عيسى إبراهيم *

 

 

* أول ما يمكن أن يقال أن الاسلام رسالتان؛ رسالة أولى قامت على فروع القرآن (القرآن المدني)، وهي تكليف الصحابة حسب وسعهم وطاقتهم، ورسالة ثانية قامت على أصول القرآن (القرآن المكي)، وعليها كان تكليف النبي (عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم) إذ وسعه – بداهة – أكبر من وسع الصحابة، بلغ الأولى وفصلها، وعاش الثانية، وهو رسول الرسالتين، (أنظر كتاب الرسالة الثانية من الاسلام للأستاذ محمود محمد طه – موقع الفكرة الجمهورية على النت: www.alfikra.org)، ولا نحتاج لكثير “بحت” لندلل على صدق ما نقول ويكفي أنه في الصلاة كان تكليفه ست صلوات حين كان الصحابة مأمورين بأداء خمس منها!..

جذور التفرقة بين الجنسين

* الآية القرآنية صريحة في دلالتها ومعانيها: “الرجال قوَّامون على النساء، بما فضل الله بعضهم على بعض، وبما أنفقوا من أموالهم”، هناك قاعدة فقهية تقول: “ الأحكام تدور مع عللها وجوداً وعدماً” معنى ذلك إذا انتفت العلة سقط الحكم، فلننظر إلى حكم الآية التي نحن بصددها “قوامة الرجال على النساء”، مضاهاةً مع العلتين المذكورتين “تفضيل الرجال على النساء في القرن السابع الميلادي أوان نزول القرآن” و”انفاق الرجال من أموالهم على أسرهم”، حيث قامت آنذاك، فهل هي قائمة الآن في القرنين العشرين والحادي والعشرين؟!..

الفضيلة في القرن السابع الميلادي

* كانت الفضيلة أوان نزول القرآن في سابع القرن الميلادي في الكدح وسبل كسب العيش لقوة الساعد (قوة العضل)، ولم تتلق المرأة حين ذلك، تعليماً، إلا ما كان متعلقاً بصناعة الطعام ورعاية الأطفال، خرجت المرأة في القرنين المذكورين وتعلمت وبزت الرجال وجاء منهن الطبيبة والمهندسة والاقتصادية والقاضية والمحامية والمعلمة لكل المراحل حتى الجامعية، وانتقلت الفضيلة في كسب العيش من قوة الساعد إلى قوة العقل، وأصبحت المرأة تجني مالاً نظير القيام بواجبها، ومن ثم تنفق المال على من تعول فرادة، أو اشتراكاً، فهل ما زال الرجال قوامين على النساء أم جد في الأمر جديد؟!..

نقصان عقل المرأة

* جاء في الحديث النبوي: “المرأة ناقصة عقل” بعلة “شهادة اثنتين منهما تساوي شهادة رجل واحد”، وجاءت الآية صريحة: “استشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين، فرجلٌ وامرأتان مِنْ مَنْ ترضون من الشهداء، أن تضل احداهما فتذكر احداهما الأخرى” وعزت الآية العلة في استشهاد امرأتين إلى النسيان لا غير، ونقول كما قلنا من قبل تعلمت المرأة وأظهر العلم عقلها وفاقت الرجال في أحايين كثيرة والتفوق – بلا كثير عناء – لقوة الذاكرة، فهل ما زالت المرأة ناقصة عقل؟!..

نقصان دين المرأة

* حصر الحديث النبوي نقصان دين المرأة في أنها إذا حاضت لا تصلي، ومعلوم – حسب ما علمنا – أن فاطمة ابنة الحبيب المصطفى سميت “الزهراء” لأن فترة حيضها كانت لا تتجاوز اليوم الواحد، هذه واحدة، والثانية: أن القرآن حث أمة المسلمين على التفكر “ولعلهم يتفكرون” وجاء في الحديث “تفكر ساعة خيرٌ من عبادة سبعين سنة” ومعلوم أن المرأة المتعلمة اليوم، أكثر قدرة على التفكر من رصيفاتها في القرن السابع الميلادي، بما أتاحه لها العلم، وبما سهلته لها وسائل التواصل الحديثة من معرفة موسوعية، وبما كشفه العلم المادي التجريبي من حقائق كونية ونفسية باهرة، فهل ما زالت المرأة ناقصة دين حتى اليوم؟!..

آفاق المساواة المرتجاة

* النسخ في القرآن ثابت نصاً وعملاً في أقوال الصحابة وعند مفسري القرآن، والنسخ – قولاً واحداً – ارجاء وليس الغاء، ارجاء يتوقت الوقت، ويتحين الحين، والنسخ تم لآيات الاسماح وأحكمت آيات الاكراه “السيف” حين عُلِم عِلْم تجربة أن المدعوين في القرن السابع الميلادي لا يطيقون دعوة الاسماح، ثم لأمر آخر تم النسخ وهو اقرار ختم النبوة فقد نزلت آيات الاسماح – اقرأ أصول القرآن – في الفترة المكية لثلاثة عشر عاماً، فلما تم الاذن بالهجرة إلى المدينة تم نسخ آيات الاسماح بآيات السيف والجهاد “فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم…”، وجاء الاذن بالجهاد، وأحكمت آيات السيف والجهاد والمدافعة بالعنف، وقد ورد في أحد أقدم كتب فقه “الناسخ والمنسوخ”، لهبة الله البغدادي (ت 410هـ) نصاً: إن هذه الآية (السيف): “نسخت من القرآن مائة آية وأربعاً وعشرين آية” (البغدادي، الناسخ والمنسوخ)، ما يهمنا اثباته هنا أن آية الرجاء في المساواة هي “ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف، وللرجال عليهن درجة”، وتعني الآية بالمعروف، ما تعارف عليه الناس، شريطة ألا يخل بغرض من أغراض الدين، وجماع أغراض الدين، تكريم الانسان من رجل وامرأة، وطالما أن المرأة خرجت وتعلمت وأثبتت كفاءتها وتبوأت ما تبوأ الرجل فلها – إذن – مثل ما للرجل من حقوق وما عليه من واجبات، أما الدرجة المذكورة فهي في منطقة الأخلاق، لسبق الرجل لها في الخروج، ولا ينسحب ذلك على القانون، فهما متساويان في المسؤولية أمام القانون، وتلتمس دعامات المساواة هذه لمساواتها بالرجل يوم الحساب: “ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدعُ مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى”، هذه واحدة وأخرى: “فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره”، بالطبع من رجل وامرأة..

مساواة المرأة بالرجل في القيمة

* المرأة كانسانة رشيدة، ومسؤولة، وعالمة، اليوم، مساوية للرجل في نفسه كانسان، رشيد، ومسؤول، وعالم، وهذه مساواة في القيمة (وهنا – نقول: نعم – توجد مساواة مطلقة بين النساء والرجال)، ووظيفة المرأة في الحياة البيولوجية (تنتج البويضة التي تحمل كروموسوماتياً صفاة إكس إكس (XX) السالبة)، تختلف عن وظيفة الرجل البيولوجية في الحياة (ينتج الحيوان المنوي الذي يحمل كروموسوماتياً صفاة إكس واي (XY) الايجابية)، فاذا حمل الحيوان المنوي عند الرجل بعد الانقسام صفة “إكس X” (الموجبة) ودخل على بويضة المرأة “إكس X ” (السالبة بمعنى أنها – أي البويضة – مسلمة وغير معترضة) جاءتنا الأنثى، وإذا حمل الحيوان المنوي عند الرجل صفة “واي Y ” (الموجبة) ودخل على بويضة المرأة “إكس X ” (السالبة المسلمة – أي البويضة – غير المعترضة) جاءنا الرجل!، (وهنا – لا – “ما فيش – بالسوداني”، “لا توجد” مساواة مطلقة بين النساء والرجال في الوظيفة البيولوجية!) و(هذا علم مادي تجريبي)، وهذا تمايز وظيفي، وليس تمييزاً يُعلي أحدهما على الآخر!.

تمهيد ضروري لنقاش الميراث وزواج غير المسلم

*  تعليق الصحفية غادة قدري حول اثارة ديوان الإفتاء التونسي الرأي العام في بعض الدول العربية، ومنها مصر، بما نسبته له من موافقة على ما دعا له السبسي من مساواة بين الرجل والمرأة في الميراث، وزواج المسلمة من غير المسلم، (غادة قدري – 15 أغسطس  2017 (http://www.dotmsr.com – وهو تعليق – في نظري – جانبه التوفيق حيث إن دار الافتاء التونسية وافقت على مقترحات بهذا الشأن، ولم يتسنَّ لها رفض أو قبول ما لم يرفع حتى الآن من جانب اللجنة المكونة للسبسي، ويمكن أن يقال أن الدار التونسية أعطت الضوء الأخضر للبحث الذي يستهدف البحث عن صيغ لا تتعارض مع الدين ومقاصده، ولا مع الدستور ومبادئه، ونتساءل كيف يثير هذا حفيظة الأزهر وفيم استعجاله لأمرٍ مازال في رحم الغيب!..

آيات قطعية غير قابلة للاجتهاد؟!

* قال شومان وكيل الأزهر: “إن القرآن قسم المواريث بآيات قطعية لا يمكن الاجتهاد فيها” (غادة قدري – 15 أغسطس 2017 – مصدر سابق)، ونتساءل: ألا يمكن فهمها بصورة أجلى من ماسبق؟!، وبمعطيات جديدة؟!، وهل هناك آيات قطعية الدلالة وآيات غير قطعية الدلالة؟!، ومن يقرر ذلك؟!، هل هناك آية قرآنية أو حديث نبوي يمنع إتيان فهم جديد للقرآن لم يأت به الأولون؟!، هل فسر النبي (عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم) كل القرآن؟، أم فسر ما يتواءم مع تكليف الأمة في ذلك الزمان – حسب طاقتها وقدرتها – من القرن السابع الميلادي؟، لقد قال سيد الخلق: “إنما أنا قاسم والله يعطي ومن يرد به الله خيراً يفقهه في الدين”، فأوكل التفقه في الدين إلى الله، وقال أيضاً: “لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير ولعلمتم العلم الذي لا جهل بعده، وما علم ذلك أحد، قالوا: ولا أنت يا رسول الله، قال: ولا أنا، قالوا: ما كنا نظن الانبياء تقصر عن شيء، قال: إن الله أجل وأخطر من أن يحيط بما عنده أحد”، وجاءت الآيات تؤكد ما ذهب إليه الحبيب المصطفى من ذلك: “لا تحرِّك به لسانك لتعجل به، إن علينا جمعه وقرآنه، فاذا قرأناه، فاتبع قرآنه، ثم إن علينا بيانه” فبيان القرآن على الله وليس على النبي إذن، ومنها “واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم” فالتقوى باب على العلم الالهي، ومنها آيات كثر تحث على التفكر “وأنزلنا إليك الذكر، لتبين للناس ما نزل إليهم، ولعلهم يتفكرون”، وعلى القارئ التركيز على أوجه التعبير القرآني المعجز في استعماله الجذر “أنزل” مرة، واستعماله الجذر “نزَّل” مرة أخرى، وفي اللغة العربية “كل زيادة في المبنى تتبعها زيادة في المعنى”، فأنزل تعني القرآن كله، ونزَّل تعني القدر من القرآن الذي يطيقه الناس في القرن السابع، وحث الله على التفكر بين ما أنزل كقمة، وما نزِّل كقاعدة، ثم ألا يفتح ذلك الفهم على مصراعيه للاتيان بمعانٍ جديدة للقرآن الذي لا تنفد أسراره، مدى الدهر، على كثرة الرد، ولقد جاءت الآية في سياق آخر تدعو المؤمنين للايمان: “يا أيها الذين آمنوا، آمنوا بالله ورسوله، والكتاب الذي نزَّل على رسوله، والكتاب الذي أنزل من قبل، ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فقد ضل ضلالاً بعيدا”، ومن هنا ندعو للتحرر من الجمود والاتجاه نحو السيولة في الفهم “وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب”!!، نتابع..

 

eisay@hotmail.com