فائز السليك

   لظروف خاصة كنتُ قد أرجأتُ قراءة أطروحة الدكتور النور حمد التي قصد بها الترسيخ لفكرة أن كل أزماتنا الحياتية والسياسية مرتبطة بما أسماه” العقل الرعوي ” وتصوير العقل السوداني كعقل جامد وثابت وغير قابل للتطور؛ بل مقاوم للحداثة، والتغيير.

 في البدء لا بد من تقديم آيات الشكر للدكتور النور لاجتهاده في طرح رؤية مغايرة لما هو سائد، ولمحاولته الخروج على صندوق تفكيرنا كسودانيين في كيفية تناول أزمتنا المستفحلة؛ وذلك بتركيز النور على الأبعاد الفكرية والثقافية للأزمات السياسية والاجتماعية، ولذلك أجدني من الداعين الى ضرورة الحفر في الأعماق وسبر اغوار الأزمات بدلاً عن السباحة السريعة فوق السطح، والاهتمام فقط بنتائجها وتداعياتها، وقد سبق لي أن طرحت رؤيتي هذه في كتابي ” الزلزال.. العقل السوداني ذاكرة مثقوبة وتفكير مضطرب” الصادر في عام ٢٠١٣.

 تحدثتُ في كتابي عن أزمات العقل الجمعي السوداني، ووصفته بأنه عقل مُضطرِب التفكير ومثقوب الذَّاكرة، وهو أقرب في تصرفاته الى العقل المعياري، ومن أبرز سماته أنه متحفظ، يقبل بالمسلمات والقطعيات دون تمحيص، خنوع لا يجنح للجدل والبحث عن المقدمات والنتائج، والربط بين الجزئيات والكليات.

    بدا لي منذ المقالة الأولى أن رؤية الدكتور النور حمد افتقرت الى تأسيس نظري قائم على التحقق عبر مناهج او طرق علمية معروفة منها الملاحظة والمشاهدة، وركز فقط على وصف الحاضر والسرد التاريخي، وشاب الأطروحة عدم استنادها على ساقين علميين، لذلك جاء ” المصطلح ” هلاميا” و ” ملتبساً” ومتأرجحاً ما بين الخلط بين ” الرعوي” و”القبلي”؛ وتعميم القيم المُنتَجة بواسطة هذا العقل على الجميع.

 

   ولو بدأنا بتعريف اجرائي ومفاهيمي؛ سوف نصل إلى أن العقل هو أداة تفكير وإنتاج ، وفي ذات الوقت يكون العقل نتاجاً معرفياً لعوامل وظروف بيئية وتربوية وتعليمية وجينية. فالعقل من حيث المبدأ ” مُنتِج” بضم الميم، وكسر التاء، أي على ” اسم فاعل بوزن مُفْعِل” أما الأفكار، فهي ” مُنتَجَة ” ، بضم الميم وفتح التاء، أي أنها مفعولة، وللعقل تعريفه في اللَّغة، كما ورد في لسان العرب لابن منظور ” الجامع لأمره، مأخوذ من عقلت البعير إذا جمعت قوائمه، وقيل “العاقل” الذي يحبس نفسه ويردها عن هواها، أخذ من قولهم قد اعتقل لسانه إذا حبس ومنع من الكلام والمعقول ما تعقله بقلبك , والعقل التثبت في الأمور والعقل: القلب، والقلب العقل, وسُمي العقل عقلاً، لأنه يعقل صاحبه عن التورط في المهالك، وبهذا يتميز الإنسان عن سائر الحيوان، ويقال: لفلان قلب عقول، ولسان سؤول، وقلب عقول: فهم. وعقل الشيء يعقله عقلاً أي فهمه).

 وللعقل كذلك تعريفه في علم النفس، انطلاقاً من تفاعلاته وانفعالاته، وله كذلك تعريفه في علم الأحياء “البيولوجي”، انطلاقاً من وظيفته الحيوية. ولا يمكن أن نسقط آخر اجتهادات عدد من الفلاسفة القدماء، ومحاولاتهم المستمرة في تعريف ماهية العقل؟ ومن أراد التفصيل أكثر فليبحث في مساهمات ديكارت و جون لوك وايمانويل كانط. ولا نود هنا أن نزحم القارئ بها جميها. وما قدموه من تعريفات للعقل؛ ودوره في الوظائف العليا للدماغ البشري؛ خاصة تلك الوظائف التي يكون فيها الوعي حاضراً مثل: الشخصية، التفكير، الجدل، الذاكرة، الذكاء، وحتى الانفعال العاطفي يعدها البعض ضمن وظائف العقل. 

 

وحين نتحدث عن عقل جماعة ما؛ فإن القصد من ذلك يكون ” جماعة مهنية” مثل أن نقول مهندسين، أطباء، صحافيين، زراع، عمال، رعاة. وهنا يمكن اطلاق لفظ ” العقل الجماعي” على مجموعة تتشابه في طرق تفكيرها، وتصوراتها المهنية، أو حتى الحياتية، ولا غضاضة اطلاقاً في وجود عقل ” رعوي” منسوب الى جماعة من الناس استوطنت البادية، وحفرت في ذاكرتها الجمعية نوعاً من القيم المشتركة وأنماط التفكير المتشابه، وتركت بصماتها الجينية على الأفراد كآحاد، أو على المجموع المشترك،  أما حين نتحدث عن ” شعب” أو ” مجتمع” من الصعب اخذ مهنة واحدة والصاقها بكل أفراد المجتمع، أو حتى بعقلهم الجمعي؛ إلا إذا ما كانت غالبية الشعب تمارس ذات المهنة، وغير ذلك  يبقى ما يمكن تسميته؛ بالعقل الجمعي لمجتمع أو مجتمعات تشترك في كثير من الخصائص مثل التراث المشترك، الوجدان، التاريخ، والجغرافيا ، أو  كل أولئك الذين تضمهم “افتراضياً دولة واحدة.

  و العقل الجمعي ” فهو مجموع الخصائص المشتركة التي تكونها تصورات موحدة حول كل  المسائل الحياتية والوجودية، وبالطبع فإن هذا التصور،  ينطلق من  منظومة مرجعية تُشكَّل قاعدته، ونقطة انطلاقه،  ومعروف  أنَّ لكل مجتمع خصائصه، وبصماته، وهي محصلة لمكونات ثقافية، وبيئية، وجينية،  تجعله يُفكَّر، وفق إحداثيات هذه المرجعية،  ويرى الدكتور محمد عابد الجابري ، في كتابه ” نقد العقل العربي/ تكوين العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة 11، بيروت، ص 13″ التفكير بواسطة ثقافة ما؛ معناه التفكير من خلال منظومة مرجعية تشكل إحداثياتها الأساسية من محددات هذه الثقافة ومكوناتها، وفي مقدمتها الموروث الثقافي، والمحيط الاجتماعي، والنظرة إلى المستقبل، بل والنظرة إلى العالم، إلى الكون، والإنسان، كما تحددها مكونات تلك الثقافة، وهكذا، فإذا كان الإنسان يحمل معه تاريخه، شاء أم كره، كما يقال، فكذلك الفكر، يحمل معه شاء أم كره، آثار مكوناته، وبصمات الواقع الحضاري الذي تشكل فيه، ومن خلاله”   ويربط كثير من المفكرين مثل الجابري بين العقل والفكر، أي أنهم يرون أن العقل هو مُنتج للفكر، أو مكوِّن، وبالتالي اعتباره وسيلة تفكير، أو أداة إنتاج، أما العقل المكوَّن، فهو الذي تم انتاجه بواسطة منظومة معرفية محددّة، وهو العقل السائد، أو هو  جملة المبادئ، والقواعد التي تقدمها الثقافة، للمنتمين إليها كأساس لاكتساب المعرفة، أو لنقل : تفرضها عليهم كنظام معرفي، وأتفق مع النور حمد في توصيفه لما يعرف بالعقل السائد مع اختلافي معه في المصطلح، اذ يقول ” ليس أسهل على الفرد من تملق العقل الجمعي، وترديد ما هو مردّدٌ، أصلاً، مما يجلب الاستحسان السريع، والهتاف. يضع عقل القبيلة، أو قل “العقل الرعوي”، الفرد تحت ابطه، ويكيّف حركاته وسكناته، فيصبح أسيرًا، دائم الأسر، لسلطة السائد. بل، يصبح غير واعٍ بأنه مأسور. لذلك، لا يتردد في شهر السلاح في وجه كل من يحاول تحريك الراكد”.

وبالطبع هناك علاقة تأثير وتأثر فيما بين العقل الفاعل، والعقل السائد، و الفصل، أو التمييز بينهما هو فصل “إجرائي”، لاعتبارات منهجية”.  والنظام المعرفي، يمكن أن نعتبره ” ثقافة”، والثقافة لها تعريفات مختلفة؛ أبرزها ” الكل المركب الذي يشتمل على كل أنواع المعرفة، بما في ذلك العادات والتقاليد، والمعتقدات”، وعند آخرين” هي ما يبقى في الذهن عند نسيان كل شيء؛ وهي هنا  أقرب إلى تعريف علم النفس  إلى العقل الباطن، حيث أن العقل ذاته عقلان، واعي، وباطن” ” ويعتبر التحليل النفسي أن النفس الإنسانية تُقسَّم إلى قسمين أساسيين، النفس الواعية، وتسمى الوعي أو الشعور، وهي مركز العمليات الذهنية العادية، من تفكير وإدراك، وإحساس، وإرادة ، وتخطيط، وتفاعل مع العالم، والنفس اللّاواعية، وهي التي تضم كل القوى النزوية، كل الميول الطفلية، والبدائية ذات الطابع الحيواني التي لا تعرف المنطق، ولا الزمان، ولا المكان، هذه القوى تظل بعيدة عن إدراكنا، ولكنها تؤثر فينا، توجه سلوكنا وعلاقاتنا، واختياراتنا بدون أن ندري، حتى أنها قد تقتنع باعتبارات عقلانية منطقية، واللّاوعي في رأي التحليل النفسي يشكل الجانب الأكبر من الحياة النفسية، وتأثيره حاسم في بنية الشخصية وتوجهاتها الأساسية. تظهر محتويات اللَّاوعي المكبوتة بشكل مُقنَّع في الأحلام، والأعراض المرضية، والهفوات، وفلتات اللِّسان. ويرى بعض علماء النفس أن اللّاوعي، أو العقل الباطن هو كل ما يغوص في الماء من كتلة جبل الجليد، أما ما يظهر من الكتلة المعنية فهو الوعي.

وغالباً ما يظهر العقل الباطن عند المنعطفات التاريخية، والسياسية، ولذلك سنتناوله عند تناولنا للعقل السياسي السوداني. وربما  تقفز جملةُ من التساؤلات حول إن كان ثمة ” عقل سوداني، وآخر غير سوداني؟” وهو سؤال طرحة المفكر المغربي الدكتور محمد عابد الجابري في مؤلفه القيم ” نقد العقل العربي/ تكوين العقل العربي عند تعريفه  للعقل العربي.

 

وهذا ما يدفعني للتساؤل حول ماهية” العقل الرعوي” أهو مردود للمهنة أم إلى القبيلة؟ ولم يتوقف الأمر على واقعنا الداخلي أو الإقليمي المحيط، بل تجاوزه بقفزات الى فضاءات وسياقات مختلفة عن واقعنا معرفياً ومكانياً وثقافيا حتى أنه ربط بعض الأحداث في أوروبا بعد عصر النهضة والحداثة والصناعة بالعقل الرعوي مثل قوله “إن الفاشية والنازية، رغم أنهما حدثتا في إطار الحداثة الغربية، تظلان، هبتين رعويتين. فما أنجزته النازية في ألمانيا، من انجازات مبهرة في مجالات التصنيع، وبناء دولة حديثة مقتدرة، لم يمنعها من أن تقيم كل دعاويها واحتلالها لديار الغير، على نزعة عنصرية بالغة التطرف. فقد أشعلت النازية حربًا مجنونة كان بها خراب ألمانيا وكثيرًا من أجزاء أوروبا، إضافةً إلى إزهاق خمسة وأربعين مليونا من البشر. والعنصرية النازية ليست سوى حالة قبلية، عنصرية، انبثقت من داخل بنية الحداثة” وهنا يقفز سؤال؛ هل الرعوية تعني القبيلة؟ وهل يمكن أن تكون قبيلة كاملة ” مثلا ” الدناقلة، الفور، المساليت، أو الجعليين  هي قبيلة رعوية، أي أن كل أفرادها يشتغلون بمهنة الرعي؟ وهل للمهنة بصماتها الجينية على العقل لكي تبقى قروناً مهما تغيرت البيئة وتبدلت الأحوال؟ وكيف يمكن ربط الفاشية والنازية بمهنة الرعي؟ ان كان القصد ربط  قيم الرعاة في عدم الانضباط، أو الإحساس بالزمن، او حتى طرق فض النزاعات بما في ذلك العنف فهل العنف كسمة من سمات البشر ظلت سمة رعوية؟ ” حصرياً” وهل حين قتل قابيل أخاه هابيل كانا راعيان؟  أطرح هذه التساؤلات لمزيد من الحوارات، واعمال الذهن، ومن ثم مواصلة رؤيتي في حلقات قادمات.