رشا عوض  

الأوطان التي تعبر مخاض التأسيس وتواجهها التحديات الأولية لبناء الأمة تحتاج إلى سياسيين يتميزون بدرجة عالية جدا من إنكار الذات والاستعداد للتضحيات الكبيرة..

تحتاج إلى سياسيين كبار في عقولهم ونفوسهم وأخلاقهم.. يدركون أن طريق الصعود إلى السلطة يجب ان يكون مرصوفا بمؤهلات “القدرة الحقيقية على البناء المادي والمعنوي للوطن” بحيث تكون بضاعة كل سياسي خارطة طريقه المفصلة نحو إنجاز أولويات بناء السلام المستدام و التنمية البشرية والاقتصادية،

نحتاج إلى سياسيين يتحرقون شوقا لتحقيق مجانية وإلزامية التعليم العام ومجانية الرعاية الصحية الأولية وتوسيع مظلات التأمين الصحي والاجتماعي.. في ظل نظام ديمقراطي وقضاء مستقل وحريات عامة مصانة ،

نحتاج إلى سياسيين منهمكين في تعظيم الثروة القومية لا تعظيم ثرواتهم الخاصة وعقاراتهم ومزارعهم وأرصدتهم عبر سلب ونهب لقمة الفقراء وجرعة دوائهم!

السياسي السوداني لا يملك ترف الانغماس في ملذات السلطة وإدمانها ثم الانهماك في المؤامرات الدنيئة والصراعات  لإقصاء منافسيه عليها وكأنها غنيمة!

السلطة في بلادنا المنكوبة يجب ان تكون عبءً كبيرا ومسؤولية عظيمة،

صحيح للزعامة السياسية بريقها ونشوتها ولكن السياسي السوداني يجب ان لا يلتفت إلا إلى الأعباء الثقيلة والواجبات الكبيرة!

السياسيون السودانيون يجب ان يعملوا سويا كبحارة في سفينة أوشكت على الغرق! الكل يتمنى من أعماق قلبه ان يحقق الآخر أقصى درجات النجاح لنجاة السفينة بمن فيها فلا يعقل ان يتصارع راشدون على حجز غرف الدرجة الأولى في سفينة تترنح بعد ان تسرب إليها الماء ذات يوم عاصف!!!

 

المضحك المبكي في راهن السودان المنكوب المفتقر تماما لأرضية التنافس السياسي الشريف نظرا لوقوعه في قبضة استبداد غليظ هو فرادة انحطاط الصراع المحموم على السلطة بين النظام ومعارضيه وكذلك بين أجنحة النظام نفسها، يتجلى ذلك في التهديد المتكرر من “رأس النظام” وكبار مشايعيه وأبواقه الإعلامية المأجورة بعد كل حراك جماهيري في الشارع بتدمير البلاد وتحويلها الى سوريا او ليبيا! اي أنهم يقولون لمعارضيهم بلسان الحال : إما ان تستسلموا لاستبدادنا وفسادنا وانتم صاغرون وإما ان نقتلكم ونطلق فيكم شياطين الفوضى والخراب التي تدمر الوطن دمارا شاملا!

مثل هذا التهديد أكبر شاهد على رداءة بل فساد “الخامة السياسية” ليس للبشير وعصابته فحسب بل لمجمل “المشروع السياسي الإسلاموي” الذي أنتج سياسيين يتعاملون مع الوطن كتعامل رجال العصابات مع رهائنهم! فهم على أتم استعداد لإزهاق روح الرهينة حال عدم حصولهم على مبتغاهم! اي ثقافة واي أخلاق واي تربية سياسية أنتجت هؤلاء الطواغيت الذين قتلوا ومع سبق الاصرار والترصد كل فرص النمو الطبيعي لبدائل سياسية ناضجة لتحل محل نظامهم الموغل في الاستبداد والفساد، ثم راحوا يلتمسون مشروعية بقائهم في الحكم لا عبر اي إصلاحات ولو جزئية بل عبر الابتزاز بالفوضى التي غرسوا بذرتها وتعهدوها بالسقاية إلى ان أصبحت شجرة خبيثة طلعها كرؤوس الشياطين!!

أما إذا نظرنا إلى ضفة المعارضة المدنية فنجد مأزق “الخامات السياسية الرديئة” مستوطنا هناك! وهو من أهم أسباب فشل المعارضة في تحقيق أهدافها، بل وتبديد طاقاتها في “صراعات كبيرة” فيما بينها على خلفية “أسباب صغيرة” جلها شخصاني وغير مبدئي، فضلا عن الهشاشة التنظيمية والضعف المؤسسي والافتقار لأدوات العمل السياسي المؤثر على الأرض، وبالنسبة للمعارضة المسلحة ورغم التضحيات الكبيرة جدا لقواعدها فقد أقعدتها كذلك آفة “الخامات السياسية الرديئة” لكثير من قياداتها التي تنظر للسياسة بعيون الغنائم الشخصية وأكبر تجسيد لذلك نموذج الحكم الذي انتجته الحركة الشعبية في جنوب السودان والثراء الفاحش الذي يرفل فيه كثيرون من “قادة السودان الجديد” وشعوبهم تتضور جوعا!! فالسياسة في عرف هؤلاء ليست وسيلة لخدمة الجماهير بل مطية لخدمة الذات!  ومثل هذه القيادات ليست بمستوى التحدي!   

إن كل من ينظر إلى العمل السياسي كوسيلة لإرضاء غروره ونرجسيته ومطية للنجومية واجتذاب الأضواء والوجاهة الاجتماعية ومتعة التسلط فعليه ان ينام نومة أهل الكهف ويخرج علينا بعد مئات السنين ليجد البلاد قد اجتازت تحديات وقف الحروب ومداواة جراحاتها، وتحديات توفير الماء الصالح للشرب ومكافحة سوء التغذية وإنشاء شبكات الصرف الصحي ومحو الأمية ووقف انهيار البيئة ووووووووو عندها فقط سيكون ترف الاستمتاع بمباهج السلطة ممكنا!!

وتأسيسا على ذلك فإن الحد الفاصل بين “السودان القديم” و”السودان الجديد” هو “خامة السياسيين”

وليس الشعارات والادعاءات !

وقد أثبت “فحص الخامة” في السودانين “القديم” و”الجديد” أن لا جديد تحت شمس السودان إلى حين إشعار آخر!!!

 

ولكن يبقى السؤال ما العمل؟

حتما لن يكون الحل في هبوط خامة جديدة من السياسيين من السماء، فالشعب السوداني ككل شعوب الدنيا له قدرات كامنة لصناعة الغد المختلف، ولكن توليد طاقة الفعل من تلك القدرات له استحقاقات على رأسها بروز مشروع  سياسي بديل يتسم بالنضج ووضوح الرؤية في قضايا المرحلة وأن تنهض بهذا الخطاب مؤسسات فاعلة قوية الأذرع ولها عمقها الجماهيري وحضورها المحسوس الملموس، ويجب ان يمتلك “المشروع الوطني البديل” مؤسسة متخصصة في صناعة القيادات السياسية المؤمنة بالوطن، المؤهلة أخلاقيا وفكريا ومعرفيا للنهوض بالسودان سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، مؤسسة وظيفتها تمليك نخبة مختارة بعناية  من الشباب السودانيين والشابات السودانيات من مختلف أقاليم السودان ومن مختلف التوجهات الفكرية والانتماءات السياسية، تمليكهم  علوم وفنون ومهارات وقبل ذلك أخلاقيات العمل السياسي المنتج، وتوطين قيم النزاهة والشفافية والمؤسسية والديمقراطية وحقوق الإنسان في عقولهم.

إلى حين إنجاز ذلك “المشروع الاستراتيجي”  سوف يظل ثوب السياسية السودانية منسوجا من تلك “الخامات الرديئة” و”الخامات المهترئة” ولأن الحياة السياسية بطبيعتها لا تحتمل الفراغ، سوف نرتدي هذا الثوب البائس ونحن على يقين أنه سيؤذينا برداءته وكثرة ثقوبه واتساع الفتق على الراتق مرارا.

بداهة لا يعقل ان يمشي  الإنسان عاريا لان ثيابه الحالية بالية!  سيظل يبذل قصاراه في غسلها وكيها وترقيعها! ولكن العاقل الذي اهترأت ملابسه يجب أن  يسعى جاهدا في استبدالها وإذا لم يفعل حتما سيجد نفسه عاريا ذات يوم!  

هذا بالضبط حال السودانيين مع قواهم السياسية الراهنة، لا مجال لمواقف عدمية، فالحياة لا تحتمل الفراغ وضروري جدا ان يعمل البعض في إصلاح ما يمكن إصلاحه وترقيع ما يمكن ترقيعه مما هو متاح أمامنا، أما الهدف الاستراتيجي الذي يجب ان توجه إليه الطاقات النوعية فهو “صناعة المشروع الوطني البديل”.