بقلم : محمد بدوي

تناولت و سائل التواصل الإجتماعي خبرا عن رفض الرئيس السوداني عمر البشير  مقابلة السيد الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي المعارض ورئيس الوزراء الأسبق بعد وساطة أحد الإعلاميين السودانيين كما تردد تربطه صلة بالرئيس البشير ، أشار الخبر إلي أن السيد الأمام كان بهدف طرح مبادرة سياسية ،

في تقديري أن الخبر  يحمل في طياته الكثير من الدلالات السياسية ، فالبنظر إلي التاريخ القريب فقد غادر السيد الأمام السودان إلي القاهرة في 2014م عقب إنتقاده للإنتهاكات التي إرتكبتها مليشيات الدعم السريع  بقيادة محمد حمدان دلقو بولاية شمال كردفان ، تمت مواجهة الأمام بتهم جنائية ارتبطت بوضع المليشيات حيث تمت تبعيتها اَنذاك الي مظلة جهاز الأمن و المخابرات بعد تغير مسماها من قوات  حرس الحدود الي الدعم السريع “حميد تى” ، سرعان ما بدأت الخرطوم مغازلة الأمام إعلاميا للعودة إلي السودان عقب إنخراطه في دعم تحالف قوي نداء السودان الذي شكل مرحلة متقدمة في التحالف بين القوي المسلحة المعارضة و الأحزاب المعارضة و المجتمع المدني  بالإتفاق علي تفكيك نظام الخرطوم كهدف  متجاوزاً سقف منفستو  تحالف الفجر الجديد الذي جمع بين المعارضة المسلحة والمدنية لكنه شهد تراجعا سريعاُ لتباين المواقف بعد التوقيع عليه ، تحالف قوى نداء السودان شكل أحد المحطات التي أزعجت الخرطوم سياسياً  حيث يشير سجل التعاطي السياسي مع الأزمات السودانية أن الخرطوم تبادر إلى التفاوض مع الحركات المسلحة بينما تخفض السقف أمام المعارضة السلمية بل ظلت تستخدم التضييق على مساحات التجمع وحرية التعبير والتنظيم أدوات للحد من فاعليتها ، الأمر الذي يوضح لماذا لم تتوانى الخرطوم في إعتقال ممثل قوي الإجماع الوطني الأستاذ فاروق أبوعيسي و ممثل المجتمع المدني الدكتور أمين مكي مدني وتقديمهم للمحاكمة الجنائية  بعد فترة إعتقال تعسفية.

إقتراب السيد الصادق الذي يقف خلفه أحد أكبر جماهير الأحزاب السودانية قطع الطريق على أحد التكتيكات التي كانت تمارسها الخرطوم في عزلة الحركات المسلحة عبر الإيعاز بعنصرية أجندتها ، لم تفقد الخرطوم أملها في السيد الإمام الذي ظل يجيد المناورة السياسية لتاتي الضربة الثانية في رفضه الإنضمام الي الحوار الوطني (الوثبة )  الأمر الذي ظلت الخرطوم تعول عليه لإضعاف  تحالف نداء السودان  فرهنت اَمالاها علي ذلك بل بذلت ما حمل ثامبو أمبيكي الوسيط الإفريقي ليصل الخرطوم  في توقيت كان مأمولاً فيه  وصول السيد الصادق  لكن   تخلفه المبني علي حصافة سياسية راجعت اَمال الخرطوم و رفعت من سقف الحرج المهني للوسيط ثامبو أمبيكي .

علي ذات نهج الخرطوم  التي ظلت تعتمد التكتيكات لإضعاف السيد الصادق و نفوذه الحزبي ظل يدفع بالمثل في التعامل ، فالخريطة السياسية تشير إلى مسارعة النظام إلي إحتواء المنشقين من الحزب و الدفع بهم إلي مناصب  وزارية ، فهنالك المهندس عيد الله مسار الطبيب : الصادق الهادي المهدي ، الطبيب : أحمد بابكر نهار ،  السيد مبارك الفاضل ، بل لم ينتظر السيد الصادق  فدفع بإبنه الفريق عبدالرحمن الصدق المهدي مساعد لرئيس الجمهورية ، في غاية إتسمت بطبيعة  حزب الأمة القومي التي تقترب من السلطة بالقدر الذي يحفظ المصالح المادية و الإجتماعية و التاريخية  قد يصلح منهج التحليل الطبقي لإبرازها أكثر من التحليل السياسي شغل الفريق عبدالرحمن الصادق لمنصب مساعد الرئيس نظر إليه الحزب الحاكم عربون لإقتراب السيد الصادق من السلطة بينما يبدو أن زاوية السيد الإمام في تقديري  حملها علي التدريب علي ممارسة السلطة ، ليعبر الأمر عن مغازلة تكتيكية من كلا الطرفين .

بناء علي ما سبق دعونا نتلمس سبب رفض الرئيس البشير مقابلة السيد الأمام ؟ في تقديري أن الأمر يرتبط بعد أسباب

الأمر الأول : يرتبط بسجل العلاقة  بين الطرفيين قد يكشف عن ذلك ، فالتاريخ  السياسي القريب يشهد علي رفض السيد الصادق  علي المشاركة و منح الشرعية لعملية الحوار الوطني  ، بالإضافة إلي علاقتة بقوي تحالف نداء السودان ، فهذين الموقفين حملا الخرطوم لأول مره لمخالفة منهجها في التعامل مع الخصوم المعارضين التي كانت تتوعدهم بالحسم العسكري ومنطق القوة ، فبذلت الخرطوم  جهد غايته لحمل الإمام  علي المشاركة و فصم عري العلاقة بينه و تحالف نداء السودان .

الأمر الثاني:  في تقديري أن  الرئيس البشير  أراد  التلويح للسيد الإمام بأن اللقاءات بين الطرفين لن يظل رهيناً برغبة السيد الصادق .

الأمر الثالث: التلويح بالسيد مبارك الفاضل كممثل لحزب الأمة في حكومة الحوار الوطني .

لا يمكن إغفال دور السيد مبارك الفاضل من معادلة العلاقة ، فمن الناحية السياسية فهو علي دراية إحترافية في التعاطي السياسي ( إتفقنا أو إختلفنا معه ) ، قبل الخوض في تفاصيل ذلك لابد من الإشارة إلي أن مشاركة السيد مبارك من السلطة  تتسق وطبيعة علاقة الحزب من السلطة و بذات القدر من المعارضة ، فقد سبقه الي ذلك الفريق  عبدالرحمن الصادق ، من ناحية من ناحية اخري إقتراب السيد الصادق من تحالف نداء السودان في تقديري كان بوابة الخروج للسيد مبارك ، و هو أمر لا يمكن قراءتة خارج صراعات الحزب و ثاثيره علي الساحة السياسية محمولاً علي ثقل حزب الأمة و تأثيره .بل يمكن النظر إلي علاقة السيد مبارك بالسلطة تنافسية مع الفريق عبدالرحمن الصادق  حول المستقبل القيادي لحزب الأمة  حيث يمكن رصد ذلك في مواقف السيد مبارك عقب مشاركتة في حكومة الوفاق الوطني و لا سيما إنها كانت المشاركة الثانية مع الخرطوم تبدو سالكة أكثر من سابقتها  التي كانت محاطة (بالمتاريس ) من عتاه التنفيذين أمثال النائب الأول السابق الأستاذ علي عثمان محمد طه و الدكتور نافع علي نافع و اَخرين ، أضف إلي ذلك التطورات السياسية التي أرتبطت بقضية مكاتب رئيس الجمهورية و التي عرفت شعبياً ب( قضية الفريق طه ) مهدت الطريق للسيد مبارك للإقتراب  من المشهد السياسي في إيحاء  بشرعية حكومة الوفاق الوطني .

 السيد مبارك السياسية في خضم التنافس الذي صاحب تكوين حكومة الوفاق الوطني إقترب من وزارة الإستثمار مبتعدا عن المزاحمة   حول رئاسة مجلس الوزراء التي ظلت أنظار الكثيرين تتجه  نحوها  بالإضافة إتقاء ما قد يحمله ذاك الموقف من صراع قد يصطدم حزب المؤتمر الشعبي عزز من موقفه برفض تشييد ميني للوزارة بمبلغ ضخم من الدولارات مفارقة لممارسات السلطة التي إرتبطت بالفساد وعدم المعقولية  ، في خطوة لاحقة خطف الأضواء من وزير الخارجية السوداني  منقذاً إياه من  الحرج الذي أعقب تمديد العقوبات الإقتصادية الأمريكية لمدرة ثلاثة أشهر ،فإستطاع إمتصاص ردة فعل الرئيس التي تطور إلي إعلان مرسوم بوقف التفاوض مع الجانب الأمريكي ليحمل غندور علي ترديد تصريح السيد مبارك  في إجتماع مجلس الوزراء في المؤتمر الصجفي لوزارة الخارجية ((فحوي التصريح دعي لتفاؤل بالتمديد كموقف  قد تعقبه نتائج إجابية ).

في ظل إنشغال الإعلام و الشارع السوداني بالصراع الإعلامي بين السيد حسبو محمد عبدالرحمن نائب رئيس الجمهورية و السيد موسي هلال الزعيم العشائري و قائد مليشيات الدعم السريع علي خلفية المنشور الرئاسي رقم 419لسنة2017م فيما يتعلق بتفويض جمع السلاح باقليمي دارفور وكردفان و حصر وتقنين السيارات التي عرفت ب(البوكو حرام ) دفع بتصريح  في لقاءه  عبر قناه سودانية 24 في برنامج حال البلد  ( في أنه لا يري مانعاً من التطبيع مع إسرائيل ، و ان الفلسطنين باعوا أراضيهم …..)  في تقديري أن توقيته ودلالته هدفت إلي صرف الأنظار مما يجري في دارفور بين حسبو وهلال و التصعيد الذي بلغ مداه ، لم يات السيد مبارك بحديد فقد إستند علي علاقة غير معلنة بين الطرفين الواقع أشار الى دعم اسرائيل لجهود رفع العقوبات الاقتصادية الامريكية ، أضف إلى ذلك حتى لو ظاهرياً فالعلاقة بين الخرطوم وحماس لا ينقصها سوى إعلان القطيعة ، رغم النقد الإعلامي للتصريح فقد قابله الحزب الحاكم باعتباره رأي من شركاء حكومة الوفاق الوطني في مفارقة لمسلكها مع تصريح وزير الإعلام الطبيب أحمد بلال حول قناه الجزيرة  القطرية .

خلاصة الأمر  لا يمكن اغفال التطورات  السياسية في الحركة الشعبية قطاع الشمال و تأثر تحالف نداء السودان  و  التراجع الذي اعتري دور المعارضة المدنية في ظل كثافة الأحداث السياسية المرتبطة منذ مايو المنصرم ،من جانب اخر فإن الكشف عن رغبة الرئيس البشير للترشح للإنتخابات العمومية لسنة 2020 م كلها مؤشرات قد تدفع الإمام للتفكير ملياً بأن المشهد السياسي لا يحتمل ( المبادرات أو الوفاق ) فالتجارب مع الخرطوم في إحترام خصومها تمر عبر الإلتزام بمعارضتها بما تفرضة أدوات المعارضة التي يخبرها السيد الأمام بتجربته الكبيرة و سنده الواسع  ، ليبقي السؤال هل قررت الخرطوم  المفاضلة بين  السيدين  الصادق المهدي و مبارك الفاضل ) ؟ .