خالد فضل

كل عام وانتم بخير، انتهت أيام عيد الأضحى وخلالها خفت الزحمة فى الخرطوم، لقد غادرها مئات الآلاف من قاطنيها قسرا، عادوا إلى ذويهم أو بالأحرى (عقابهم)الذى خلفوه وراءهم فى الأقاليم، وبالطبع فإنما الجٱهم إلى طاحونة العاصمة الشديد القوى، فقد اشتعلت الحروب فى أقاليم واسعة من أنحاء السودان وجفت الضروع ونضبت مصادر الرزق بانهيار المشاريع الزراعية والصناعية والخدمية وشهدت بلادنا خلال عقود الإنقاذ المظلمة أسوأ وأكبر موجات النزوح واللجوء والهجرة وإعادة التوطين وركوب الصعاب والتسلل عبر الاسلاك الشائكة ومجاهيل الصحراء الكبرى ومصارعة أمواج البحار الهادرة فى الأبيض المتوسط والمحيطات فوق الواح المراكب والسنابك والقوارب وكأنما شعارهم (ياغرق ياجيت حازمة)،هكذا صارت الخرطوم أكبر قرى السودان، ولم تتسع فى الحقيقة لتشملهم بعطف البيت الكبير ولم تستقبلهم بحضن العاصمة العاصمة من غوائل الدهر، وانا لها ذلك وهى نفسها مشنوقة فوق الطلحة الكيزانية_ بتحريف لمقطع من قصيدة حميد المشهورة_.

قبل العيد وخلال أيامه حدثت مجزرة الجامعة الإسلامية التي راح ضحيتها طالبان وثالثهما يحتضر،بحسب ما أوردته صحيفة (التغيير الالكترونية) قبل يومين، فقد لحظت أن أجهزة إعلام السلطة تكثر الحديث عن عملية نزع السلاح التي يقودها نائب الرئيس حسبو عبد الرحمن، الذى دارت بينه وبين موسى هلال (أحد أبرز قادة الجنجويد فى السودان) ملاسنات اعلامية على خلفية عملية نزع السلاح، وهى العملية التى تفتقر فى تقديرى الى أبسط مقومات نجاحها، فحمل السلاح لم يأتى اعتباطا بل له جذور ثقافية لدى بعض المجموعات خاصة الرعوية منها،كما أن مصادر الحصول عليه تتعدد كذلك، فهنالك من يشتريه أو يرثه.،أما في اقاليم دارفور وكردفان فإن انتشار السلاح وتكوين المليشيات القبلية فقد ارتبط بصورة مباشرة بالسلطة فى الخرطوم، فعلى ايام الديمقراطية الثالثة تم تسليح بعض القبائل بحجة الدفاع عن النفس فى مواجهة هجمات الجيش الشعبي لتحرير السودان بقيادة الراحل د.جون قرنق وقتذاك فبدات نواة ماعرف لاحقا بالدفاع الشعبى الذى أكملت الإنقاذ تكوينه والحاقه بصورة او اخرى بالقوات المسلحة السودانية، فتجربة الدفاع الشعبى تعتبر أكبر عملية تسليح للمواطنين وغرس ثقافة العنف والإقصاء تحت زريعة الجهاد ودحر التمرد وفرض السلام بالقوة وبسط هيبة الدولة قسرا واسكات الخونة والمارقين أعداء الوطن والدين من الطابور الخامس والمعارضين، وتم فرض الدورات الحتمية فى التدريب العسكرى على تلاميذ المدارس وأساتذة الجامعات وكل منسوبى الخدمة المدنية وتبارت الفيالق بالمسميات الدينية من القعقاع إلى المغيرات صبحا ولم تسلم أخوات نسيبة فكان يتم استعراضهن على شاشات التلفزيون وهن مدججات بالسلاح وينشدن اناشيد تنظيم الإخوان المسلمين وخلفهن قيقم وشنان بالطبل والمزمار ويهز البشير عصاه قبل أن يكمل فاصل رقصته المشهورة ثم يعلو الهتاف (هى لله هى لله لا للسلطة ولا للجاه).

إن الشاب أو الشابة من ذوى الثلاثين عاما الآن قد نشأوا وتربوا على أدبيات القتل والسحق والتدمير للآخر المختلف ليس فى الدين فحسب بل ولو كان اختلافا في الراي، الحقيقة أن كل قادة الإنقاذ من الصف الأول أو الثاني المسيطرين الآن هم ثمرة عقلية العنف والتسليح وهنالك شكوك معقولة بأن نائب الرئيس نفسه من عتاة الذين تولوا كبر التسليح للمليشيات القبلية فى دارفور منذ مطلع القرن الحالي، كما لا يخفى ان كل المنتمين للمؤتمر الوطني الذين يتولون الآن المناصب والمواقع القيادية مثل الولاة والمعتمدين والمديرين العامين والمنسقين كلهم بسلامتهم من خريجى مدرسة قعقعة السلاح،بل إن بعضهم درس الجامعة بعد نيلهم للدرجات الإضافية التى كانت تمنح للمجاهدين مثلها مثل صكوك الغفران التى كانت تمنحها الكنيسة لاتباعها فى أوروبا فى عصور الظلام،فكيف يتخلى كل هؤلاء عن الامتياز الذى نالوه بحملهم السلاح فقد صارت معيشتهم ومخصصاتهم ووظائفهم مربوطة بالكلاشنكوف، وإذا كان حسبو يريد جمع السلاح من ايدى المليشيات التى كونتها حكومته وشونتها وقامت نيابة عنها بحرق القرى وتشريد المواطنين فى اقليم دارفور فإن هذه المهمة تبدو مستحيلة خاصة بعد أن صارت لتلك المليشيات تطلعات كبيرة وصار بعض قادتها من القادة الكبار فى البلاد الذين تفتح أمامهم الخزانة العامة ويمنحون الرتب والألقاب وتنحني امامهم هامات الضباط من خريجى الكلية الحربية، فمن يلجم هذه التطلعات المشروعة لقادة المليشيات؟ ماهو التغيير الذى طرأ فى سياسات السلطة بل أين هى السلطة نفسها وحالة البلاد كلها على ماهى عليه من إنهيار جعل من مشكلة المواصلات فى العاصمة مما تتطلب سقوط شعر الرأس حتى يصبح صلعة مثل صلعة الوالى عبدالرحيم ولا حل أو كما قال.

عملية نزع السلاح من الايدي ترتبط بنزعه أولا من العقول، فإذا كان فى وسع طالب واحد قتل ثلاثة من زملائه دفعة واحدة فى السكن الجامعى فى قلب الخرطوم فكيف تكون الحال لمن يغير بسلاحه على قرية ما فيحصل على غنائمها؟ ولاسبيل لنزع السلاح من العقول طالما ظل غارسوه يتسيدون الحياة العامة ويسيطرون على كل مفاتيحها، نزع السلاح عملية سياسية تبدأ بوقف الحرب وإبرام اتفاقيات سلام عادلة وقابلة للتنفيذ والاستدامة يصحبها مشروع تغيير جذري يقوده اناس من ذوى العقول الخيرة النيرة المعبأة بالوعى وثقافة حقوق الإنسان والاستنارة وليس كما هو الحال الآن إذ يتولاه من (فى ايدو رشاش في ايدو خنجر)! ورحم الله الطلاب الثلاثة الذين كانوا آخر ضحايا العنف القابع فى العقول.