بابكر فيصل بابكر

أعيد نشر هذا المقال بعد مرور أكثر من ثلاثة أعوام على نشره للمرة الأولى, وذلك بمناسبة قرار وزارة التربية والتعليم القاضي بإلغاء درس بعنوان “الإسلام دين التوحيد” من مادة التربية الإسلامية المقررة على الصف الثالث الثانوي, وحتى يتبيَّن أنَّ مشكلة المنهج لا تقتصرُ فقط على ذلك الدرس بل تتعداه للعديد من الدروس الأخرى.

————————————————–

يدور هذه الأيام لغطٌ كبير حول موضوع السُّلم التعليمي الجديد الذي أجيز مؤخراً بدلاً عن الآخر القائم منذ بداية تسعينيات القرن الماضي. ويوجدُ إتفاق عام بين المُختصِّين والمواطنين بصفة عامة بأنَّ مستوى التعليم قبل الجامعي قد تدهور بصورة مُريعة، ليس فقط بسبب مشكلة السُّلم التعليمي ولكن أيضاً لسوء المناهج.

ولا تقتصرُ مشكلة المنهج على مُخرجاتهِ الهزيلة في فروع العلوم الطبيعية أو الإجتماعية المُختلفة، ولكن في خطورة تأثيره على التكوين الفكري للطلاب و نظرتهم نحو موضوعات هامة ذات دلالات مؤثرة على قضايا أساسية مثل الوطنية و الدولة المدنيَّة و حقوق المواطنين والتعايش السلمي المشترك.

وفي هذا الإطار فإنَّ “منهج التربية الإسلاميَّة” الذي يُدرَّس حالياً يحتوي على موضوعات تتعارض مع دستور البلاد، و لا تتماشى مع روح العصر، و تضعف من الإنتماء الوطني، وتشوِّش على المفاهيم المُرتبطة بأنظمة الحكم الحديثة.

وسأحاول في السُّطور التالية عرض ومناقشة بعض الأمثلة الواردة في المنهج حول هذه القضايا.

جاء في صفحة (69) من كتاب “الدراسات الاسلامية” للصف الثاني الثانوي تحت عنوان “شروط تولي القضاء” ما يلي : ( لا يلي القضاء من يطلبهُ حرصاً عليه إلا من توافر فيه الشروط التالية : الاسلام : فلا يجوز أن يلي قضاء المسلمين والدولة المسلمة غير المُسلم ).

كما جاء في نفس الكتاب صفحة (71) تحت عنوان : “كيفية التعامل مع الدولة القائمة على المواطنة” ما يلي:

( ولغير المسلمين في الدولة بحكم المواطنة المشاركة في الأمور كلها التي لا تخص المسلمين فقط كالولاية العامة لأنها تفرض على المسلمين أن يلتزموا بأحكام الشرع في المسؤولية العامة، ولا شك أنه من مصلحة غير المسلمين أن يكون التعامل على عقد يقوم على الدين فإنَّ ذلك أدعى لإنصافهم).

هذه الأمثلة تناقض نصوصاً أساسية وردت في دستوري السودان لعام 1998 و 2005 اللذين حكمت بهما البلاد منذ مجىء الإنقاذ. فبينما يحرمُ المنهج “غير المسلم” من تولي القضاء، فإنَّ الدستور ينادي بعدم التمييز الديني في الوظائف والولاية العامة.

تنصُّ المادة ( 21) من دستور 1998 على أنَّ ( جميع الناس متساوون أمام القضاء ، والسودانيون متساوون في الحقوق والواجبات في وظائف الحياة العامة ، ولا يجوز التمييز فقط بسبب العنصر أو الجنس أو الملة الدينية ، وهم متساوون في الأهلية للوظيفة والولاية العامة ولا يتمايزون بالمال ).

وكذلك ينصُّ دستور السودان لعام 2005 في مادته السابعة على أن : ( تكون المواطنة أساس الحقوق المتساوية والواجبات لكل السودانيين ).

أمّا فيما يختص بأهلية الترشح لمنصب رئيس الجمهورية فإنَّ المادة (37) من دستور 1998 تنص على أنه يشترط أن يكون المرشح للمنصب ( سودانياً، سليم العقل، بالغاَ من العمر أربعين سنة، لم تسبق إدانته منذ سبع سنوات في جريمة تمس الشرف أو الأمانة ).

وتنصُّ المادة (53) من دستور 2005 على انّه ( يجب أن تتوفر فى المرشح لمنصب رئيس الجمهورية الشروط التالية : (أ) أن يكون سودانياً بالميلاد، (ب) أن يكون سليم العقل (ج) ألا يقل عمره عن أربعين عاماً (د) أن يكون ملماً بالقراءة والكتابة (ه) ألا يكون قد أدين في جريمة تتعلق بالأمانة أو الفساد الأخلاقي.

إنَّ هذه الأمثلة المأخوذة من منهج التربية الإسلامية المُعتمد من قبل “وزارة التربية والتعليم” تُناقض جذرياً نصوص دستور السودان، فبينما ينصُّ الدستور على المساواة الكاملة بين المواطنين في تولي “الوظيفة العامة” فإنَّ المنهج يزرعُ في عقول الطلاب أنَّ تولي “القضاء” يجب أن يقتصر على المسلمين فقط.

وبينما لا يشترط الدستور أن يكون رئيس الدولة مسلماً فإنّ المنهج يمنع غير المسلم من الولاية العامة.

وكما هو معلوم فإنَّ السودان بلدٌ مُتعدِّد الأديان ( حتى بعد إنفصال الجنوب) إذ يوجد به مسيحيون أقباط وآخرين في جبال النوبة، كما يُوجد به لا دينيون، وبالتالي فإنَّ هذا المنهج لا يُخالف الدستور فحسب، بل يخالف واقع السُّودان الذي يتميِّز بالتعدد الديني.

ليس هذا فحسب بل إنَّ المنهج يدعو لأن تنبنى علاقة المواطنين في الدولة على “عقد يقوم على الدين”، أى أنه يدعو “لدولة دينية” تكونُ السيادة فيها للمسلمين بينما يتمُّ التعامل مع أصحاب الأديان الأخرى كأهل ذمة.

وهو الأمر الذي تم ذكره بوضوح في صفحة (170) من كتاب “الدراسات الإسلاميَّة” للصف الأول الثانوي تحت عنوان “الحرية الشخصية وضمان الكرامة” حيث يقول : ( والحرية الشخصية لغير المسلم مضمونة لأنَّ القاعدة التي قررها الفقهاء هى : “لهم ما لنا وعليهم ما علينا” وأنهم كما يقول الإمام علي بن أبي طالب (رض) – إنما بذلوا الجزية لتكون أموالهم كأموالنا ودماؤهم كدمائنا. والحق أنَّ غير المسلم ظفر بقسط كبير جداً من رعاية الشريعة وحماية الدولة. ففي الحديث “من آذى ذمياً فأنا خصمه، ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة” ).

إنَّ إطلاق مُصطلح “ذمِّى” على المسيحيين يعني أنَّ “المواطنة” ليست هى أساس الحقوق والواجبات في الدولة، وإنما هم يعيشون في كنف المسلمين، والتسلسل المنطقي لهذا الفهم يُوجب أن يدفع المسيحيون “الجزية” حتى يضمنوا العيش بسلام داخل الدولة.

إنَّ الخطورة الحقيقية لتضمين هذه المفاهيم في المنهج الدراسي تكمن في أنَّها ترِّسخ لدى الطلاب الأساس الذي يجعلهُم يتقبلون تطبيقها في أرض الواقع وهو الأمر الذي يضرب في الصميم التعايش السلمي المشترك.

إنَّ آخر ما يحتاجُ إليه السودان هو قيام “دولة دينية”، وإنقسام المجتمع على أساس الديِّن ونفي المواطنة المتساوية، ذلك أنه سيصنعُ أوضاعاً شبيهة بتلك التي سادت في أفغانستان أبَّان حكم الطالبان، وكذلك ما يقوم به فرع تنظيم القاعدة المعروف بإسم الدولة الإسلاميَّة في العراق والشام (داعش) في سوريا.

قامت (داعش) في فبراير الماضي بفرض “الجزية” على المسيحيين في محافظة الرقة شرقي سوريا مقابل إعطائهم الأمان والتزامهم “بأحكام الذمة”، وقد نصَّ “عهد الأمان” الذي فرضتهُ الحركة عليهم أن يلتزم “النصارى” بدفع الجزية على كل ذكرٍ منهم ومقدارها 4 دنانير من الذهب أي ما يعادل 17 غراماً سنوياً،على أهل الغنى ونصف ذلك على الفقراء منهم، وأعطى إمكانية دفعها على قسطين.

إنَّ التناقض الجذري بين ما يُدرَّس في منهج التربية الإسلاميَّة وما يقول به الدستور في موضوعات “المواطنة” والعلاقة بغير المسلمين في الدولة يخلق حالة من الإزدواجيَّة و “الإنفصام” في شخصية الطالب.

فمن ناحية، ستتشكلُ لدى ذلك الطالب قناعات بأنَّ الإسلام يُحتَّم عليه المطالبة “بعقد ديني” يربط بينه وبين غير المسلم داخل الوطن، ومن ناحيةٍ أخرى فإنَّ الدستور يُطالبهُ بالتعامل مع شركاء الوطن من غير المسلمين.

كذلك جاء في صفحة (131) من كتاب “القرآن الكريم وعلومه” للصف الأول الثانوي تحت عنوان “نواقض الإيمان” ما يلي : ( من نواقض الإيمان الولاء لغير الله تعالى، وللولاء والبراء فقه عظيم لا بد أن يعرفه المسلم حتى يخرج مما ينقض إيمانه وهو لا يشعر أو يستهين. لقد جاءت في فقه الولاء والبراء آيات كثيرة أظهرها في سورة الممتحنة التي تكاد أن تكون كلها في هذا الباب ). وجاء كذلك في صفحة (132) ( ولكن آية أخرى صريحة تدل على أن التولي لأعداء الله الكافرين كفر ولو كان السبب في التولي هو الخوف على المصالح أو الطمع فيما عندهم ).

إنَّ تناول فقه “الولاء والبراء” في منهج تعليمي يستهدفُ طلاباً في هذه المرحلة الدراسية وهذه السِّن المبكرة فيه مخاطرة كبيرة، خصوصاً وأنَّ هذا الفقه أصبح الأداة الأساسية للإستقطاب للحركات العنيفة والمتشدِّدة التي تتخذ منه وسيلة لغرس كراهية الآخر في نفوس الشباب المتحمِّس، ومن ثم إستغلالهم لتحقيق أهدافها.

البراء – عند هؤلاء – يعني بغض من خالف الله ورسوله والصحابة والمؤمنين الموحدين، من الكافرين والمشركين والمنافقين والمبتدعين والفساق، وأصحاب المذاهب الهدامة.

ومن مظاهر البراء من غير المسلمين عدم الإقامة في بلادهم، وعدم السفر إلى بلادهم لغرض النزهة ومتعة النفس، وعدم إتخاذهم – أى الكفار والمشركين – بطانة ومستشارين،وعدم التأريخ بتاريخهم خصوصاً التاريخ الذي يعبر عن طقوسهم وأعيادهم كالتاريخ الميلاد.

ومن الأشياء الخطيرة التي تترتب على هذه العقيدة هي ضرورة كراهية غير المسلمين حتى لو سافرنا وأقمنا ببلادهم، فأنواع السفر لبلاد الكفر –بحسب رؤية تلك الجماعات – هى السفر للدارسة أو التجارة أو العلاج أو الدعوة وهم يضعون شرطان للإقامة ببلاد الكفر أحدهما أن يكون المقيم “مُضمراً لعداوة الكافرين وبغضهم”.

أنَّ هذا الحديث مُحرِّضٌ على العنف بلا جدال، حيث يسافرملايين المسلمين الي دول مثل بريطانيا وأميركا والصين للدراسة والعلاج والتجارة سنوياً. إنَّ من يتعلم ويتربى على مثل هذا المنهج لن يكتفي ببغض أهل تلك البلاد و لا شك سينتهي به المطاف الى مثل ما انتهى اليه كل الشباب الذين تورطوا في أعمال العنف والقتل والتفجير.

ومن مظاهر موالاة الكفار – بحسب فهم البعض لتلك العقيدة – الإقامة في بلادهم وعدم الإنتقال منها إلى بلد المسلمين لغرض الفرار بالدين، لأنَّ الهجرة بهذا المعنى ولهذا الغرض واجبة على المسلم، و لأنَّ إقامة المسلم في بلاد الكفر تدلّ على موالاة الكافرين، ومن هنا حرَّم الله إقامة المسلم بين الكفار إذا كان يقدر على الهجرة !

من أخطر المفاهيم التي يتناولها المنهج هو مفهوم “الوطن” حيث يقول أن الوطن هو “الدولة الإسلامية”، وهذا فهمٌ يعكس الرؤية التي يتبناها تيار “الإسلام السياسي” بمكوناته المُختلفة ولا يُعبِّر عن رؤى مدارس إسلاميَّة أخرى لا ترى أنّ الوطن بتعريفه المعاصر يُخالف الدين الإسلامي.

جاء في صفحة (145) من كتاب الدراسات الاسلامية للصف الأول الثانوي تحت العنوان الرئيسي “النظام الإجتماعي في الإسلام”، والعنوان الفرعي “مفهوم الوطن في الإسلام” ما يلي : ( الوطن في الإسلام هو الدولة الإسلامية بأطرافها الشاسعة وشعوبها المختلفة، فالمسلم أخو المسلم أينما كان). و جاء كذلك في صفحة (146) ( الا أن الإسلام يحرم التعصب للقبيلة أو العنصر ولا يعترف إلا بالولاء لله ولدينه ولأمة الإسلام ).

خطورة هذا التعريف تكمن في أنها تغرس في عقل الطالب أنَّ “الوطنيَّة” – كما تقول تيارات الإسلام السياسي- “نعرة جاهلية”، وأنَّ الولاء الوطني يُخالف الولاء الديني، وهذا ليس صحيحاً لأنَّ الوطنيَّة حبٌ وإنتماء وولاء حقيقي لا يجب أن يوضع في موضع التعارض والتناقض مع العقيدة الدينية.

وقد قلت في مقال سابق أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم عندما أجبرتهُ قريش على الخروج من “وطنه” مكة ودَّعها بالقول : إنَّ الله يعلم أنك أحبُّ بقاع الأرض إلي قلبي ولولا أنَّ أهلك أخرجوني منك ما خرجت.‏

إنَّ إحتقار الوطنية هو الأمر الذي يسمح بالتفريط في أرض الوطن بكل سهولة مثلما حدث في الجنوب، وهو كذلك مدخلٌ لإقحام البلد في شئون الدول الأخرى حيث يشعر المُسلم أنهُ مسئول عن كل ما يدور في البلاد الإسلاميَّة، وهى أمورٌ عانى منها السودان كثيراً.

لا يقتصرُ المنهج على ذكر هذه المفاهيم بل يُضيف إليها أخرى لا تتماشى مع الواقع الذي نعيشه، ومن ذلك مفهوم “أهل الحل والعقد”، ومفهوم “البيعة”.

جاء في صفحة (173) من كتاب “الدراسات الإسلامية” للصف الأول الثانوي تحت عنوان “كفالة الحرية السياسية” ما يلي :(الحرية السياسية جزء من الحرية الانسانية في نظر الاسلام وتتجلى في الأمور الرئيسية الآتية : 1. حرية اختيار رئيس الدولة فإن أهل الحل والعقد في الأمة هم الذين يتولون اختياره، فإذا اتفقوا أو أكثرهم على شخص منهم بايعوه على السمع والطاعة والنصرة، ثم يتبعهم الجمهور في المبايعة، ويكون بذلك رئيسا شرعيا للدولة).

قد ذكرت في العديد من المقالات أنَّ مفهوم “أهل الحل والعقد” مفهوم “تاريخي” يتعارض مع الفكرة الديموقراطية الحديثة فهو مفهوم (صفوي) ووصائي يمنع إشراك الشعب (عامة الناس) في عملية إختيار الحاكم ويحتكرُ ذلك الحق لفئة محدودة من الناس تدَّعي إمتلاك مؤهلات لا تتوفر لدى العامة.

إنَّ مفهوم أهل الحل والعقد ليس مفهوماً مُقدَّساً فهو لم يرد في القرآن، ولم يقل به الرسول الكريم، وهو من المفاهيم المتأخرة و لا يوجد إتفاق حول معناهُ ولا يُمكن ضبطهُ و تعريفهُ بدقة، وللقدامى في تحديد المراد به أقوالٌ و اتجاهات مختلفة.

البيعة كذلك تخالف أحوال العصر الذي نعيشهُ كون أنَّ الصلة بين الحاكم والمحكوم في الأنظمة الحديثة تنبني على عقد “مدني” يمنح بموجبه المحكوم “تفويضاً” للحاكم ضمن عملية إختيار طوعي في إطار دستوري يسمحُ بإلغاء ذلك التفويض وفق إجراءات محدَّدة متى ما رأى المحكوم إنحراف الحاكم عن ذلك العقد.

البيعة عقد “ديني”، وهى إلتزام يظلُّ في “عنق المسلم” حتى وفاة الخليفة أو الإمام و لا تحتمل التغيير، ولا تنتقض إلا بشروط معينة، وإذا تمَّ نقضها بغير تلك الشروط فإنَّ ذلك يُعتبر خروجاً على الحاكم يستوجب القتال.

في إطار البيعة يتحوَّل تعبير المحكوم عن موقفٍ سياسي ما تجاه الحاكم من مُجرَّد “إختلاف” حول موقف إلى خلاف “ديني”، ومن مُجرَّد “إعتراض” على ممارسة سياسية إلى “ردة ” وخروج عن الدين وهذا هو مكمن الخطر لأنَّ الخروج على الدين لهُ تبعات تتمثل في “قتال” الخارجين.

إنَّ مَنْ يحكم الوطن ليس “إماماً” للمسلمين ولكنهُ “رئيس” لبلدٍ إسمهُ “جمهورية السودان”، وهو بلدٌ يتشارك المواطنة فيه مع المسلمين مواطنين من مللٍ وديانات أخرى لهم نفس الحقوق التي يتمتع بها المسلمون وعليهم ذات واجباتهم، وبالتالي فهو بلد ليست خاضعة لمفاهيم تاريخية غير موجودة في عالم اليوم.

جاء كذلك تحت ذات العنوان في نفس الصفحة من كتاب “الدراسات الإسلامية” للصف الأول الثانوي : ( 3. حرية نصح الحاكم في حدود الأدب الإسلامي والمصلحة العامة، ولا يعني ذلك تأليب العامة على الحاكم ولا الخروج عليه بأي شكل كان، حفاظاً على وحدة المسلمين وجمع كلمتهم ).

النص أعلاهُ يُجسِّد رؤية التيار الديني الذي تشكل منذ حكم “الأمويين”، وهو تيارٌ يُدافع عن وجود السلطة القائمة مهما بلغ مدى بطشها وظلمها وفسادها وإنحرافهاعن مبادىء العدل التي ينادي بها الاسلام. ولا شك أنَّ وضع مثل هذه الرؤية ضمن منهج التربية الاسلامية يعكس نوعاً من “أدلجة” العملية التعليمية بواسطة السُّلطة من أجل الحفاظ على الحُكم وعدم التغيير.

الغريبُ في الأمر أن الذين أشرفوا على وضع هذا المنهج هُم من أنصار جماعة الإخوان المسلمين التي تنادي بالخروج على الحاكم وتغيير الأنظمة بكل السُّبل بما في ذلك الثورات الشعبية والإنقلابات العسكرية، مما يعني أنّ الهدف من هذا النص هو الحفاظ على الأوضاع القائمة في السودان حالياً وعدم السعي لتغييرها، وهو في كل الأحوال تسييس للتعليم لا يجوز.

إنَّ منهج التربية الإسلاميَّة الحالي بحاجة ماسة للمراجعة الشاملة التي تهدف لإزالة التناقض مع أحكام الدستور إضافة لمراعاة أحوال العصر والتحديث، بجانب الإبتعاد عن التسييس الذي يهدف لخدمة اغراض السلطة أو تيارات آيديولوجية بعينها دون إستصحاب وجهات نظر تيارات الفكر الإسلامية المختلفة.

boulkea@gmail.com