عادل العفيف مختار

شفي الله الشاعر الدكتور محمد أبو دومة وهو يحدثنا عن بلد الأشياء وبلد الإنجاب الفكري الممنوع.

إنه زمن المشي علي أربع، والمشي على أربع من خصائص السوام والأنعام  ودواب الأرض.، فالذي يصدر حكمه وهو يرمي بكل إفادات شهود الدفاع وراء ظهره لا يستحق الا صفة السير على أربع. والذي يصدر حكمه وهو يلتفت يمنة ويسرة هلعا طالبا النجاة لنفسه يكون قد ألقى وراء ظهره كل كتب القانون ومراجعه، وتنكر لاساتذته الذين علموه أن الجميع سواسية أمام القانون. قضاة الهوس هؤلاء هم نسخة مكررة شائهة من المهلاوي والمكاشفي الكباشي، والمكاشفي هذا( شّوّه إسما لعارف بالله قضي ليلة كاملة تحت الأمطار كّون انه نسي قرشان داخل غرفته.) هؤلاء هم الذين وصفهم الشهيد محمود ومن  غير محمود يجيد وصف هؤلاء اذ قال فيهم بأنهم غير مؤهلين فنياً وضعفوا أخلاقياً.

ورد في مجلة الأحكام القضائية  المصرية “أن القاضي غير الكفّء هو شر وبلية يمكن أن يصاب بها المجتمع، وذلك لانه إن كان في وسعك أن تمتنع عن التعامل مع أي تاجر لا يروق لك فان هذا ليس هو الشأن مع القاضي، فأنك تقف أمامه مضطّرا  يتصرف في حاضرك ومستقبلك، وما أسوأ المصير الذي ينتظرك علي يديه إذا كانت تنقصه الكفاية في “الخلق” أو “العلم” أو في كلاهما”.

ورد أيضا في الأثر أن القضاة ثلاثة، إثنان في النار بدون أي حساب وواحد يحاسب. أولهم قاضي يقضي بجهل وهذا لا يستحق حتي أن يخضع لمحاسبة   فجريرة  قضائه بجهل كفيلة بزجه مذموما مدحورا، وثانيهم قاض يقض بهوي، أي انه يقضي سواء بهواه أو بهوي سلطة تستعمله وهو الأخر يزج كصاحبه الأول. أما ثالثهم فهو الذي يقضي بالعدل ، وهذا وقتها تنصب له ولحكمه موازين العدالة. التشدد في هذا ألزمته خطورة حكم القاضي وتأثيره في مصير الأحياء.

مصيبة قضاة اليوم أنهم يرفعون شعاراً فضفاضاً أكبر من أمكانيتهم الأخلاقية، ويرتدون قميصاً واسعا ًيكشف عن ضحالة وهزال حجمهم داخله، ألم يسمع هؤلاء عن الصحابي  والخليفة عمر بن الخطاب وهو خليفة المسلمين وقاضي قضاة المدينة، كان الفاروق شديد الحب لأخيه زيد، وزيد هذا قًتل في حروب الردة، دخل قاتل زيد الإسلام ليعصم دمه لانه يعلم أن أبناء الخطاب لن يتركوه أبداً، ونقول ليعصم دمه لأنه أرتد قبلها، قاتل زيد هذا يمثل البذرة السيئة لإستغلال الدين لأسباب دنيوية، نمت واستطالت تلك البذرة واتت أُكلها في ما نشاهده من حكام السودان اليوم. دخل القاتل ليقابل الحاكم وقاضي القضاة للنظر في أمر قضية هو طرف فيها، قال له عمر والله أن النفس لا تحبك وفي رواية حتي تحب   الأرض الدم المسفوح، قال الرجل أيمنعني هذا… أي عدم الحب … من أخذ حقي؟  قال عمر لا، أجاب القاتل بكل جلافته البدوية وفي أبشع صور إستغلال سماحة الدين …. مالي وحبك… ، إنما يبكي علي الحب النساء، والله أكاد أجزم لو قيض الله لقاتل زيد بن الخطاب أحد قضاة السودان اليوم، لحكم عليه بالجلد أولا والقتل والصلب ثانيا مع دفع الغرامة. هذه صورة تبين ان الاحكام لا تصدر تشفياً ولا إنتقاماً.

يفترض أن تكون نزاهة القضاء وإستقلاليته وبعده عن التنازع السياسي الشغل الشاغل لأهل الحكم ، يروي عن شارل ديجول غداة تحرير يلاده أن سأل عن القضاء فيها فأجابوه بأنه بأفضل حال، فقال إذن نحن بخير. فلهذا إذا أَصيبت الأمة في قضائها فأقم عليها  مأتما وعويلا.

رغم ما ظللنا نشاهده من كآبة منظر القضاء وسوء منقلبه، إلا أن اصحاب ثقافة العناوين  يكررون علي  مسامعنا عبارة القضاء مستقل، هم لا يدركون أن إستقلال القضاء يعني أن أحكامه يفترض فيها تحقيق العدالة، وأن تكون متحررة بالكامل من تأثير السلطة، فالقاضي في زمن الإنحطاط هذا ليس فقط يقع تحت تأثير السلطة المباشر، بل هو لا يملك حق  إصدار الحكم فكل ما عليه القيام به هو تلاوة الحكم الجاهز. وكي لا يقول قائل أننا نلقي القول علي عواهنه، أُ حيل هؤلاء إلي محاكمات شهدها الجميع وتابع النشطاء وقائعها، وشاهدوا لتسويف المتعمد في وقائع محكمة الشهيدة عوضية عجبنا والتي تنطبق عليها  مادة القتل العمد نصا وروحا، إذ أن القاتل تعمد إصابة القتيلة في مقتل وهو الرأس وبسلاح ناري ، أي أن الذي يطلق ناراً علي الرأس  يعلم علم اليقين أنا الموت  الزؤام هي المصير الحتمي.

كذلك نحيل  اصحاب عبارة القضاء مستقل إلي قضية إبن لاعب الموردة السابق  الصادق ويو، ليقولوا لنا من القاتل غير ذلك المجهول ولماذا لم تستطع الأجهزة الشرطية معرفته رغم شهادة شهود العيان، في حين أنها تعرفت علي الطالب عاصم عمر من بين عشرات المئات  وقبل هذا وذاك نتسآل عن قاتل أو بالأحري قتلة شهداء سبتمبر.قضية نشطاء تراكس مثالا ناصعا عن إستقلال القضاء المزعوم، فبعد أن فندت هيئة الدفاع بقيادة الصنديد أديب الذي جعل المتحري لا يردد سوي عبارة ” ما عارف”، إلا أن قاضي النظام أبي إلا أن يصدر أحكامه الجائرة بحقهم. ومن المعلوم بداهة أن الأحكام تبني علي الحيثيات وهم لم تكن لهم منها نصيب. يجب أن يشتمل الحكم علي الأسباب التي تثبت صحة الواقعة الجنائية ونسبتها للمتهم، وأسباب الحكم يطلق عليها حيثيات الحكم وهي الاسانيد الواقعية والقانونية التي إستندت عليها المحكمة، كما يجب أن تكون الحيثيات في بيان واضح مفصل بحيث يّتبين الوقوف علي مسوغات ما قضي به، أما العبارات المعممة والفضفاضة  لا تُوفي ببيان الأسباب.

في محكمة الطالب عاصم عمر فشل الإتهام كعادته في إثبات أي دليل إدانة ضده، ومع ذلك جاء الحكم بالإعدام في قضية أغرب ما فيها هو عدم حضور أولياء الدم في أي مرحلة من مراحل التقاضي.  ومن غرابة هذه القضية أيضا أن التحري فتح بلاغاً بالأذي الجسيم بعد بلاغ القتل العمد كما بّين ذلك الدفاع والذي أجاب عليه المتحري ب” ما عارف” الشي الذي يؤكد العجلة في تلفيق التهمة،  هؤلاء القضاة لا يملكون سلطة إصدار حكم ، فالحكم الصادر في مجالسهم المرموقة  فقط يعالج بالموت وما عليهم سوي تحمل عار تلاوته.

adilalafif@hotmail.com