الجديدة الذهب ، سيارات البوكو حرام ، تهريب الصمغ العربي عبر الحدود ، لا استثني من ذلك التعامل في العاج له قاموسه و تجار حربه فبالرغم من تصدر هلال و حسبو للمشهد لكن تصاعد قد يكشف الكثير  من المفاجاَت .